ويقول الحق من بعد ذلك :
ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ( ٨٨ ) .
( ذلك ) إشارة إلى شيء تقدم، والمقصود به الهدى الذي هدينا به القوم، وهو هدى الله. ونجد كلمة ( هدى ) تدل على الغاية المرسوم لها طريق قصير يوصل إليها، وربنا هو الذي خلق، وهو الذي يضع الغاية، ويضع ويوضح ويبين الطريق إلى الغاية، حين يضاف الهدى إلى الله فهو دلالة على المنبع والمصدر أي هدى من الله. وكلمة ( هدى ) مرة تضاف إلى الواهب وهو الحق، وتضاف إلى الواهب وهو الحق، وتضاف إلى الأنبياء.
ويقول الحق : فبهداهم اقتده وذلك إشارة إلى المنهج الذي أنزله الله على الرسل.
إذن فالحق سبحانه وتعالى يهدي الناس جميعا بدلالتهم على الخير، والذي يقبل على هذه الدلالة احتراما لإيمانه يعينه الله، ويزيده هدى، وسبحانه يريد أن يثبت للإنسان أنه جعله مختارا، فإن اخترت أي شيء فأنت لم تختره غصبا عن ربنا، إنما اخترته بمن خلقك مختارا. ولا يوجد فعل في الكون يحدث على غير مراد الله، ولو أراد الله الناس جميعا مهديين لما استطاع واحد أن يعصى، إنما أراد الله الناس جميع مهديين لما استطاع واحد أن يعصى، وإنما أرادهم مختارين، وكل فعل يفعله أي واحد منهم، فهو مراد من الله لكنه قد يكون مرادا غير محبوب، لذلك قال العلماء : إن هناك مرادا كونا، ومرادا شرعا. ومادام الشيء في ملك الله فهو مراد الله، والمراد الشرعي هو المأمور به، وما يختلف عن ذلك فهو مراد كوني، جاء من باب أنه خلقك مختارا.
ومثال ذلك – ولله المثل الأعلى – أنت تعطي ابنك جنيها، والجنيه قوة شرائية. فأخذ الجنيه ونزل السوق وهو حر ليتصرف فيه : وتقول له : اسمع. أن اشتريت به مصحفا أو كتابا جميلا أو بعضا منن الحلوى وأكلتها أنت وإخوتك فسأكون مسرورا منك وسأكافئك مكافأة طيبة، وإن اشتريت ( كوتشينة ) أو صرفت الجنيه فيما لا أرضى عنه فسوف أغضب منك ولن أعطيك نقودا.
أنت بهذا القول أعطيت ابنك الحرية. وساعة ينزل السوق ويشتري ( كوتشينة ) فهو لم يفعل ذلك قهرا عنك لأنك أنت الذي أعطيته الاختيار، لكنك قلت له : إنك تطلب منه أن يحسن الاختيار، وسبحانه وتعالى قد جعل الإنسان مختارا، فإن اختار الهداية أجزل له العطاء، وإن اختار الضلال عاقبة عليه.
بالنسبة للأنبياء جاءت لهم الهداية من الله دلالة لهم وأقبلوا على مرادات الحق فأعطاهم هداية أخرى ؛ وذلك بأن يعشقهم في العمل ويحبب إليهم فعل الخير، وبعد ذلك يوضح سبحانه : إياكم أن تظنوا أن هناك من يفلت مني ؛ لأنهم لو أشركوا لأحبطت أعمالهم.
إذن فالحق لم يخلق الخلق مرغمين على عمل الطاعة بل خلقهم مختارين في التكاليف، حتى ينالوا لذة اختيار منهج الله ولو أشركوا لحبط عملهم و لو حرف امتناع لامتناع، وهذا دليل على أنهم لم يشركوا ولذلك لم يحبط عملهم، و ( الحبط ) هو الإبطال للعمل.
تفسير الشعراوي
الشعراوي