فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ، إنما ذكَّر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانةً للرب عن شبهة التأنيث هذا أكبر لكبر النور وسطوعه أكثر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها.
أي : طلعت شمس نهار عرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحِكَم :" أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفَلَت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". طَلَعت شَمسُ مَن أُحِبُ بلَيلٍ واستنَارَت فمَا تَلاها غُرُوبُ إنَّ شَمسَ النَّهَارِ تَغرُبُ بالَّليلِ وشَمسُ القُلوبِ ليس لهَا مَغِيبُ
قال الجَوزِي : لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة ـ قال : إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي... الآية. هـ. قيل : لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره : يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية ؛ لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين . هـ. وفي ذلك يقول الششتري أيضًا :
*** لا تنظُر إلَى الأوَاني ***
*** وَخُض بَحرَ المعَانِي ***
*** لَعَّـلَكَ تَـرَانِي ***
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي