ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

٤- دلّ قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ على سرعة الخلق والتكوين، وسرعة الحساب والبعث.
٥- دلّت الآيات التي ذكرت أوصاف الله تعالى المتقدمة على أنه لا معبود بحق إلا الله وحده.
٦- ثبت بالإجماع أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام، فهو النافخ، والله عزّ وجلّ يحيي النفوس. قال أبو الهيثم: من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط، وطلب لها تأويلات. وقال ابن فارس: الصور الذي في الحديث كالقرن ينفخ فيه.
الجدال بين إبراهيم عليه السلام وبين آزر وسبب ترك الشرك
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٩]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)

صفحة رقم 259

الإعراب:
لِأَبِيهِ آزَرَ آزر: بدل مجرور من لِأَبِيهِ كأنه اسم له، وهو ممنوع من الصرف للعجمة والتعريف، وهو أيضا على مثال (أفعل) نحو: أحمد، ومن قرأ بالضم جعله منادى مفردا وتقديره:
يا آزر أتتخذ أصناما آلهة استفهام توبيخ.
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ: وَلِيَكُونَ: معطوف على مقدر، تقديره: ليستدل وليكون من الموقنين، واللام تتعلق بفعل مقدر تقديره: ليستدل وليكون من الموقنين أريناه الملكوت.
بازِغَةً منصوب على الحال لأن رَأَى هنا بصرية من رؤية العين، لا قلبية.
البلاغة:
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ حكاية حال ماضية، أي أريناه.
لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فيه تعريض بضلال قومه.
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
إِبْراهِيمُ خليل الرحمن، أبو الأنبياء، العاشر من أولاد سام، جد العرب، وأبو إسماعيل، المولود في بلدة «أور» أي النور من بلاد الكلدان، وهي المعروفة الآن باسم «أورفة» جنوب الحدود التركية المجاورة للحدود السورية. آزَرَ أبو إبراهيم، وهو لقبه واسمه تارح، أو تارخ، ومعناه متكاسل. أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؟ تعبدها، والاستفهام للتوبيخ.
إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ باتخاذها. فِي ضَلالٍ عن الحق، والضلال: العدول عن الطريق الموصل إلى الهدف. مُبِينٍ بيّن واضح. وَكَذلِكَ أي كما أريناه ضلال أبيه وقومه نري إبراهيم.
مَلَكُوتَ ملك وسلطان وعظمة، أراه الله عظمة السموات والأرض ليستدل بذلك على وحدانية الله. وجملة وَكَذلِكَ وما بعدها اعتراض وعطف على: قال.
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أظلم أو ستره بظلمته. رَأى كَوْكَباً نجما مضيئا، قيل: هو الزهرة أو المشتري. أَفَلَ غاب بعد ظهوره. لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ أن أتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأنهما من شأن الحوادث، فلم ينجع فيهم ذلك. بازِغاً طالعا، وبزوغ القمر: ابتداء طلوعه. يَهْدِنِي رَبِّي يثبتني على الهدى. مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ تعريض لقومه بأنهم على ضلال، فلم يؤثر فيهم ذلك. هذا أَكْبَرُ من الكوكب والقمر. إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث، فقالوا له: ما تعبد؟

صفحة رقم 260

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ قصدت بعبادتي وطلب حاجتي وجه الله وحده، مع إخلاص العبودية.
فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أخرجهما إلى الوجود أو أبدعهما أو خلقهما لا على مثال سابق.
حَنِيفاً مائلا عن الضلال والشرك إلى الدين القيم.
المناسبة:
ذكر الله تعالى هنا قصة إبراهيم مع أبيه آزر في إبطال الوثنية، للاحتجاج على مشركي العرب، لأن جميع الطوائف والملل تعترف بفضله، فالمشركون يقرّون بأنهم من أولاده ويعترفون بفضله، ويدّعون أنهم من ملته، واليهود والنصارى كلهم معظمون له، معترفون بجلالة قدره، وإذا كان إبراهيم يجادل قومه ويناقشهم في عبادة الأوثان، مرة بعد مرة، فعلى العرب أحفاده أن يرجعوا عن غيهم، ويدركوا خطأهم في عبادة الأوثان.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناما آلهة، تعبدها من دون الله؟! مع أن الله هو الذي خلقك وخلقها، فهو المستحق للعبادة دونها.
قال ابن كثير: والصواب أن اسم أبيه آزر.
إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام، أي السالكين مسلكك والسائرين على طريقتك، في ضلال واضح، أي تائهين، لا يهتدون إلى الطريق القويم الذي يسلكونه، بل هم في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بيّن واضح لكل ذي عقل سليم، وأي ضلال أوضح من عبادتكم صنما من حجر أو شجر أو معدن، تنحتونه بأيديكم، ثم تعبدونه وتقدسونه، كقوله تعالى: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؟ [الصافات ٣٧/ ٩٥- ٩٦] وأنتم أسمى من الصنم شأنا، وأعلى مكانة، فأنتم تعقلون، والأصنام صماء لا تعقل ولا تدفع عن نفسها الضر، ثم تتخذونهم آلهة معبودة؟!

صفحة رقم 261

والتعبير بالضلال المبين: معناه الانحراف عن طريق الاستقامة، كما قال تعالى لنبيه محمد: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى ٩٣/ ٧].
وكما أرينا إبراهيم ضلال أبيه وقومه في عبادتهم الأصنام والأوثان، أريناه مرة بعد أخرى ملكوت السموات والأرض، أي خلقهما بما فيهما من بديع النظام وغريب الخلق والصنع، فاطلع على أسرار الكون وخفاياه من أرض وسماء، ليستدل بذلك على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وسعة علمنا: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل ٢٧/ ٨٨].
نعرّف إبراهيم ذلك ونبصره ونوفقه، ونرشده بما شرحنا صدره وسددنا نظره، وهديناه لطريق الاستدلال، وليكون ممن أيقن تمام الإيقان أن شيئا من الأصنام والشمس والقمر والكواكب لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا أحدثها، وصانعا صنعها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها، فتكون تلك الآيات دالة على الألوهية والربوبية، وحجة على المشركين الضالين. واليقين: علم قطعي يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل.
ثم أوضح الله تعالى ما رآه إبراهيم من ملكوت السموات والأرض، فقال: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً أي لما أظلم عليه الليل، رأى كوكبا عظيما متميزا عن سائر الكواكب بإشراقه ولمعانه، وهو كوكب المشتري أو الزهري، قال: هذا ربي، أي قال هذا في مقام المناظرة والحجاج لقومه، تمهيدا للإنكار عليهم ولإقامة الحجة عليهم، فأوهمهم أولا أنه موافق لهم على زعمهم، ثم نقضه بالحس والعقل.
فلما غرب هذا الكوكب، قال إبراهيم: ما هذا بإله، ولا أحب ما يغيب ويختفي! لأن الإله له السيطرة على الكون، وهو السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يغفل إذ كيف يغيب الإله ويستتر؟ قال تعالى لِمَ تَعْبُدُ

صفحة رقم 262

ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[مريم ١٩/ ٤٢]. وهذا تعريض بجهل قومه في عبادة الكواكب، قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول.
ثم انتقل إبراهيم من إبطال ألوهية الكوكب إلى إبطال ألوهية القمر الأكثر إضاءة، فلما رآه بازغا طالعا قد عم ضوءه الكون، قال: هذا ربي، فلما غاب كذلك، كما غاب الكوكب في الليلة الماضية، قال إبراهيم مسمعا قومه: ما هذا أيضا بإله، ولئن لم يهدني ربي ويوفقني للإصابة الحق في توحيده، لأكوننّ من القوم الضالين، الذين اخطؤوا الطريق، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله.
وفي هذا تعريض قريب من التصريح بضلال قومه وتنبيه لهم على أن من اتخذ القمر إلها ضال أيضا، وإرشاد إلى توقف معرفة العقيدة على الوحي الإلهي، ثم صرح في المرة الثالثة بالبراءة من شرك قومه.
فلما رأى الشمس بازغة طالعة، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا وأعمها نفعا وإضاءة، قال إبراهيم: هذا «١» هو الآن ربي! هذا أكبر من الكواكب والقمر قدرا، وأعظم ضوءا ونورا، فهو أولى بالربوبية.
فلما غابت الشمس كما غاب غيرها، صرح إبراهيم بعقيدته، وتبرأ من شرك قومه، قائلا: أنا بريء من عبادة الكواكب وموالاتهن، إني توجهت في عبادتي لخالق الأرض والسماء «٢»، وخالق هذه الكواكب، مائلا عن الضلال إلى الحق والدين القيم، دين التوحيد، ولست من زمرة المشركين الذي يتخذون مع الله إلها آخر، وإنما أعبد خالق هذه الأشياء ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، ، وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى:

(١) إنما قال: هذا عن الشمس وهي مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه.
(٢) وقال: وجهت وجهي للذي فطر، ولم يقل: إلى الذي لأنه تعالى متعال عن الحيز والجهة، والمقصود: توجيه القلب لطاعته.

صفحة رقم 263

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف ٧/ ٥٤].
والظاهر مما تقدم أن قوم إبراهيم كانوا يتخذون الأصنام آلهة لا أربابا، ويتخذون الكواكب أربابا آلهة، والإله: هو المعبود، والرب: هو السيد المالك المربّي المدبر المتصرف. والعبادة: هي التوجه بالدعاء والتعظيم لخالق الخلق.
وليس للخلق إله ولا رب سوى الله.
وموقف إبراهيم كان موقف الممثل للمجادل البارع على سبيل الافتراض أنه غير مؤمن، أما في الحقيقة والواقع فلم يكن إبراهيم ناظرا في مقام إثبات الألوهية والربوبية لأن الله قال في حقه: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الأنبياء ٢١/ ٥١- ٥٢] وقال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِراً لِأَنْعُمِهِ، اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل ١٦/ ١٢٠- ١٢٣] وقال تعالى: قُلْ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام ٦/ ١٦١]. وقد ثبت
في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة»
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء»
وقال الله في قرآنه المجيد: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم ٣٠/ ٣٠] وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى [الأعراف ٧/ ١٧٢].

صفحة رقم 264

فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة، قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلا شك ولا ريب.
ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا: قوله تعالى فيما يأتي: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ... «١».
فقه الحياة أو الأحكام:
من أجل إثبات ألوهية الله وربوبيته ناظر إبراهيم وجادل، وأفحم بالحجة والبرهان، وله أربع مناظرات:
الأولى- مناظرته مع أبيه، حيث قال له: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[مريم ١٩/ ٤٢] وحكى القرآن خبر هذه المناظرة هنا، فقال: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ....
الثانية- مناظرته مع قومه، وهو قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ....
الثالثة- مناظرته مع ملك زمانه، فقال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة ٢/ ٢٥٨].
الرابعة- مناظرته مع الكفار بالفعل، وهو قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ [الأنبياء ٢١/ ٥٨].
وهذا يدل على قوة إبراهيم ومقدرته في الجدل والمناظرة، وحضور البديهة لإفحام الخصم، وإثبات مراده بالبرهان القاطع.
وكان إبراهيم عليه السلام بارعا في هذا المقام، حيث أبطل عبادة الكواكب

(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥١- ١٥٢

صفحة رقم 265

والقمر والشمس لأنها تغيب وتختفي، وشأن الإله ألا يغيب ولا يستتر، ولا يتخلى عن إشرافه لملكوته، وقد تنازل مع خصمه بهذا الأسلوب على سبيل الافتراض، ثم نقض وجهة نظر الخصم وكان في كل ذلك- كما أوضحت- مناظرا لا ناظرا، فعقيدته مستقرة في قلبه بالفطرة والإلهام والإرشاد الإلهي والعقل والحس.
وأما قوله: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي فمعناه: لئن لم يثبتني على الهداية، وقد كان مهتديا. وفي التنزيل: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة ١/ ٦] أي ثبتنا على الهداية.
وتدرج إبراهيم من اختبار نماذج ثلاثة لألوهية الكواكب إلى إثبات ألوهية الله الحق وربوبيته، بقوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل وحده. وذكر الوجه لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه. وكان تدرجه من التعريض بجهل قومه وبطلان الوثنية، إلى سلخ محبته عن الآفلين، إلى الإنذار بالضلال والحيرة، إلى التصريح بالبراءة من الشرك ومن المشركين، إلى إعلان عقيدته بعد هدم أساس الشرك.
قال الرازي: وليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين: أحدهما- حكيم يفعل الخير، والثاني- سفيه يفعل الشر. وأما الاشتغال بعبادة غير الله فهناك كثرة: منهم عبدة الكواكب، ومنهم قوم غلاة ينكرون الإله الصانع، وهم الدهرية الخالصة والنصارى يعبدون غير الله، إذ يعبدون المسيح، ومنهم عبدة الأصنام «١».
ولا دين أقدم من دين عبادة الأصنام لأن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا

(١) تفسير الرازي: ١٣/ ٣٥

صفحة رقم 266

تاريخهم مفصلا هو نوح عليه السلام، وقد جاء بالرد على عبدة الأصنام «١»، كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا: لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح ٧١/ ٢٣] وسبب قولهم أن الإنسان البدائي توهم في صموت الصنم سرا يصلح أن يوصل إلى الله تعالى، أوتوهم في ظهور بعض مخلوقات الله من شجر أو شمس أو قمر وسيلة إلى الإله الحق تشفع عنده وتقرب إليه من توجه إليها.
وأدرك قوم إبراهيم أن الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وإنما قلدوا آباءهم، لذا اتخذوا الأصنام آلهة معبودة لا أربابا مدبرين، لكنهم اتخذوا الكواكب أربابا لتأثيرها السبي في الأرض.
وقلد العرب آباءهم في عبادة الأصنام قائلين: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر ٣٩/ ٣].
ولا يسع المؤمن إلا التنديد بكل مظاهر الوثنية وأشكالها وطقوسها، وحصر العبادة بفاطر السموات والأرض وحده دون غيره من الوسائل، كما أعلن إبراهيم عليه السلام الذي قال في التماثيل: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ، وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء ٢١/ ٥٦].
وجميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته لأنها محدثة ممكنة، وكل محدث ممكن هو محتاج إلى الصانع.
ودل قوله تعالى: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ على أحكام ذكرها الرازي:
١- دلت هذه الآية على أن الله تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا، فكان آفلا أبدا.

(١) المرجع والمكان السابق.

صفحة رقم 267

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية