ولما تاب الله على المتخلفين، وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوثاق، قالوا : يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا خذها فتصدق بها وطهرنا، فقال عليه الصلاة والسلام :" ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ". فأنزل الله في ذلك :
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاواتَك سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام : خُذْ من أموالهم التي عرضوها عليك صدقة ، وهو الثلث، فأخذ عليه الصلاة والسلام من أموالهم الثلث، وترك لهم الثلثين، أو : خذ من أموالهم صدقة، وهي الزكاة المفروضة، والضمير لجميع المسلمين. من صفة تلك الصدقة : تُطهّرهُم أنت يا محمد بها من الذنوب، أو حب المال المؤدي بهم إلى البخل، الذي هو أقبح الذنوب. وقرئ بالجزم ؛ جواب الأمر.
وتُزكِّيهم أي : تنمي بها حسناتهم، أو ترفعهم بها إلى درجات المخلصين، وَصَلِّ عليهم أي : ترحم عليهم، وادع لهم بالرحمة، فكان عليه الصلاة والسلام يقول لمن أتاه بصدقته :" اللهُم صَل عَلى آلِ فُلان ". فأتى أبو أوفى بصدقته فقال :" اللهم صلِّ على آل أَبي أَوفَى " ١.
إِن صلاتك سَكَنٌ لهم ؛ تسكن إليها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم، لتحققهم بقبول دعائه عليه الصلاة والسلام. قال القشيري : انتعاشهم بهمَّتِكَ معهم أتم من استقلالهم بأموالهم. ه. وجمع الصلوات ؛ لتعدد الموعد لهم، وقرأ الأخَوانِ وحفص بالتوحيد. والله سميعٌ عليم ؛ أي : سميع باعترافهم عليم بندامتهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي