وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين [ الأنعام : آية ٨٥ ] يعني : وهدينا أيضا زكريا ويحيى. قرأه أكثر القراء : وزكرياء ويحيى بهمزة. وقرأه بعض الكوفيين وزكريا ويحيى بلا همزة. وهما قراءتان سبعيتان معروفتان.
وأكثر المؤرخين يقولون : إن زكريا بن برخيا. وهو من ذرية سليمان بن داود ( عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ). قص الله قصصه في سورة مريم، وسورة آل عمران، والأنبياء، وغيرهما.
ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين يحيى : هو ابن زكريا، وقصته معروفة بيناها في آل عمران، وستأتي في سورة مريم. وعيسى : هو عيسى بن مريم.
وذكر عيسى هنا أخذ العلماء منه حكما فقهيا معروفا، وهو أنه إذا قال رجل : " هذا وقف على ذريتي ". أو أوصى للذريته، أن أولاد البنات يدخلون ؛ لأن عيسى ولد بنت ؛ لأنه لا يدلي إلى إبراهيم – الذي إليه الضمير في قوله : ومن ذريته ( أو نوح، على القول بأن الضمير له ). لا يدلي بواحد منهما – إلا ببنته مريم ؛ لأنه لا أب له. / فالله ( جل وعلا ) أدرجه في اسم الذرية، ومن هنا يعرف أولاد البنات من الذرية، وهذه المسالة التي هدد الحجاج عليها يحيى بن يعمر، قال له : أتقول إن الحسن والحسين ( رضي الله عنهما ) من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم. وأنه قال له : إن لم تجئني بدليل من كتاب الله فعلت بك وفعلت. قال : أتقرأ في سورة الأنعام ؟ قال : نعم، قال : قال الله : ومن ذريته داود ثم إلى أن قال وعيسى وعيسى ابن بنت. وهذا صريح في دخول ابن البنت في الذرية، وعلى هذا أكثر العلماء. على أنه لو أوصى للذرية، أو وقف عليهم، أن أولاد البنات يدخلون لهذه الآية.
واختلفوا في البنين والأولاد، لو قال : " هذا وقف على بني، أو على ولدي ". قال جماعة : يدخل أولاد البنات في لفظ الأبناء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح أنه قال في الحسن بن علي ( رضي الله عنه ) : " إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من أمتي ". الحديث المشهور. قالوا : سماه ابنا، وهو ابن بنت. وقال بعض العلماء : تسميته هنا ابنا ليست على حقيقتها ؛ لأن الله يقول : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله [ الأحزاب : آية ٤٠ ] فالله نفى هذه البنوة، فدل على أنها كقول الرجل للقريب : " يا بني ". وكذلك لو قال : " وقف على ولدي ". أو أوصى لوالده. أكثر العلماء على أن أولاد البنات لا يدخلون ؛ لأن الشاعر يقول :
| بنونا بنو أبنائنا وبناتنا | بنوهن أبناء الرجال الأباعد |
وقوله : عيسى هو عيسى ابن مريم الذي خلقه الله بقدرته من غير أب إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن [ آل عمران : آية ٥٩ ]. وإسماعيل إسماعيل على التحقيق : هو نبي الله إسماعيل بن إبراهيم، جد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال قوم : هو نبي آخر من بني إسرائيل. والذين قالوا هذا قد غلطوا. والتحقيق أنه إسماعيل، وأنه رسول كريم، كما قال الله جل وعلا : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كنا صادق الوعد وكان رسولا نبيا [ مريم : آية ٥٤ ]. والمؤرخون يقولون : إنه أرسل إلى قبيلة جرهم من العرب البائدة.
وقوله : وإلياس المؤرخون يقولون إنه : إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران أخي موسى. هكذا يقولون، والله تعالى أعلم. وقد ذكر الله في قصته في آيات من كتابه، وبين أنه رسول كريم، وبين في سورة الصافات محاجته لقومه في قوله : وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم [ الصافات : الآيات ١٢٣ ١٢٦ ] إلى غير ما ذكر من خبره.
وقوله : كل من الصالحين يعني : كل من هؤلاء الأنبياء الذين هديناهم من ذرية إبراهيم أو من ذرية نوح من الصالحين . والصالحون جمع الصالح، وهو من كانت أعماله ونياته صالحة لله ( جل وعلا ). والصلاح يتفاوت تفاوتا كثيرا.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير