ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

هذا الدرس بطوله لحمة واحدة ؛ يتناول موضوعا متصل الفقرات.. إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة.. يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه.. مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة ؛ ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات ؛ وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة..
والدرس - في جملته - يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السلام، إلى محمد [ ص ] وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية - كما تتجلى في فطرة عبد من عباد الله الصالحين - إبراهيم عليه السلام - ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة، وهي تبحث عن إلهها الحق، الذي تجده في أعماقها، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها. إلى أن يخلص لها تصور حق، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق. ويقوم على ما تحده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس ! ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه :( وحاجه قومه. قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي شيئا، وسع ربي كل شيء علما، أفلا تتذكرون ؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ ).
ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول ؛ يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور ؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له، يتناثر على جانبي الموكب الجليل، الماضي في طريقه الموصول. وحيث يلتحم آخره مع أوله ؛ فيؤلف الأمة الواحدة، يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها، دون اعتبار لزمان أو مكان ؛ ودون اعتبار لجنس أو قوم، ودون اعتبار لنسب أو لون.. فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم.
إنه مشهد رائع كذلك ؛ يبدو من خلال قول الله تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيم :( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة. فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. قل : لا أسألكم عليه أجرا، إن هو إلا ذكرى للعالمين )
وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يجيء التنديد بمن يزعمون أن الله لم يرسل رسلا، ولم ينزل على بشر كتابا.. إنهم لم يقدروا الله حق قدره. فما قدر الله حق قدره من يقول : إنه - سبحانه - تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور. فما يليق هذا بألوهية الله وربوبيته، وعلمه وحكمته وعدله ورحمته.. إنما اقتضت رحمة الله وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا، وأن ينزل على بعض الرسل كتبا، ليحاولوا جميعا هداية البشرية إلى بارئها، واستنقاد فطرتها من الركام الذي يرين عليها، ويغلق منافذها، ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها.. ويضرب مثلا الكتاب الذي أنزل على موسى. وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعا..
وينتهي الدرس الطويل المتلاحم الفقرات باستنكار الافتراء ممن يفتري على الله، وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من الله، وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل الله.. وهي الدعاوى التي كان يدعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية، وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة.
وفي الختام يجيء مشهد الاحتضار المكروب للمشركين : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، والملائكة باسطوا أيديهم : أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ! لقد تقطع بينكم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون !..
وهو مشهد كئيب مكروب رعيب ؛ يجلله الهوان ويصاحبه التنديد والتأنيب. جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب..
( فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي. هذا أكبر. فلما أفلت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين )
إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءا وحرارة.. الشمس.. والشمس تطلع كل يوم وتغيب. ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد. إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه ؛ ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل :
( قال : هذا ربي. هذا أكبر ).
ولكنها كذلك تغيب..
هنا يقع التماس، وتنطلق الشرارة، ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق، ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي.. هنا يجد إبراهيم إلهه.. يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره.. هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح..
وهنا يجد إبراهيم إلهه. ولكنه لا يجده في كوكب يلمع، ولا في قمر يطلع، ولا في شمس تسطع.. ولا يجده فيما تبصر العين، ولا فيما يحسه الحس.. إنه يجده في قلبه وفطرته، وفي عقله ووعيه، وفي الوجود كله من حوله.. إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين، ويحسه الحس، وتدركه العقول.
وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ؛ ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة، ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك :
( قال : يا قوم إني بريء مما تشركون ).

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير