لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عزيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ١٢٨ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ١٢٩
ختم الله تعالى هذه السورة بهاتين الآيتين اللتين قال أبي بن كعب رضي الله عنه إنهما آخر ما نزل، وبينا في الكلام على السورة قبل الشروع في تفسيرها ما يعارضه، وسنحقق المسألة بعد الفراغ من تفسير الآيتين.
فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ هذا التفات عن خطاب أمة الرسول أو قومه الذين امتن الله تعالى عليهم بمجيئه رسولا إليهم من أنفسهم وبفضائله العائدة عليهم، إلى خطابه صلى الله عليه وسلم وبيان ما يجب عليه في حال إعراضهم عن الاهتداء والانتفاع بما خاطبهم به ربهم في شأنه. يقول : فإن تولوا وانصرفوا عن الإيمان بك والاهتداء بما جئتهم به، فقل : حسبي الله، أي هو محسبي الذي يكفيني أمر توليهم وإعراضهم، وما يعقبه من عداوتهم لي وصدهم عن سبيله، وقد بلغت وما قصرت.
لا إِلَهَ إِلاَّ هُو أي لا معبود غيره ألجأ إليه بالدعاء والاستعانة كما يلجئون إلى آلهتهم المنتحلة.
عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وحده، فلا أكل أمري فيما أعجز عنه إلى غيره، وكيف لا أخصه بالتوكل وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي هو مركز تدبير أمور الخلق كلها، كما قال في الآية الثالثة من السورة التالية ثم استوى على العرش يدبر الأمر [ يونس : ٣ ].
قرأ جمهور القراء العظيم بالخفض على أنه صفة للعرش، وقرئ بالرفع على أنه صفة لرب، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير.
وعظمة العرش بعظمة الرب الذي استوى عليه، وعظمة الملك الكبير الذي هو مركز تدبيره ووحدة النظام فيه، وعظمتهما في الملأ الأعلى وفيما دونه هي المظهر الوجودي لعظمة هذا الرب التي لا تحد، ولا يدرك كنهها أحد، ودليل على أنه الإله الحق الذي لا يصح أن يعبد غيره ولا يتوكل على سواه، وكيف يعبد غيره بالدعاء أو غيره أو يتوكل على سواه من يعلم أنه هو الرب المالك للعالم كله، والمدبر لأموره، ويراجع هنا تفسير يا أيها النبي حسبك الله [ الأنفال : ٦٤ ] ( في ج ١٠ )، وفسر بعضهم العرش هنا بالملك ( بالضم ) لأنه يطلق عليه تجوزا، وهو خطأ منهم ؛ لأن هذا التجوز لا مسوغ له، ولا يصح في كل الآيات التي ورد فيها اللفظ، والمعنى الحقيقي أبلغ منه وأعم، فإنه يدل على المعنى المجازي وزيادة ؛ إذ ليس لكل ملك في الأرض عرش حقيقي هو المركز الوحيد لتدبير كل شيء فيه. فالعرش العظيم يدل على الملك العظيم وعلى وحدة النظام والتدبير فيه، ولفظ : الملك العظيم لا يدل على هذا، لاحتمال وجود الخلل فيه، وكون تدبيره ليس له مرجع وحدة تكفل النظام، وتمنع الخلل والفساد، ونظار المتكلمين ومفسروهم يتأولون العرش والاستواء عليه فرارا من التشبيه الذي يستلزمه بزعمهم المبني على قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، وقياس الخالق على المخلوق، وهو قياس باطل بإجماعهم، وقال ابن عباس : سمي العرش عرشا لارتفاعه، وفي الدر المنثور روايات في وصف العرش ومادته هي من الإسرائيليات لا يصح فيها شيء مرفوع.
الأولى ما ورد في كتابة الآيتين عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وكونهما آخر ما نزل
إن معنى هاتين الآيتين لا يظهر إلا في دعوته صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة في أول زمن البعثة، وقد ذكرت في الكلام على هذه السورة قبل البدء بتفسيرها أن ابن أبي الفرس قال : إنهما مكيتان، وأنه يرد قوله ما ورد من أنهما آخر ما نزل من القرآن، ثم ذكرت هنالك أصح ما ورد في آخر ما نزل من القرآن، وهو غير هاتين الآيتين.
وأقول الآن : إن قول ابن أبي الفرس هو الوجيه من جانب المعنى، فهو يؤيد الرواية، وأما القول بأنهما آخر ما نزل فقد أخرج في بعض المسانيد والتفاسير المأثورة عن أبي بن كعب بألفاظ متقاربة منها : عن ابن عباس عنه : أن آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ أن آخر ما أنزل من القرآن- لقد جاءكم رسول من أنفسكم الخ آخر الآية، ومنها : عن الحسن عنه أنه كان يقول : إن أحدث القرآن عهدا بالله ـ وفي لفظ بالسماء ـ هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم الخ السورة، ومنها : من طريق أبي العالية عنه أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملّ عليهم أبي بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون [ التوبة : ١٢٧ ] فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبي بن كعب إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين لقد جاءكم ـ إلى ـ رب العرش العظيم ، قال فختم الأمر بما فتح به : بلا إله إلا الله اهـ. وهو صريح في أنهما آخر ما نزل من هذه السورة، لا من القرآن مطلقا ؛ إلا إذا صح أن سورة براءة آخر سورة نزلت، والصحيح في الرواية أن آخر ما نزل من السور سورة النصر، ومن الآيات واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ] كما تقدم في محله.
وفي حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن المكتوب الذي كان متفرقا في عهد أبي بكر عند ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرهما اهـ، والمراد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب في هذه السورة إلا عند خزيمة، وفي رواية في البخاري وغيره عند أبي خزيمة، وهي أرجح كما سيأتي، إلا أن تكونا وجدتا عند كل منهما، وكانتا محفوظتين للكثيرين كما صرح به في الروايات الأخرى.
فقد أخرج ابن إسحاق وأحمد وابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة لقد جاءكم رسول ـ إلى قوله ـ وهو رب العرش العظيم إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقت في آخر براءة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف أن خزيمة بن ثابت جاء عثمان حين تصدى لكتابة القرآن بعد مقتل عمر فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، فقالوا ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم الخ السورة. فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : اختم بهما آخر ما نزلت من القرآن، فختمت بهما براءة.
فيؤخذ من مجموع الروايات أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين إلا أنهم اختلفوا في موضعهما، ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، والمعتمد الأول قطعا ؛ لأن من حفظ التوقيف حجة على من لم يحفظ. والظاهر أن سبب الاختلاف في موضعهما أن موضوعهما يدل على أنهما مكيتان، ولم تصح لجماعة جامعي المصحف رواية بكتابتهما في إحدى السور المكية، ولكن وجدتا عند أبي خزيمة مكتوبتين في آخر براءة.
وفي الصحيح أن زيد بن ثابت الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمره أبو بكر بجمع القرآن مع آخرين، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون، قال : فوجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة بالشك، وهو من الراوي لا من زيد، وفي رواية عنه مع خزيمة، والتحقيق الذي قرره الحافظ ابن حجر أن آخر التوبة وجد عند أبي خزيمة، وأما الذي وجد مع خزيمة فهو آية الأحزاب، وذلك ما رواه البخاري في تفسير سورتها عن زيد بن ثابت، قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، قال الحافظ في شرحه : هذا يدل على أن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه، ولا يقتصر على حفظه. لكن فيه إشكال ؛ لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده، والقرآن إنما يثبت بالتواتر. والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أنه فقده فقْدُ وجودِها مكتوبة لا فقْد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره، ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن :" فجعلت أتتبعه من الرقاع والعسب، كما سيأتي مبسوطا في فضائل القرآن " اهـ.
وأقول : إنني قد ذكرت آنفا أن هذا هو المراد منه، وهو ما كنت أفهمه دون غيره، وأجيب به من سألني عنه مستشكلا، فقول الحافظ : والذي يظهر الخ كان يجب أن يكون : والذي يتعين القطع به كذا، وحسبك دليلا على هذا أنه قال : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث كان عمن كتبها فقط، وجملة القول أن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة، وإنما اختلفوا عند الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة وفاقا لقول أبي بن كعب الذي ثبت في الصحيح أنه أحد الذين تلقوا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت. وكان عدد المختلفين في موضوعهما قليلا، فلما كتبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما ههنا، ولم يروا أي اعتراض على ذلك عمن كتبوا لأنفسهم مصاحف اعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
بقي البحث في حكمة وضعهما في آخر هذه السورة المدنية وموضوعهما مكي، يؤيده كون الخطاب فيهما لقومه صلى الله عليه وسلم ما جزم به جماهير المفسرين، وما هما بأول ما وضع من الآيات المكية في السور المدنية لمناسبة اقتضت ذلك. ولعل الحكمة في ذلك أن يفيدا بموضوعهما صحة الخطاب بهما لكل من تبلغه الدعوة من أمة الإجابة، وهو ما ذهب إليه الخطابي، كما دل موضوعهما ونزولهما بمكة ـ كما قال ابن أبي الفرس ـ على كون الخطاب فيهما لقومه صلى الله عليه وسلم، وهو ما جزم به الجماهير، ويكون ما قلناه جامعا بين الأقوال كلها.
طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم،
وفضل قومه، واصطفاؤه من خيارهم
من المأثور في تفسير الآيتين ما ذكروا في قوله تعالى : رسول من أنفسكم من الأحاديث المرفوعة في طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم من سفاح الجاهلية، ومن فضل قومه وعشيرته وعترته وأهل بيته على غيرهم، وأصح ما ورد في هذا ما رواه مسلم والترمذي من حديث واثلة رضي الله عنه مرفوعا :" إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم " ١، ولم أر لأحد من العلماء بيانا لمعنى هذا الاصطفاء بم كان ؟ وقد وفقني الله لاستنباطه من التاريخ العام، وبينته في المنار، وفي خلاصة السيرة المحمدية في جواب السؤال عن حكمة بعثه خاتم النبيين بالرسالة العامة للناس أجمعين، بالدين العام للبدو والحضر، من العرب الذين غلبت عليهم جهالة البدو، وبعد عهدهم بما سبق لأمتهم من الحضارة والعلم، ولم يبعث من بعض شعوب الحضارة القريبة كالفرس والروم والهند والصين، ويليه السؤال عن مزية كنانة في العرب من آل إسماعيل، الذين امتازوا على سائر العرب بأنهم ممن اصطفى الله من آل إبراهيم، ثم عن مزية قريش في بني كنانة، وفضل بني هاشم على سائر قريش ؟
خلاصة ما بينته في فضل العرب على سائر الأمم، الذي أعدهم به الله لبعثة سيد البشر من العرب والعجم، بالدين العام الباقي، هي أن جميع شعوب الحضارة المشار إليها وغيرها كانت قد فسدت غرائزها وأخلاقها الفطرية، وعقائدها الدينية، وآدابها التقليدية، بفساد رؤساء الدين والدنيا فيها، وتعاون الفريقين على استعبادها واستذلالها لهما، وتسخيرها لتوفير لذاتهما وتشييد صروح عظمتهما، بسلب حريتهم العقلية بالتقاليد الدينية التي يفرض عليهم الكهنة والأحبار والقسوس الخضوع لها، بدون أن يكون لهم أدنى رأي أو اختيار أو فهم فيها، وسلب حرية إرادتهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية، بما يضع لهم الملوك والحكام من القوانين والنظم الإدارية والعسكرية الاستبدادية، وبتحكمهم فيهم بدون قانون ولا نظام أيضا، فجميع الأمم والشعوب كانت مرهقة مستعبدة في دينها ودنياها إلا العرب، ولاسيما عرب الحجاز.
وأما العرب فلم يكن عندهم رياسة حكم استبدادية تستذلهم وتفسد بأسهم وتقهر إرادتهم على ما لا يريدون، ولا رياسة دينية تقهرهم على اتباع تقاليد تعبدية لا يعقلونها، بل كانوا على أتم الحرية العقلية واستقلال الإرادة في دينهم ودنياهم، وفي أعلى ذروة من عزة النفس، وشدة البأس، فبحرية عقولهم كانوا على أتم الاستعداد للنهوض بما اعتقدوا حقيته وصلاحه وخيريته، ولإقامته في قومهم، ونشره في غيرهم، والدفاع عنه باختيارهم، وتصرفهم في كل ذلك بمقتضى الوازع النفسي، دون تحكم رئيس ديني ولا دنيوي، فإن هذا الدين إنما أوجب طاعة الأئمة والقواد بالمعروف والإذعان للشرع، وما تضعه الأمة لنفسها من النظام بالشورى بين ممثليها من أهل الحل والعقد، حتى فرض الله على الرسول صلى الله عليه وسلم مشاورتها في أمورها، وقال له ربه في صيغة مبايعة نسائها له ولا يعصينك في معروف ، وبها كان يبايع الرجال كالنساء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف " ٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي كرم الله وجهه.
وأما كنانة فقد كان أشهر ذرية إسماعيل في العلم والحكمة، والكرم والنبل، حتى كانت العرب تحج إليه، وينقلون عنه حكما رائعة، وكفى بهذا اصطفاء عليهم، وامتيازا فيهم.
وأما امتياز قريش على سائر العرب فهو معروف متواتر، وأهمه أن ما ذكرناه من عزة النفس، واستقلال الإرادة والعقل، كان أكمل فيهم، فإن بعض العرب في أطراف جزيرتهم خضعوا لسيادة الفرس والروم خضوعا ما، وجملته أ
( تم تفسير سورة براءة بفضل الله وتوفيقه في شهر صفر سنة خمسين وثلاثمائة وألف وبقي تلخيص ما فيها من أصول الدين وأحكامه وحكمه وسياسته وآدابه وسنن الله في ذلك، فنسأله تعالى توفيقنا فيه للحق الذي يرضاه وينفع عباده ).
ونختم تفسير الآيتين بتحقيق مسألتين ذكرتا في تفسيرهما المأثور ولم نر أحدا حققهما :
الأولى ما ورد في كتابة الآيتين عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وكونهما آخر ما نزل
إن معنى هاتين الآيتين لا يظهر إلا في دعوته صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة في أول زمن البعثة، وقد ذكرت في الكلام على هذه السورة قبل البدء بتفسيرها أن ابن أبي الفرس قال : إنهما مكيتان، وأنه يرد قوله ما ورد من أنهما آخر ما نزل من القرآن، ثم ذكرت هنالك أصح ما ورد في آخر ما نزل من القرآن، وهو غير هاتين الآيتين.
وأقول الآن : إن قول ابن أبي الفرس هو الوجيه من جانب المعنى، فهو يؤيد الرواية، وأما القول بأنهما آخر ما نزل فقد أخرج في بعض المسانيد والتفاسير المأثورة عن أبي بن كعب بألفاظ متقاربة منها : عن ابن عباس عنه : أن آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ أن آخر ما أنزل من القرآن- لقد جاءكم رسول من أنفسكم الخ آخر الآية، ومنها : عن الحسن عنه أنه كان يقول : إن أحدث القرآن عهدا بالله ـ وفي لفظ بالسماء ـ هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم الخ السورة، ومنها : من طريق أبي العالية عنه أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملّ عليهم أبي بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون [ التوبة : ١٢٧ ] فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبي بن كعب إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين لقد جاءكم ـ إلى ـ رب العرش العظيم ، قال فختم الأمر بما فتح به : بلا إله إلا الله اهـ. وهو صريح في أنهما آخر ما نزل من هذه السورة، لا من القرآن مطلقا ؛ إلا إذا صح أن سورة براءة آخر سورة نزلت، والصحيح في الرواية أن آخر ما نزل من السور سورة النصر، ومن الآيات واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ] كما تقدم في محله.
وفي حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن المكتوب الذي كان متفرقا في عهد أبي بكر عند ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرهما اهـ، والمراد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب في هذه السورة إلا عند خزيمة، وفي رواية في البخاري وغيره عند أبي خزيمة، وهي أرجح كما سيأتي، إلا أن تكونا وجدتا عند كل منهما، وكانتا محفوظتين للكثيرين كما صرح به في الروايات الأخرى.
فقد أخرج ابن إسحاق وأحمد وابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة لقد جاءكم رسول ـ إلى قوله ـ وهو رب العرش العظيم إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقت في آخر براءة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف أن خزيمة بن ثابت جاء عثمان حين تصدى لكتابة القرآن بعد مقتل عمر فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، فقالوا ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم الخ السورة. فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : اختم بهما آخر ما نزلت من القرآن، فختمت بهما براءة.
فيؤخذ من مجموع الروايات أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين إلا أنهم اختلفوا في موضعهما، ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، والمعتمد الأول قطعا ؛ لأن من حفظ التوقيف حجة على من لم يحفظ. والظاهر أن سبب الاختلاف في موضعهما أن موضوعهما يدل على أنهما مكيتان، ولم تصح لجماعة جامعي المصحف رواية بكتابتهما في إحدى السور المكية، ولكن وجدتا عند أبي خزيمة مكتوبتين في آخر براءة.
وفي الصحيح أن زيد بن ثابت الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمره أبو بكر بجمع القرآن مع آخرين، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون، قال : فوجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة بالشك، وهو من الراوي لا من زيد، وفي رواية عنه مع خزيمة، والتحقيق الذي قرره الحافظ ابن حجر أن آخر التوبة وجد عند أبي خزيمة، وأما الذي وجد مع خزيمة فهو آية الأحزاب، وذلك ما رواه البخاري في تفسير سورتها عن زيد بن ثابت، قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، قال الحافظ في شرحه : هذا يدل على أن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه، ولا يقتصر على حفظه. لكن فيه إشكال ؛ لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده، والقرآن إنما يثبت بالتواتر. والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أنه فقده فقْدُ وجودِها مكتوبة لا فقْد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره، ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن :" فجعلت أتتبعه من الرقاع والعسب، كما سيأتي مبسوطا في فضائل القرآن " اهـ.
وأقول : إنني قد ذكرت آنفا أن هذا هو المراد منه، وهو ما كنت أفهمه دون غيره، وأجيب به من سألني عنه مستشكلا، فقول الحافظ : والذي يظهر الخ كان يجب أن يكون : والذي يتعين القطع به كذا، وحسبك دليلا على هذا أنه قال : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث كان عمن كتبها فقط، وجملة القول أن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة، وإنما اختلفوا عند الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة وفاقا لقول أبي بن كعب الذي ثبت في الصحيح أنه أحد الذين تلقوا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت. وكان عدد المختلفين في موضوعهما قليلا، فلما كتبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما ههنا، ولم يروا أي اعتراض على ذلك عمن كتبوا لأنفسهم مصاحف اعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
بقي البحث في حكمة وضعهما في آخر هذه السورة المدنية وموضوعهما مكي، يؤيده كون الخطاب فيهما لقومه صلى الله عليه وسلم ما جزم به جماهير المفسرين، وما هما بأول ما وضع من الآيات المكية في السور المدنية لمناسبة اقتضت ذلك. ولعل الحكمة في ذلك أن يفيدا بموضوعهما صحة الخطاب بهما لكل من تبلغه الدعوة من أمة الإجابة، وهو ما ذهب إليه الخطابي، كما دل موضوعهما ونزولهما بمكة ـ كما قال ابن أبي الفرس ـ على كون الخطاب فيهما لقومه صلى الله عليه وسلم، وهو ما جزم به الجماهير، ويكون ما قلناه جامعا بين الأقوال كلها.
طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم،
وفضل قومه، واصطفاؤه من خيارهم
من المأثور في تفسير الآيتين ما ذكروا في قوله تعالى : رسول من أنفسكم من الأحاديث المرفوعة في طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم من سفاح الجاهلية، ومن فضل قومه وعشيرته وعترته وأهل بيته على غيرهم، وأصح ما ورد في هذا ما رواه مسلم والترمذي من حديث واثلة رضي الله عنه مرفوعا :" إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم " ١، ولم أر لأحد من العلماء بيانا لمعنى هذا الاصطفاء بم كان ؟ وقد وفقني الله لاستنباطه من التاريخ العام، وبينته في المنار، وفي خلاصة السيرة المحمدية في جواب السؤال عن حكمة بعثه خاتم النبيين بالرسالة العامة للناس أجمعين، بالدين العام للبدو والحضر، من العرب الذين غلبت عليهم جهالة البدو، وبعد عهدهم بما سبق لأمتهم من الحضارة والعلم، ولم يبعث من بعض شعوب الحضارة القريبة كالفرس والروم والهند والصين، ويليه السؤال عن مزية كنانة في العرب من آل إسماعيل، الذين امتازوا على سائر العرب بأنهم ممن اصطفى الله من آل إبراهيم، ثم عن مزية قريش في بني كنانة، وفضل بني هاشم على سائر قريش ؟
خلاصة ما بينته في فضل العرب على سائر الأمم، الذي أعدهم به الله لبعثة سيد البشر من العرب والعجم، بالدين العام الباقي، هي أن جميع شعوب الحضارة المشار إليها وغيرها كانت قد فسدت غرائزها وأخلاقها الفطرية، وعقائدها الدينية، وآدابها التقليدية، بفساد رؤساء الدين والدنيا فيها، وتعاون الفريقين على استعبادها واستذلالها لهما، وتسخيرها لتوفير لذاتهما وتشييد صروح عظمتهما، بسلب حريتهم العقلية بالتقاليد الدينية التي يفرض عليهم الكهنة والأحبار والقسوس الخضوع لها، بدون أن يكون لهم أدنى رأي أو اختيار أو فهم فيها، وسلب حرية إرادتهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية، بما يضع لهم الملوك والحكام من القوانين والنظم الإدارية والعسكرية الاستبدادية، وبتحكمهم فيهم بدون قانون ولا نظام أيضا، فجميع الأمم والشعوب كانت مرهقة مستعبدة في دينها ودنياها إلا العرب، ولاسيما عرب الحجاز.
وأما العرب فلم يكن عندهم رياسة حكم استبدادية تستذلهم وتفسد بأسهم وتقهر إرادتهم على ما لا يريدون، ولا رياسة دينية تقهرهم على اتباع تقاليد تعبدية لا يعقلونها، بل كانوا على أتم الحرية العقلية واستقلال الإرادة في دينهم ودنياهم، وفي أعلى ذروة من عزة النفس، وشدة البأس، فبحرية عقولهم كانوا على أتم الاستعداد للنهوض بما اعتقدوا حقيته وصلاحه وخيريته، ولإقامته في قومهم، ونشره في غيرهم، والدفاع عنه باختيارهم، وتصرفهم في كل ذلك بمقتضى الوازع النفسي، دون تحكم رئيس ديني ولا دنيوي، فإن هذا الدين إنما أوجب طاعة الأئمة والقواد بالمعروف والإذعان للشرع، وما تضعه الأمة لنفسها من النظام بالشورى بين ممثليها من أهل الحل والعقد، حتى فرض الله على الرسول صلى الله عليه وسلم مشاورتها في أمورها، وقال له ربه في صيغة مبايعة نسائها له ولا يعصينك في معروف ، وبها كان يبايع الرجال كالنساء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف " ٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي كرم الله وجهه.
وأما كنانة فقد كان أشهر ذرية إسماعيل في العلم والحكمة، والكرم والنبل، حتى كانت العرب تحج إليه، وينقلون عنه حكما رائعة، وكفى بهذا اصطفاء عليهم، وامتيازا فيهم.
وأما امتياز قريش على سائر العرب فهو معروف متواتر، وأهمه أن ما ذكرناه من عزة النفس، واستقلال الإرادة والعقل، كان أكمل فيهم، فإن بعض العرب في أطراف جزيرتهم خضعوا لسيادة الفرس والروم خضوعا ما، وجملته أ
تفسير المنار
رشيد رضا