المعنى الجملي : بعد أن بسط سبحانه الأدلة على عظيم قدرته وواسع علمه، وأنه خلق السماوات والأرض، وأنه صورهم فأحسن صورهم، وأنه يعلم السر والنجوى- حذّّر المشركين من كفار مكة على تماديهم في الكفر، والجحود بآياته، وإنكار رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وبيّن لهم عاقبة ما يحل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة ؛ وضرب لهم الأمثال بالأمم المكذبة من قبلهم، فقد كذبوا رسلهم، وتمادوا في عنادهم، وقالوا : أيرسل الله من البشر رسلا ؟ فحلت بهم نقمة ربهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر ؛ فأصبحت ديارهم خرابا يبابا، كأن لم يغنوا بالأمس، فهلا يكون ذلك عبرة لهم، فيتوبوا إلى رشدهم، ويرجعوا إلى ربهم لو كانوا من أرباب النهى.
شرح المفردات :
والبينات : المعجزات، وتولوا : أعرضوا، واستغنى الله : أي أظهر غناه عنهم ؛ إذ أهلكهم وقطع دابرهم.
ثم بين أسباب ما حل بهم من النقمة فقال :
ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد أي إن ما حل بهم من سوء العذاب كان من جراء تكذيبهم بالرسل بعد أن جاؤوهم بالأدلة الواضحة، والمعجزات الباهرة ؛ وقالوا : إن من العجب العاجب أن يكون هدينا على يدي بشر منا لا ميزة لهم عنا بعقل راجح، ولا بسلطان يتملكون به قيادنا، ويجعل لهم بسطة النفوذ علينا، كما قالت ثمود : أبشرا منا واحدا نتبعه [ القمر : ٢٤ ] وقد جهلوا أن النبوة رسالة يصطفي بها الله من يشاء من عباده كما قال : الله أعلم حيث يجعل رسالته [ الأنعام : ١٢٤ ].
وبعد أن أطال عنادهم وتمادوا في غيهم أهلكهم الله بسلطانه وجبروته، وقطع دابرهم، واستغنى عن إيمانهم، وهو الغني عن العالمين جميعا، والغني عن إيمانهم وطاعتهم، وهو الحقيق بالحمد على ما أنعم به على عباده من النعم المتظاهرة عليهم، ظاهرة وباطنة.
تفسير المراغي
المراغي