قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا . ظاهره رجوع الكناية إلى المذكورين قبله وهم الذين اعترفوا بذنوبهم ؛ لأن الكناية لا تستغني عن مظهر مذكور قد تقدم ذكره في الخطاب، فهذا هو ظاهر الكلام ومقتضى اللفظ. وجائز أن يريد به جميع المؤمنين وتكون الكناية عنهم جميعاً لدلالة الحال عليه، كقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر [ القدر : ١ ] يعني القرآن، وقوله : ما ترك على ظهرها من دابة [ فاطر : ٤٥ ] وهو يعني الأرض، وقوله : حتى توارت بالحجاب [ ص : ٣٢ ] يعني الشمس، فكنى عن هذه الأمور من غير ذكرها مظهرة في الخطاب لدلالة الحال عليها ؛ كذلك قوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً يحتمل أن يريد به أموال المؤمنين، وقوله : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا يدل على ذلك ؛ فإن كانت الكناية عن المذكورين في الخطاب من المعترفين بذنوبهم فإن دلالته ظاهرة على وجوب الأخْذِ من سائر المسلمين، لاستواء الجميع في أحكام الدين إلا ما خصّه الدليلُ ؛ وذلك لأن كل حكم حكم الله ورسوله به في شخص أو على شخص من عباده أو غيرها فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص إلا ما قام دليل التخصيص فيه. وقوله تعالى : تُطَهِّرُهُمْ يعني إزالة نجس الذنوب بما يعطي من الصدقة ؛ وذلك لأنه لما أطلق اسم النجس على الكفر تشبيهاً له بنجاسة الأعيان أطلق في مقابلته وإزالته اسم التطهير كتطهير نجاسة الأعيان بإزالتها، وكذلك حكم الذنوب في إطلاق اسم النجس عليها، وأطلق اسم التطهير على إزالتها بفعل ما يوجب تكفيرها، فأطلق اسم التطهير عليهم بما يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم من صدقاتهم ومعناه أنهم يستحقون ذلك بأدائها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لو لم يكن إلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ لما استحقوا التطهير، لأن ذلك ثواب لهم على طاعتهم وإعطائهم الصدقة وهم لا يستحقون التطهير ولا يصيرون أزكياء بفعل غيرهم، فعلمنا أن في مضمونه إعطاء هؤلاء الصدقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك صاروا بها أزكياء متطهرين.
وقد اختلف في مراد الآية هل هي الزكاة المفروضة أو هي كفارة من الذنوب التي أصابوها، فرُوي عن الحسن أنها ليست بالزكاة المفروضة وإنما هي كفارة الذنوب التي أصابوها، وقال غيره :" هي الزكاة المفروضة ". والصحيح أنها الزكوات المفروضات إذْ لم يثبت أن هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس سوى زكوات الأموال، وإذا لم يثبت بذلك خبرٌ فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس ؛ ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس لتساوى الناس في الأحكام إلا مَنْ خَصَّه دليل فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة على جميع الناس غير مخصوص بها قوم دون قوم، وإذا ثبت ذلك كانت هي الزكاة المفروضة إذْ ليس في أموال سائر الناس حَقٌّ سوى الصدقات المفروضة. وقوله : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا لا دَلالة فيه على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة ؛ لأن الزكاة المفروضة أيضاً تطهر وتزكي مؤديها، وسائرُ الناس من المكلَّفين محتاجون إلى ما يطهرهم ويزكيهم.
وقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عموم في سائر أصناف الأموال ومُقْتَضٍ لأخْذِ البعض منها، إذ كانت من مقتضى التبعيض وقد دخلت على عموم الأموال فاقتضت إيجاب الأخذ من سائر أصناف الأموال بعضها. ومن الناس من يقول إنه متى أخذ من صنف واحد فقد قضى عهدة الآية ؛ والصحيح عندنا هو الأول، وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي.
قال أبو بكر : وقد ذكر الله تعالى إيجاب فرض الزكاة في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه ومقادير الوجب والموجب فيه ووقته وما يستحقه وما ينصرف فيه، فكان لفظ الزكاة مجملاً في هذه الوجوه كلها، وقال تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً فكان الإجمال في لفظ الصدقة دون لفظ الأموال لأن الأموال اسم عموم في مسمياته، إلا أنه قد ثبت أن المراد خاصٌّ في بعض الأموال دون جميعها والوجوب في وقت من الزمان دون سائره، ونظيره قوله تعالى : في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم [ المعارج : ٢٤ و ٢٥ ]، وكان مراد الله تعالى في جميع ذلك موكولاً إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : ٧ ]. حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثني محمد بن عبدالله الأنصاري قال : حدثنا صرد بن أبي المنازل قال : سمعت حبيباً المالكي قال : قال رجل لعمران بن حصين : يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن ! فغضب عمران وقال للرجل : أوجدتم في كل أربعين درهماً درهماً ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كذا وكذا بعيراً كذا وكذا، أوجدتم هذا في القرآن ؟ قال : لا، قال : فعمن أخذتم هذا ؟ أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ؛ وذكر أشياء نحو هذا. فمما نص الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فنصّ على وجوب الحق فيهما بأخص أسمائهما تأكيداً وتبييناً. ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله : وهو الذي أنشأ جنات معروشات إلى قوله : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده [ الأنعام : ١٤١ ]، فالأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة وعروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة والزرع والثمر على اختلاف من الفقهاء في بعض ذلك، وقد ذكر بعض صدقة الزرع والثمر في سورة الأنعام.
وأما المقدار فإن نصاب الوَرِقِ مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون ديناراً، وقد رُوي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الإبل فإن نصابها خمس منها، ونصاب الغنم أربعون شاة، ونصاب البقر ثلاثون. وأما المقدار الواجب ففي الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر إذا بلغ النصاب، وفي خمس من الإبل شاة، وفي أربعين شاةٍ شاةٌ، وفي ثلاثين بقر تبيعٌ. وقد اختلف في صدقة الخيل، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله. وأما الوقت فهو حَوْلُ الحَوْلِ على المال مع كمال النصاب في ابتداء الحول وآخره. وأما من تجب عليه فهو أن يكون المالك حرّاً بالغاً عاقلاً مسلماً صحيح الملك لا دين عليه يحيط بماله أو بما لا يفضل عنه مائتا درهم. حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي قال : قرأت على مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا سليمان بن داود المهري قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فإذا كانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَم وَحَالَ عَلَيْها الحَوْلُ ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ في الذَّهَبِ حَتّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِيناراً فإذا كانت لَكَ عِشْرُونَ دِينَاراً وحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ ففيها نِصْفُ دِينَارٍ، ولَيْسَ في مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ ".
وهذا الخبر في الحول وإن كان من أخبار الآحاد فإن الفقهاء قد تلقّته بالقبول واستعملوه، فصار في حَيِّزِ المتواتر الموجب للعلم، وقد رُوي عن ابن عباس في رجل ملك نصاباً :" أنه يزكيه حين يستفيده " وقال أبو بكر وعلي وعمر وابن عمر وعائشة :" لا زكاة فيه حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ ". ولما اتفقوا على أنه لا زكاة عليه بعد الأداء حتى يحول عليه الحول علمنا أن وجوب الزكاة لم يتعلق بالمال دون الحول وأنه بهما جميعاً يجب، وقد استعمل ابن عباس خبر الحول بعد الأداء، ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينه قبل الأداء وبعده بل نفى إيجاب الزكاة في سائر الأموال نفياً عاماً إلا بعد حَوْلِ الحول، فوجب استعماله في كل نصاب قبل الأداء وبعده. ومع ذلك يحتمل أن لا يكون ابن عباس أراد إيجاب الأداء بوجود ملك النصاب، وأنه أراد جواز تعجيل الزكاة ؛ لأنه ليس في الخبر ذكر الوجوب.
واخْتُلِفَ فيما زاد على المائتين من الوَرِقِ، فرُوي عن عليّ وابن عمر فيما زاد على المائتين بحسابه، وهو قول أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي. ورُوي عن عمر أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً، وهو قول أبي حنيفة. ويحتج من اعتبر الزيادة أربعين بما رَوَى عبدالرّحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم :" وَلَيْسَ فيما زَادَ عَلَى المِائَتي الدِّرْهَم شَيءٌ حَتّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً " وحديث عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم :" هَاتُوا زَكَاةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَماً وَلَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ " فوجب استعمال قوله :" في كل أربعين درهماً درهم " على أنه جعله مقدار الواجب فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم :" وإذا كَثُرَتِ الغَنَمُ ففي كُلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ ". ويدل عليه من جهة النظر أن هذا مال له نصاب في الأصل فوجب أن يكون له عفو بعد النصاب كالسوائم، ولا يلزم أبا حنيفة ذلك في زكاة الثمار لأنه لا نصاب له في الأصل عنده، وأبو يوسف ومحمد لما كان عندهما أن لزكاة الثمار نصاباً في الأصل ثم لم يجب اعتبار مقدار بعده بل الواجب في القليل والكثير كذلك الدراهم والدنانير ؛ ولو سلّم لهما ذلك كان قياسه على السوائم أوْلى منه على الثمار، لأن السوائم يتكرر وجوب الحق فيها بتكرر السنين وما تخرج الأرض لا يجب فيه الحق إلا مرة واحدة، ومرور الأحوال لا يوجب تكرار وجوب الحق فيه.
فإن قيل : فواجب أن يكون ما يتكرر وجوب الحق فيه أوْلى بوجوبه في قليل ما زاد على النصاب وكثيره مما لا يتكرر وجوب الحق فيه. قيل له : هذا منتقض بالسوائم ؛ لأن الحق يتكرر وجوبه فيها ولم يمنع ذلك اعتبار العفو بعد النصاب، ومما يدل على أن قياسه على السوائم أْوْلى من قياسه على ما تخرجه الأرض أن الدين لا يسقط العشر وكذلك موت ربّ الأرض ويسقط زكاة الدراهم والسوائم، فكان قياسها عليها أوْلى منه على ما تخرجه الأرض.
واختلف فيما زاد من البقر على أربعين، فقال أبو حنيفة :" فيما زاد بحسابه ". وقال أبو يوسف ومحمد :" لا شيء فيه حتى يبلغ ستين "، ورَوَى أسد بن عمر عن أبي حنيفة مثل قولهما. وقال ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي كقول أبي يوسف ومحمد. ويحتج لأبي حنيفة بقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وذلك عموم في سائر الأموال، لا سيّما وقد اتفق الجميع على أن هذا المال داخل في حكم الآية مراد بها، فوجب في القليل
أحكام القرآن
الجصاص