نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤:يخبر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، بعد أن طَعَن في السن، وأيس هو وامرأته " سارة " من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت : قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ هود : ٧٢، ٧٣ ]، وبشروه١ مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعَقِبا، كما قال : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [ الصافات : ١١٢ ]، وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [ هود : ٧١ ] أي : ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يَعْقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم " يعقوب "، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم، عليه السلام، حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله، عَزَّ وجل، عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال [ تعالى ]٢ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا [ مريم : ٤٩ ]، وقال هاهنا : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا
وقوله : وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ أي : من قبله، هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح، عليه السلام، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به - وهم الذين صحبوه في السفينة - جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وكذلك الخليل إبراهيم، عليه السلام، لم يبعث الله، عَزَّ وجل، بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى : وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ الآية [ العنكبوت : ٢٧ ]، وقال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ الحديد : ٢٦ ]، وقال تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [ مريم : ٥٨ ].
وقوله في هذه الآية الكريمة : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي : وهدينا من ذريته دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ الآية، وعود الضمير إلى " نوح " ؛ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر. وهو اختيار ابن جرير، ولا إشكال عليه. وعوده إلى " إبراهيم " ؛ لأنه الذي سبق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل على ذلك " لوط "، فإنه ليس من ذرية " إبراهيم "، بل هو ابن أخيه مادان بن آزر ؛ اللهم إلا أن يقال : إنه دخل في الذرية تغليبًا، كما في قوله تعالى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ البقرة : ١٣٣ ]، فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبا.
[ وكما قال في قوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ [ الحجر : ٣٠، ٣١ ] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذم على المخالفة ؛ لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليبا، وكان من الجن وطبيعتهم النار والملائكة من النور ]٣
وفي ذكر " عيسى "، عليه السلام، في ذرية " إبراهيم " أو " نوح "، على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجال ؛ لأن " عيسى "، عليه السلام، إنما ينسب إلى " إبراهيم "، عليه السلام، بأمه " مريم " عليها السلام، فإنه لا أب له.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا سهل بن يحيى العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا علي ابن عابس٤ عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال : أرسل الحجاج إلى يحيى بن يَعْمُر فقال : بَلَغَني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ؟ قال : أليس تقرأ سورة الأنعام : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ حتى بلغ وَيَحْيَى وَعِيسَى ؟ قال : بلى، قال : أليس عيسى من ذرية إبراهيم، وليس له أب ؟ قال : صدقت.
فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي :
وقال آخرون : ويدخل بنو البنات فيه أيضا، لما ثبت في صحيح البخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي :" إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ٦ فسماه ابنا، فدل على دخوله في الأبناء. بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب٥
وقال آخرون : هذا تجوز.
٢ زيادة من أ.
.
٣ زيادة من م، أ..
٤ في أ: "عباس"..
٥ ذكره ابن عقيل في شواهده على ألفية ابن مالك برقم (٥١). وعنده "الأباعد" بدل "الأجانب"..
٦ صحيح البخاري برقم (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.
.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة