ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

خذ من أموالهم صدقة يعني كفارة لذنوبهم، وقيل : هو الزكاة تطهرهم عن الذنوب التاء للخطاب أو لغيبة المؤنث فإنه صفة لصدقة والتاء في وتزكيهم بها للخطاب البتة أي : تنمي حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين، وكذا أخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، وأخرج هذا القدر عن سعيد بن جبير والضحاك وزيد بن أسلم وغيرهم، قال : البغوي وروى عطية عن ابن عباس كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم كانوا ثمانية وقال قتادة والضحاك كانوا سبعة وأخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف أبو لبابة وخمسة معه ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهلكة وقالوا : نحن في الظلال والطمأنينة مع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه في الجهاد والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يطلقها ففعلوا وبقي ثلاثة نفر يوثقوا الحديث، وأخرج عبد عن قتادة أنها نزلت في سبعة أربعة منهم ربطوا أنفسهم بالسواري وهم أبو لبابة ومرداس وأوس وجذام، وأخرج أبو الشيخ وابن مندة في الصحابة من طريق الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : كان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو لبابة وأوس بن جذام وثعلبة بن وديعة وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فجاء أبو لبابة وثعلبة فربطوا أنفسهم بالسواري وجاؤوا بأموالهم فقالوا يا رسول الله خذها هذا الذي حبسنا عنك فقال : لا أحلهم حتى يكون الله تعالى يحلهم فنزل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية اسناده قوي، قال : البغوي : فاتفقت الروايات أن أحدهم أبو لبابة وقال قوم نزلت في أبي لبابة خاصة، قال : البغوي : واختلفوا في ذنبه ؟قال : مجاهد نزلت حين قال : لقريظة : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه وقد ذكرنا القصة في سورة الأنفال في تفسيره قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله " ١الآية وكذا زعم ابن إسحاق أن ارتباطه كان في وقعة بني قريضة قاله البيهقي، وقال الزهري نزلت في تخلفه عن عزوة تبوك قلت : لعله ربط نفسه في الوقعتين جميعا ويدل عليه ما ذكر عن ابن عباس وسعيد بن المسيب، وأخرج ابن مردويه بسند فيه الواقدي عن أم سلمة أن توبة أبي لبابة نزلت في بيتي فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك في السحر فقلت : ما يضحكك يا رسول الله ؟قال : تيب على أبي لبابة فقلت : أؤذنه قال : ما شئت فقمت على باب الحجرة وذلك قبل أن يضرب الحجاب فقلت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك فثار الناس ليطلقوه فقال : حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذي يطلقني فلما خرج إلى الصبح أطلقه فنزلت " وآخرون اعترفوا " الآية وهذا الحديث يدل على أن ذنبه ما مر في قصة قريظة لأن غزوة تبوك كان بعد نزول الحجاب بخلاف وقعة قريظة فالأولى أن يقال بتعدد الارتباط في القصتين جميعا لصحة الروايتين جميعا، وصل عليهم أي : ادع لهم واستغفر.
قال البغوي : واختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة فقال : بعضهم يجب، وقال بعضهم يستحب وقال بعضهم : يجب في الصدقة المفروضة ويستحب في التطوع وقيل : يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعوا للمعطي، روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال :" اللهم صل عليهم " فأتاه أبي صدقة فقال :" اللهم صل على آل أبي أوفى :٢ واعلم أن الصلاة في اللغة الدعاء والرحمة والاستغفار، وهو المراد بهذه الآية وبما قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا دعا أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل " ٣رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أي : ليدعوا، وفي حديث جابر قالت امرأة : يا رسول الله صل على زوجي ففعل أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وإذا أسند إلى الله تعالى يراد به الرحمة والثناء الحسن وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم :" اللهم صلي على آل أبي أوفى " وقوله صلى الله عليه وسلم :" اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة " ٤رواه أبو داود والنسائي عن قيس بن سعد وسنده جيد، وفي حديث أبي هريرة مرفوعا :" إن الملائكة يقول لروح المؤمن صلى الله عليك وعلى جسدك " باعتبار المعنى اللغوي ونظرا إلى ما ذكرنا من الأحاديث قال : يحيى بن يحيى لا بأس بالصلاة على غير الأنبياء يعني الدعاء بهذا اللفظ المخصوص لمن أهل الشرع من المحدثين والفقهاء اصطلحوا على اختصاص لفظ الصلاة بالأنبياء أو بنبينا صلى الله عليه وسلم إلا تبعا وبناء على هذا لاصطلاح قال مالك : أكره الصلاة على غير الأنبياء، قال : عياض : هذا قول مالك وسفيان وهو قول المتكلمين والفقهاء قالوا : يذكر غير الأنبياء بالرضى والغفران والرحمة وأما الصلاة على غير الأنبياء فلم يكن من المعروف وإنما أحدثت في دولة بني هاشم يعني الخلفاء العباسية وقال أبو حنيفة يجوز على غير الأنبياء تبعا ولا يجوز استقلالا وبه قال : جماعة. وجه هذا القول أن الصلاة لما وضعت في اصطلاح أهل الشرع لتعظيم الأنبياء خصوصا لتعظيم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يجوز إطلاقها لغير الأنبياء لقوله تعالى " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " ٥ومن ههنا قال : ابن عباس : ما أعلم الصلاة ينبغي من أحد على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم " رواه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه وهذا سند صحيح، قال : البيهقي يحمل قول ابن عباس بالمنع على ما إذا كان على وجه التعظيم وأما إذا كان على وجه الدعاء فلا بأس به، وقال ابن القيم : المختار أن يصلي على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال ويكره في غير الأنبياء لشخص معروف بحيث يصير شعار ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة كذا قال : الحافظ ابن حجر قال : الله تعالى : إن صلواتك قرأ حفص وحمزة والكسائي " أصلواتك تأمرك " ٦وكذا قرأ حمزة والكسائي في المؤمنين بالتوحيد ونصب التاء هنا والباقون فيهن بالجمع وكسر التاء هنا ولا خلاف في رفع التاء في هود سكن لهم قال : ابن عباس رحمة لهم وقال أبو عبيدة تثبيت لقلوبهم وطمأنينة لهم بأن الله قد قبل توبتهم، قلت : أرباب القلوب الصافية إذا صدر من أحدهم مصيبة تغشي ظلماتها قلبه فيحصل له حالة كما يحصل الخفقان بصعود إلا تجرة من المعدة إلى القلب فإذا استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وغفر الله له زال تلك الظلمات وحصلت له طمأنينة وسكون ومن ههنا قال : الله تعالى " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ٧ والله سميع باعترافهم بذنوبهم وبدعاء الرسول الله صلى الله عليه وسلم عليم بندامتهم على ما صدر منهم.

١ سورة الأنفال، الآية: ٢٧..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: صلاة الإمام ودعاؤه لصاحب الصدقة (١٤٩٧)، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب: الدعاء لمن أتى بصدقته(١٠٧٨).
٣ أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (١٤٣١)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصيام، باب: في الصائم يدعى إلى وليمة (٢٤٥٨)، وأخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في إجابة الصائم الدعوة(٧٧٤)..
٤ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان(٥١٧٦)..
٥ سورة النور، الآية: ٦٣.
٦ سورة هود، الآية: ٨٧.
٧ سورة الرعد، الآية: ٢٨..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير