(قل أرأيتم) أي أخبروني (إن أصبح ماؤكم) الذي تعدونه في أيديكم كما نبهت عليه الإضافة (غوراً) أي غائراً في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أو صار ذاهباً في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء، يقال غار الماء غوراً أي نضب والغور الغائر وصف بالمصدر للمبالغة، كما يقال رجل عدل، وقد تقدم مثل هذا في سورة الكهف، وكان ماؤهم من بئر زمزم وبئر ميمون؛ قال ابن عباس غوراً داخلاً في الأرض وعنه يرجع في الأرض.
(فمن يأتيكم بماء معين) أي ظاهر تراه العيون وتناله الدلاء، وقيل هو من معن الماء إذا كثر، وقال قتادة والضحاك أي جار وقد تقدم معنى المعين في سورة المؤمنون، وقرأ ابن عباس بماء عذب. وعنه قال بماء معين أي الجاري، وعنه قال معين ظاهر وعنه قال عذب.
والمقصود من الآية أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه عليهم ويريهم قبح ما هم عليه من الكفر والعناد والكبر، قال المحلي ويستحب أن يقول القارىء عقب معين: " الله رب العالمين " كما ورد في الحديث، وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال تأتي به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينه وعمي، نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته.
سورة نون
وتسمى سورة القلم اثنتان وخمسون آية، وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وعن ابن عباس وقتادة أن من أولها إلى قوله: (أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) مدني، ومن بعد ذلك إلى قوله: (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) مكي وممن بعد ذلك إلى قوله: (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) مكي، كذا قال الماوردي، وعن ابن عباس قال كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما شاء، وكان أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك ثم نون ثم المزمل ثم المدثر، وعنه نزلت نون بمكة وعن عائشة مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) صفحة رقم 253فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري