ثم بين حالهم حين نزول ذلك الوعد الموعود فقال:
(فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) أي فلما رأوا العذاب الموعود قريبا «وكل آت قريب وإن طال زمنه» ساءهم ذلك وعلت وجوههم الكآبة والخسران، وغشيتها القترة والسواد، إذ جاءهم من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: هذا الذي كنتم تستعجلون وقوعه وتقولون لرسوله: «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ».
ونحو الآية قوله: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ. وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ».
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
شرح المفردات
أرأيتم: أي أخبرونى، غورا: أي غائرا فى الأرض لا تناله الدلاء، معين: أي جار سهل المأخذ تصل إليه الأيدى.
المعنى الجملي
روى أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك كما حكى الله عنهم فى آية أخرى بقوله: «أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» وقوله: «بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى
أَهْلِيهِمْ أَبَداً»
فنزلت الآية، ثم أمره أن يقول لهم: إن هلاكى أو رحمتى لا تجيركم من عذاب الله، ثم أمره أن يقول لهم: إنا آمنا بربنا وتوكلنا عليه، وستعلمون غدا من الهالك؟ ثم أمره أن يقول لهم: إن غار ماؤكم فى الأرض ولم تصل إليه الدلاء، فمن يأتيكم بماء عذب زلال تشربونه؟
الإيضاح
أجاب سبحانه عن تمنى المشركين موته ﷺ ومن معه بوجهين:
(ا) (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) أي قل لهم موبخا: أخبرونى عن فائدة موتى لكم: سواء أماتنى الله ومن معى، أو أخر أجلنا فأى راحة لكم فى ذلك، وأي منفعة لكم فيه، ومن ذا الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم، أتظنون أن الأصنام أو غيرها تجيركم وهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب، فتقروا بالتوحيد والنبوة والبعث؟.
وخلاصة هذا- إنه لا مجير لكم من عذاب الله بسبب كفركم الموجب لهذا العذاب- سواء هلكنا كما تتمنون ففزنا برحمة الله، أو انتصرنا عليكم ورفعنا شأن الإسلام كما نرجو، فكلا الأمرين فيه ظفر بما ينبغى، ونيل لما نحب ونهوى.
وفى هذا إيماء إلى أمرين:
(١) حثهم على طلب الخلاص بالإيمان الخالص لله والإخبات إليه.
(٢) إنه كان ينبغى أن يكون ما هم فيه شاغلا لهم عن تمنى هلاك النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين.
(ب) (قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا) أي قل لهم: آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا فى جميع أمورنا كما قال: «فاعبده وتوكّل عليه» وهو سيجيرنا من عذاب الآخرة.
وفى هذا تعريض بهم حيث اتكلوا على أولادهم وأموالهم «وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ
أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ»
وإشارة إلى أنهم لا يرحمون فى الدارين، لأنهم كفروا بالله وتوكلوا على غيره.
ثم ذكر ما هو كالنتيجة لما قبله فقال:
(فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي فسيستبين لكم من الضالّ منا ومن المهتدى. ولمن تكون العاقبة فى الدنيا والآخرة؟.
ولما ذكر أنه يجب التوكل عليه لا على غيره أقام الدليل على ذلك فقال آمرا رسوله أن يقول لهم.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) أي قل لهم: أخبرونى إن ذهب ماؤكم فى الأرض ولم تصل إليه الدلاء، فمن يأتيكم بماء جار تشربونه عذبا زلالا. ولا جواب لكم إلا أن تقولوا هو الله، وإذا فلم تجعلون ما لا يقدر على شىء شريكا فى العبادة لمن هو قادر على كل شىء.
وفى هذا طلب إقرار منهم ببعض نعمه، ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر.
وقصارى ذلك- إنه تعالى فضلا منه وكرما أنبع لكم المياه وأجراها فى سائر الأقطار بحسب حاجتكم إليها قلة وكثرة، فله الحمد والمنة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
ما حوته السورة من موضوعات
(١) وصف السموات (٢) بيان أن نظام العالم لا عوج فيه ولا اختلاف.
(٣) وصف عذاب الكافرين فى الدنيا والآخرة.
(٤) التذكير بخلق الإنسان ورزقه وأشباه ذلك.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي