الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بيّنا وإضافتها إلى الموفي عليها لا تستملح وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك وتستثقل النظر إليها بعد افتنانك بها وتهالكك عليها، وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان».
[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٥ الى ١٠]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)
اللغة:
(وَبالَ أَمْرِهِمْ) الوبال في الأصل الثقل ومنه الوبيل للطعام الذي يثقل على المعدة والوابل للمطر الثقيل ثم استعير للعقوبة لأنها كالشيء الثقيل المحسوس، وفي معاجم اللغة: الوبال مصدر وبل يقال وبل من باب ظرف يوبل وبلا ووبالا ووبولا ووبالة المكان وخم والشيء اشتد ووبل من باب ضرب يبل وبلا فلانا بالعصا ضربه ضربا متتابعا والصيد طرده طردا شديدا ووبلت السماء أمطرت الوبل واستوبل استيبالا المكان استوخمه واستوبلت الإبل تمارضت من وبال مرتعها.
(زَعَمَ) الزعم ادّعاء العلم وهو يتعدى إلى مفعولين ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «زعموا مطية الكذب» وعن شريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، والأكثر في زعم وقوعه على أن بتخفيف النون أو أن بتشديدها مع فتح الهمزة فيهما.
(التَّغابُنِ) تفاعل من الغبن وليس من اثنين بل هو من واحد كتواضع وتحامل، والغبن أخذ الشيء بدون قيمته أو بيعه كذلك وقيل الغبن: الخفاء ومنه غبن البيع لاستخفائه يقال غبن الثوب وخبنته إذا أخذت ما طال منه عن مقدارك فمعناه النقص، وسيأتي المزيد من بحث التغابن في باب البلاغة.
هذا وللغين مع الباء فاء وعينا للكلمة خاصة الدلالة على الخفاء والغياب والاستسرار: يقال لحم غاب أي بائت وفيه معنى الخفاء، وسمّيت الغابة لأنها تخفي من تضمّه لاكتظاظها بالأشجار وزرته غبا أي حينا بعد حين ولا يخفى ما فيه من الخفاء عن صاحبه قال حميد بن ثوب:
| زور مغب ومأمول أخو ثقة | وسائر من ثناء الصدق مشهور |
| رأيت بني الغبراء لا ينكرونني | ولا أهل هذاك الطراف الممدّد |
| تقول وقد مال الغبيط بنا معا | عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل |
الإعراب:
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي أو التقريري التوبيخي ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأتكم فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والكاف مفعول به ونبأ فاعل والذين مضاف إليه وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومن قبل حال والفاء حرف عطف وذاقوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل ووبال أمرهم مفعول به والواو حرف عطف ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم نعت لعذاب (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى عذابي الدنيا والآخرة، وبأنه خبر وأن واسمها وجملة كانت خبرها واسم كانت مستتر يعود على الرسل وجملة تأتيهم خبر ورسلهم فاعل تأتيهم وبالبيّنات متعلقان بتأتيهم (فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) الفاء عاطفة وقالوا فعل ماض وفاعل وهو معطوف على كانت والهمزة للاستفهام الإنكاري وبشر مبتدأ ساغ الابتداء به لدخول الاستفهام عليه وأجازوا أن يكون مرفوعا على الفاعلية بفعل مضمر يفسره ما بعده فالمسألة من باب الاشتغال والتقدير أيهدينا بشر وجملة يهدوننا في محل رفع خبر على الأول ولا محل لها من الإعراب لأنها مفسّرة وجملة الاستفهام مقول القول (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الفاء عاطفة وتفيد السببية لا التعقيب أي فكفروا بسبب هذا القول، وتولّوا عطف على فكفروا، واستغنى الله فعل وفاعل والله مبتدأ وغني خبر أول وحميد خبر ثان (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) زعم فعل ماض والذين فاعله وجملة كفروا صلة وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولن حرف نفي ونصب واستقبال والجملة خبر أن وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي زعم وقل فعل أمر وبلى حرف جواب
لإثبات النفي والواو واو القسم وربي مجرور بواو القسم وهما متعلقان بفعل القسم المحذوف واللام واقعة في جواب القسم وتبعثنّ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه حذف النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين واو الجماعة وهي ضمير متصل في محل رفع فاعل (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ولتنبؤن عطف على لتبعثنّ وبما في محل نصب مفعول به وجملة عملتم صلة وذلك مبتدأ والإشارة إلى ما ذكر من البعث والحساب وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر ذلك (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا) الفاء الفصيحة لأنها واقعة في جواب شرط مقدّر أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا، وآمنوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبالله متعلقان بآمنوا ورسوله عطف على الله والنور عطف أيضا والذي نعت وجملة أنزلنا صفة والعائد محذوف أي أنزلناه (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وبما متعلقان بخبير وجملة تعملون صلة وخبير خبر الله (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) يوم ظرف متعلق بخبير أو بمحذوف دلّ عليه سياق الكلام أي تتفاوتون يوم يجمعكم وقيل هو مفعول به لفعل محذوف أي اذكروا وجملة يجمعكم في محل جر بإضافة الظرف إليها وليوم الجمع متعلقان بيجمعكم سمي بذلك لأن الله يجمع فيه بين الأولين والآخرين لإجراء الحساب والجزاء وذلك مبتدأ والإشارة إلى يوم الجمع ويوم التغابن خبره أي يغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم، وسيأتي المزيد من معناه في باب البلاغة (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان التغابن وتفصيله ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويؤمن فعل الشرط وبالله متعلقان بيؤمن ويعمل عطف على يؤمن وصالحا مفعول به أو نعت لمصدر محذوف أي عملا صالحا ويكفّر جواب الشرط وعنه متعلقان بيكفّر وسيئاته مفعول به وفعل الشرط
صفحة رقم 111
والجزاء خبر من (وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ويدخله عطف على يكفّر والهاء مفعول به وجنات مفعول به ثان على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار نعت لجنات وخالدين حال
وجمع لأنه أعاد على معنى من وهو الجمع وفيها متعلقان بخالدين وأبدا ظرف متعلق بخالدين وذلك مبتدأ والإشارة إلى ما ذكر من التكفير وإدخال الجنات والفوز خبر والعظيم نعت الفوز (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وكذبوا عطف على كفروا وبآياتنا متعلقان بكذبوا وأولئك مبتدأ وأصحاب النار خبر وخالدين حال وفيها متعلق بخالدين وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمصير فاعل والمخصوص بالذم محذوف تقديره هي أي النار.
البلاغة:
١- في قوله «ذلك يوم التغابن» استعارة تمثيلية، شبّهت حال الفريقين المتمكنين من اختيار ما يؤدي إلى سعادة الآخرة فاختار كل فريق ما يشتهيه مما كان قادرا عليه بدل ما اختاره الآخر وشبّهه بحال المتبادلين بالتجارة وشبّه ما يتفرع عليه من نزول كلّ منهما منزلة الآخر بالتغابن لأن التغابن تفاعل من الغبن وهو أخذ الشيء من صاحبه بأقل من قيمته وهو لا يكون إلا في عقد المعاوضة ولا معاوضة في الآخرة، فإطلاق التغابن على ما يكون فيها إنما هو بطريق الاستعارة التمثيلية، وعبارة الزمخشري: «التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضا لنزول السعداء ومنازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء».
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش