ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ( ٦ ) .
ذلك الجزاء الذي ينالونه دنيا وآخرة بسبب إعراضهم عن سبيل الله، وكفرهم برسالاته، وتكذيبهم رسله، وجحودهم أن يبعث الله بشرا رسولا، مع ما جاءت به الرسل من آيات ربنا ومعجزاته الواضحات الشاهدات بصدق المرسلين- أعم من أن تكون آيات متلوة، أو علامات في الآفاق وفي أنفسهم مرئية وحسية تشهد بأن ما يدعون إليه صلوات الله عليهم هو الحق- وربنا غني لن يضره إعراض الكافرين، ولن ينفعه انقياد الطائعين، فهو المحمود بلسان الحال مهما قل الحامدون بلسان المقال.
وقديما سارع رؤساء الكفر من قوم نوح إلى تكذيبه بالحجة الداحضة وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة.. ١، ومن بعدهم قال رؤساء الضلال لقومهم ما حكاه القرآن عن قيلهم : ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ٢. ثم قال الملأ من قوم فرعون صدا عما جاء به موسى وهارون : أنؤمن لبشرين مثلنا.. ٣. وقال كفار مكة- يشككون في صدق النبي الخاتم : وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك.. ٤ ؛ فأقام الله تعالى حجته وبين سنته- تبارك اسمه- : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.. ٥. وما يجحد بصدق الرسل إلا كل ختال كفور.
[ وارتفع أبشر على الابتداء. وقيل بإضمار فعل، والجمع على معنى بشر، ولهذا قال : يهدوننا ولم يقل يهدينا. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما للجنس، وواحده إنسان لا واحد له من لفظه.. فكفروا أي بهذا القول. وقيل : كفروا بالرسل وتولوا عن البرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. واستغنى الله أي بسلطانه عن طاعة عباده، قاله مقاتل. وقيل : استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية ]٦.
٢ - سورة المؤمنون. الآية ٣٤..
٣ - سورة المؤمنون. من الآية ٤٧..
٤ - سورة المؤمنون. من الآية ٤٧..
٥ - سورة الفرقان. من الآية ٧..
٦ ما بين العارضتين مما أورده القرطبي..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب