ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [ الأنعام : آية ٨٨ ] ذلك الهدى الذي هدى الله به هؤلاء الأنبياء الكرام المذكورين في سورة الأنعام هو هدى الله، ولا هدى إلا هدى الله، كما قال تعالى قل إن هدى الله هو الهدى [ البقرة : آية ١٢٠ ].
يهدي به أي : بهداه من يشاء أن يهديه من عباده. ومفهوم مخالفة الآية : أن من لم يشأ أن يهديه فلا هادي له ؛ لأن من هداه الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له. فالهداية والإضلال كلها بمشيئته وحده ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : يهدي به من يشاء من عباده ومفعول يشاء محذوف. أي : من يشاء هدايته من عباده.
ثم قال : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون هؤلاء الرسل الكرام الذين هداهم الله لو أشركوا بالله غيره، وعبدوا معه غيره، كما كان أبو إبراهيم يراود إبراهيم أن يرجع لعبادة الأصنام، لو أشركوا مع الله غيره لحبط عنهم ما كانوا يعملون، فبطل جميع ما عملوه من الخير ؛ لأن الشرك كفر يبطل جميع الحسنات، كما قال تعالى مخاطبا لنبينا وغيره من الأنبياء في سورة الزمر : ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [ الزمر : آية ٦٥ ]، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الشرك – والعياذ بالله – محبطة للعمل، وأنه يبطل جميع أعمال الإنسان.
ومن هذه الآية الكريمة أخذ الإمام مالك بن أنس ( رحمه الله ) فرعا فقهيا، قال : إن الرجل إذا ارتد بانت منه زوجته. تارة يقول : بفسخ، وتارة يقول : بطلقة بائنة. لأن ذلك النكاح الذي عمل من عمله، وقد أشرك، وإذا أشرك حبط جميع ما كان يعمل، حتى معاشرته ؛ لأنه أخذ تلك المؤمنة بكلمة الله، وبكتاب الله ( جل وعلا )، والشرك يحبط ذلك.
وهنا بحث أصولي ؛ لأن القاعدة المقررة في الأصول : أنه إذا جاء في كتاب الله نص مطلق، ثم جاء في موضع آخر مقيدا، فالجماهير على أنه يحمل المطلق على المقيد. وإحباط الشرك الأعمال جاء مطلقا في آيات من كتاب الله، وجاء مقيدا في آية أخرى، فمن الآيات المطلقات : قوله هنا : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون وقوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : آية ٦٥ ] وقوله : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين [ المائدة : آية ٥ ] هذه الآيات تدل على أن الكفر بالله يحبط العمل من غير قيد. وهذا إذا كان مسلما ثم ارتد. وقد بين في موضع من سورة البقرة أن محل إحباط الإشراك، والرجوع للكفر بعد الإيمان، محل إحباطه للعمل ما إذا مات على ذلك، حيث قال : ومن يرتدد منكم عن دينه فيميت وهو كافر [ البقرة : آية ٢١٧ ] فقيد بقوله : فيمت وهو كافر .
وذهب مالك في جماعة من العلماء إلى أن الآيات المطلقة هنا على بابها، قال : إذا ارتد الإنسان حبط جميع عمله، وبطلت حجة الإسلام – إن كان حجها – وبانت منه امرأته. وإذا راجع الإسلام ليس عليه قضاء فائت من صوم ولا صلاة ؛ لأن جميع أعماله حبطت.
وذهبت جماعة من العلماء، منهم محمد بن إدريس الشافعي ( رحمه الله )، إلى أن الكفر بعد الإيمان، والإشراك بعد الإسلام، لا يحبط جميع عمله إلا إذا مات على الكفر. بدليل القيد الذي في قوله : فيمت وهو كافر .
وقول الشافعي في هذه المسألة أجرى على الأصول ؛ لأن المقرر في الأصول : أنه إذا جاء نص من كتاب الله عاما أو مطلقا، وجاء مقيدا في موضع آخر، فله عند العلماء حالات : تارة يكون الحكم والسبب واحدا، وتارة يكون الحكم واحدا دون السبب، وتارة يكون السبب واحد دون الحكم، وتارة لا يتحد حكم ولا سبب.
فإذا كان الحكم والسبب متحدين فجمهور العلماء على أن المطلق يحمل على المقيد، وأنه يقيد بقيده ؛ ولأجل هذا فقد جاءت في تحريم الدم أربع آيات من كتاب الله، ثلاث منها مطلقات، وواحدة مقيدة :
أما المطلقات : فقوله في سورة النحل : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم [ النحل : آية ١١٥ ] وقوله في سورة البقرة : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ البقرة : آية ٧٣ ] وقوله في سورة المائدة : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير [ المائدة : آية ٣ ] فالدم في آية النحل، وآية البقرة، وآية المائدة، مطلق على قيد.
وقد جاء في سورة الأنعام هذه مقيدا بالمسفوحية، في قوله : لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به [ الأنعام : آية ١٤٥ ] وجماهير العلماء على أن القيد بالمسفوحية في الأنعام يقيد به إطلاق الآيات في النحل والبقرة والمائدة ؛ ولذا أطبق من يعتد به من العلماء على أن الحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم أنها لا تنجسه ؛ لأن ذلك الدم غير مسفوح، خارج بقيد المسفوحية في قوله : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا [ البقرة : آية ١٤٥ ] وهذا يدل على أن العلماء يحملون المطلق على المقيد، ولو كان المقيد هو السابق نزولا ؛ لأن القيد في آية الأنعام، وهي نازلة قبل البقرة، وقبل المائدة، وقبل النحل. أما نزولها قبل المائدة والبقرة فهو معروف ؛ لأن سورة الأنعام نازلة قبل الهجرة بلا خلاف، إلا آيات معروفة منها. والمائدة والبقرة من القرآن المدني بالإجماع، نزلتا في المدينة بعد الهجرة، والمائدة من آخر ما نزل، وفيها : اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : آية ٣ ] بقيت : النحل والأنعام، هما مكيتان على التحقيق، إلا أن القرآن دل في موضعين على أن سورة الأنعام نازلة قبل سورة النحل، وهي التي فيها القيد، والموضعان الذي دل القرآن فيهما على أن الأنعام نازلة قبل النحل : أن الله قال في سورة النحل : وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل [ النحل : آية ١١٨ ] وهذا المحرم المحال، المقصوص عليه من قبل، في سورة الأنعام بلا خلاف، في قوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الآية [ الأنعام : آية ١٤٦ ]. الموضع الثاني : أن الله قال في سورة الأنعام : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا [ الأنعام : آية ١٤٨ ] فبين أنهم سيقولون هذا في المستقبل، وأنهم لم يقولوه فعلا. وبين في سورة النحل أن ذلك القول الموعود به في المستقبل أنه وقع فعلا في قوله : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ءاباؤنا الآية. [ النحل : آية ٣٥ ] فهذا دل على أن النحل بعد الأنعام. والمائدة والبقرة بعدها بلا نزاع. فتبين أن المطلق يحمل على المقيد، ولو كان المقيد سابقا نزولا. هذا هو المعروف عند العلماء.
أما إذا اتحد حكمهما واختلف سببهما : فكثير من العلماء – منهم أكثر الشافعية، والحنابلة، وجماعة من المالكية – أن المطلق يحمل على المقيد في هذه.
ومثال ما اتحد حكمه واختلف سببه : قوله ( جل وعلا ) في كفارة القتل خطأ : فتحرير رقبة مؤمنة [ النساء : آية ٩٢ ] فقيد الرقبة بالإيمان، وأطلقها عن قيد الإيمان في كفارة اليمين، وكفارة الظهار حيث قال في كفارة اليمين في سورة المائدة : فتحرير رقبة [ المائدة : آية ٨٩ ] ولم يقل : مؤمنة. وقال في الظهار في سورة المجادلة : فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا [ المجادلة : آية ٣ ] ولم يقل : مؤمنة. فالحكم هنا واحد، وهو التكفير بتحرير رقبة، والسبب مختلف ؛ لأن المقيد سببه : القتل خطأ، والمطلق سببه : إما حنث في يمين، وإما ظهار. وأكثر العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة يقولون : يحمل المطلق هنا على المقيد، فيشترط في كفارة الظهار وكفارة اليمين الإيمان. خلافا للإمام أبي حنيفة – رحمة الله على الجميع – قال في مثل هذه : لا يحمل، ولو أعتق الحانث في اليمين أو المظاهر رقبة غير مؤمنة لأجزأته ؛ لأن القيد في كفارة القتل خطأ، وهذه مطلقة.
ومثال عكس هذا : وهو ما إذا اتحد السبب واختلف الحكم، في مثل هذه يخالف الحنابلة، ويقولون : لا حمل في هذه. ويبقى المالكية والشافعية يقولون : فيها الحمل. ومثل الحنابلة لهذا، قالوا : الله ( جل وعلا ) في كفارة الظهار قيد بكونها قبل المسيس بالعتق والصوم، قال : فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا [ المجادلة : آية ٣ ] وقال في الصوم : فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا [ المجادلة : آية ٤ ] وأطلق الإطعام عن كونه قبل المسيس، مع أن السبب في الجميع واحد، وهو الحنث في الظهار، والحكم مختلف ؛ لأن هذا عتق، وهذا إطعام، وهذا صوم، فلا يحمل المطلق على المقيد، فيجوز أن يعطي بعد المسيس، ولا يشترط في الطعام أن يقال فيه : من قبل أن يتماسا. وقال غيرهم : إن هذا يحمل فيه المطلق على المقيد. قالوا : ومثاله قوله في سورة المائدة، قال الله جل وعلا : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون [ المائدة : آية ٨٩ ] فقيد الإطعام بكونه من أوسط ما تطعمون، ثم قال : أو كسوتهم ولم يقيد الكسوة بكونها من أوسط ما تكسون أهليكم. قالوا : فنحمل المطلق على المقيد، ونقول : إن الكسوة من أوسط ما تكسون أهليكم. كما قاله جماعة من العلماء. والحكم هنا مختلف ؛ لأن المطلق : كسوة، والمقيد : إطعام، إلا أن السبب واحد، وهو الحنث في كفارة اليمين.
ومحل هذه الأقوال ما إذا كان المقيد واحدا، أما إذا كان هناك مطلق وهناك مقيدين بقيدين مختلفين، فلهما حالتان : إن كان المقيدان بقيدين مختلفين ليس أحدهما أقرب للمطلق، فذهبت جماعة من العلماء على أن المطلق يحمل إلى أقرب المقيدين له، ويقيد بقيده.
مثال ما إذا كان أحدهما أقرب : أن الله ( تبارك وتعالى ) ذكر صوم أيام اليمين، قال : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم [ المائدة : آية ٨٩ ] وأيام اليمين لم يقيدها بتتابع ولا بتفريق، مع أنه جاء هنالك صوم مقيد بالتتابع، وهو صوم الظهار في قوله : فصيام شهرين متتابعين [ المجادلة : آية ٤ ] وجاء هناك صوم آخر مقيد بالتفريق، وهو صوم التمتع ؛ لأن الله قيده بالتفريق، حيث قال : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم [ البقرة : آية ١٩٦ ] فقيد صوم الظهار بالتتابع، وقيد صوم التمتع بالتفريق، وأطلق صوم كفارة اليمين، لم يقيده بتتابع ولا بتفريق.
وقراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة ثيام متتابعات لم تثبت قرآنا. وإذا لم يأت بها إلا على أنها قرآن، وبطل كونها قرآنا بطل الاحتجاج بها عند من يقول بذلك، خلافا لجماعة آخرين. قال بعض العلماء في هذه : نحمل الإطلاق في كفارة اليمين على أقربهما لها، والظهار أقرب لليمين من التمتع ؛ لأن الظهار واليمين كلاهما كفارة، والتمتع أبعد منهما.
ومثال ما لم يكن أقرب لواحد منهما : أن الله قيد صوم الظهار بالتتابع، وقيد صوم التمتع بالتفريق، وأطلق قضاء رمضان، ولم يقيده بتتابع ولا تفريق قال : فعدة من أيام أخر [ البقرة : آية ١٨٤ ] ولم يقيد قضاء صوم رمضان الفائت بمرض أو سفر، ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، حيث قال : فعدة من أيام أخر ، من غير أن يقول : متتابعات

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير