ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

يلقاهم هذا اليوم، ويقع عليهم منه ما يقع من فزع وكرب، يلقاهم من يقول لهم:
«هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ» أي هذا الذي كنتم تطلبونه، وتلحّون فى الكشف عن وجهه... فها هو ذا قد جاءكم.. فلم تنكرونه؟ ولم تفزعون منه؟
وهل يفزع المرء من أمر كان شديد اللهف على لقائه؟
و «تدعون» معناه تطلبون، وتتمنون.. ومنه قوله تعالى عن أصحاب الجنة: «وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ»
(٣١: فصلت).
وفى تعدية الفعل تدعون بحرف الجر «الباء».. «به تدعون» وهو متعدّ بنفسه- لتضمّنه معنى الفعل، «تهتفون» أو «تستعجلون».. ونحوهما، مما يدل على شدة الرغبة للشىء، والطلب له.
الآيات: (٢٨- ٣٠) [سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
التفسير قوله تعالى:
«قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ».
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة قد طلعت على المشركين

صفحة رقم 1071

المكذبين بيوم القيامة- طلعت عليهم بهذا اليوم، وكشفت عما وقع عليهم من ملاقاته، من هلع وفزع..!
وإنه ليس هذا، وحسب، هو الذي يلقاه الكافرون من هذا اليوم، بل إن هناك عذابا أليما فى نار جهنم التي أعدت لهم.. وهذا ما جاءت الآية الكريمة لتقريره، فى أبلغ صورة، وذلك أن هذا العذاب الواقع بالكافرين لا يصرفه عنهم أحد، من صديق أو قريب، وأن ما يقع لغيرهم من إساءة أو مسرة، لا أثر له فى العذاب الواقع بهم.. فاذا أهلك الله النبي ومن معه أو رحمهم فى هذه الحياة الدنيا، فليس في هذا ما يخلّص الذين كفروا، من عذاب الآخرة، أو يدفعه عنهم.. إنه واقع بهم، فلا محيد لهم عنه، ولا منقذ له منه..
إنهم كانوا يتمنون هلاك النبي، ويتوقعون أن يصبحوا يوما فلا يرون له مكانا فيهم، وهذا ما ذكره الله تعالى عنهم فى قوله سبحانه: «أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» (٣٠ الطور) وفى هذا- على ما قدّروا- راحة لهم من عناء، وعافية من بلاء.
وإنهم لواهمون فى تقديرهم هذا، مخدوعون فيما يتمنون، إذ ماذا يعود عليهم من موت النبي؟ إنه صلوات الله وسلامه عليه- لا يملك لنفسه، ولا لمن معه نفعا ولا ضرّا، بل الأمر كله بيد الله، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ليس هو الذي يتولّى حساب هؤلاء الكافرين، ويأخذهم بالعذاب الذي أعدّ لهم، حتى إنه لو مات لرفع عنهم العذاب- وكلا.. إنه ليس هو الذي يتولى هذا، بل الذي يتولاه، هو الله سبحانه، وليس للكافرين من مجير من هذا العذاب.
قوله تعالى:
«قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ.. آمَنَّا بِهِ.. وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا.. فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ»

صفحة رقم 1072

أي إن النبي ومن معه، هم فى مقام العبودية لله، كسائر الناس جميعا.. إن آمنوا بالله، وأحسنوا العمل، غفر الله لهم، وأنزلهم منازل المكرمين.. ولهذا جاء قوله تعالى إلى النبي الكريم، بإعلان هذا الايمان بالله فى وجه الكافرين، ليكون لهم من ذلك علم بأن النبي ليس خارجا عن هذه الدعوة التي يدعوهم إليها، وأنه عبد الله مؤمن به، متوكل عليه.. وتلك هى سبيل المؤمنين معه..
فهل يؤمن الكافرون بالله؟ وهل يأخذون الطريق الذي أخذه النبي وأصحابه؟:
«فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» (١٣٧: البقرة).
قوله تعالى:
«قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» هو تهديد للكافرين بأن يسلط الله تعالى عليهم البلاء فى الدنيا، وأن يرميهم بالمكاره، وأن ينزع عنهم نعمه التي يعيشون فيها.
فلو أن الله سبحانه ذهب بهذا الماء الذي هو قوام حياتهم، وحياة حيوانهم ونباتهم، فمن يأتيهم بجرعة ماء منه؟
وغور الماء: هو ذهابه غائرا فى الأرض، أي منسربا فيها، ضائعا فى بطنها.
والماء العين، هو الماء الذي يفيض من العيون..
وفى الآية الكريمة إشارة إلى النبي الكريم، وإلى القرآن الذي بين يديه، أنه هو الحياة التي منها حياة القلوب والنفوس، وأنه لو ذهب هذا النبي- كما يتمنون- لكان فى هذا هلاكهم، وضياعهم، بذهاب مصدر الهدى والنور لهم. إنه لن يأتيهم نبى بعده، ولن ينزل عليهم من الله كتاب بعد هذا الكتاب، الذي إن فاتهم حظهم منه، فقد فاتهم ماء الحياة، وغذاء الأرواح.

صفحة رقم 1073

٦٨- سورة القلم
نزولها: مكية.. نزلت بعد العلق..
عدد آياتها: اثنتان وخمسون آية..
عدد كلماتها: ثلاثمائة كلمة..
عدد حروفها: ألف ومائتان وستة وخمسون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
بين هذه السورة، وسورة الملك قبلها، أكثر من مناسبة..
فأولا:
ختمت سورة «الملك» بقوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ».. وفى هذا- كما قلنا- تهديد للمشركين بذهاب هذا النور الذي يرفعه النبي ﷺ لأبصارهم، من آيات الله، وكلماته..
وبدئت سورة القلم بقوله تعالى: «ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ».. لتلفت المشركين إلى هذا النور القرآنىّ الذي يكتبه الكاتبون، بعد أن يتلقاه النبىّ من ربّه، وأنهم إن لم يبادروا إلى الإمساك به فى قلوبهم، وحفظه فى صدورهم، يوشك أن يفلت من بين أيديهم، فلا يلقوه أبدا..
كما أن فى ذكر القلم وما يسطر به الكاتبون، إلفاتا عامّا إلى شأن الكتابة والكاتبين، الذين هم أهل العلم والمعرفة، وأن هؤلاء المشركين امّيون لم ينالوا حظّا من العلم عن طريق الكتابة والكتاب، وها هم أولاء وقد جاءهم رسول كريم، كان مفتتح دعوته دعوة آمرة بالقراءة، ثم تلاها بعد ذلك هذا

صفحة رقم 1074

القسم بحروف الكتابة، وأدواتها- وذلك ليخرجوا من ظلام هذا الجهل الذي غطّى على أعينهم، وحال بينهم وبين أن يهتدوا إلى هذا النور الذي يدعوهم الرسول الكريم إليه.. فالجهل هو الآفة التي أفسدت على هؤلاء المشركين رأيهم فى دعوة السماء لهم إلى الإيمان، ولو أنهم أخذوا حظّا من العلم، لاستقام طريقهم على الحق، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (٢: الجمعة).
وثانيا: جاء فى ختام سورة «الملك» قوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا» - وفى هذا ما يشير إلى نظرة الكراهية والاستثقال التي ينظر بها المشركون إلى النبي، وإلى مقامه فيهم، حتى إنهم ليتمنون زواله من بينهم.. وجاء فى مفتتح سورة «القلم» ما يضفى على النبىّ الكريم حلل التكريم والتمجيد التي خلعها عليه ربّه، فوصفه سبحانه بهذا الوصف الربّانىّ، الذي لو قسّم فى الخلق جميعا لأرضاهم، وأغناهم، وأسعدهم، فيقول الله سبحانه «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ».. وفى هذا ما يكبت المشركين، ويملأ قلوبهم حسرة وكمدا.

صفحة رقم 1075

التفسير القرآني للقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم يونس الخطيب

الناشر دار الفكر العربي - القاهرة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية