فَإِن تَوَلَّوْاْ أي : أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ولا قبلوه فَقُلْ يا محمد حَسْبِيَ الله أي : كافيّ الله سبحانه المنفرد بالألوهية عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي : فوّضت جميع أموري وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم وصفه بالعظم، لأنه أعظم المخلوقات. وقد قرأ الجمهور بالجرّ على أنه صفة لعرش. /خ*
وقرأ ابن محيصن بالرفع صفة لرب. وقد رويت هذه القراءة عن ابن كثير.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله : فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً قال : كان إذا نزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله إيماناً وتصديقاً، وكانوا بها يستبشرون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله : رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ قال : شكاً إلى شكهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ قال : يقتلون. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، نحوه وقال : بالسنة والجوع.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، قال : بالعدوّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال : بالغزو في سبيل الله. وأخرج أبو الشيخ، عن بكار بن مالك، قال : يمرضون في كل عام مرّة أو مرّتين. وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد، قال : كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة، قال : كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قال : هم المنافقون. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوماً انصرفوا، صرف الله قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر، نحوه. وأقول : الانصراف يكون عن الخير، كما يكون عن الشرّ، وليس في إطلاقه هنا على رجوع المنافقين عن مجلس الخير ما يدل على أنه لا يطلق إلا على نحو ذلك، وإلا لزم أن كل لفظ يستعمل في لغة العرب في الأمور المتعدّدة إذا استعمل في القرآن في حكاية ما وقع من الكفار، لا يجوز استعماله في حكاية ما وقع عن أهل الخير، كالرجوع والذهاب، والدخول والخروج، والقيام والقعود. واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله، ووجه الملازمة ظاهر لا يخفى.
وأخرج عبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، في دلائل النبوّة، وابن عساكر، عن ابن عباس، في قوله : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ قال : ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعها ويمانيها. وأخرج ابن سعد عنه، في قوله : مّنْ أَنفُسِكُمْ قال : قد ولدتموه يا معشر العرب. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، وأبو الشيخ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، في قوله : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ قال : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح » وهذا فيه انقطاع، ولكنه قد وصله الحافظ الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي، فقال : حدثنا أبو أحمد، يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال : أشهد على أبي يحدثني، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي " وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال :«قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ فقال عليّ بن أبي طالب : يا رسول الله، ما معنى من أنفسكم ؟ قال :" نسباً وصهراً وحسباً، ليس فيّ ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح " وأخرج الحاكم، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ يعني : من أعظمكم قدراً. وأخرج ابن سعد عنه نحو حديث عليّ الأول. وأخرج الطبراني عنه أيضاً نحوه. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن عائشة، نحوه. وفي الباب أحاديث بمعناه، ويؤيده ما في صحيح مسلم، وغيره، من حديث واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً " وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وابن منيع، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، قال : آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ : آخر ما أنزل من القرآن : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ إلى آخر الآية، وروي عنه نحوه من طريق أخرى ؛ أخرجها عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس، في فضائله، وابن أبي داود في المصاحف، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والخطيب في تلخيص المتشابه، والضياء في المختارة. وأخرج ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له : إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال : ولم سألتم هذا ؟ قالوا : نطلب الأمن، فأنزل الله هذه الآية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ . وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله يعني : الكفار تولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال : إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه، وقد رويت أحاديث كثيرة في صفة العرش وماهيته، وقدره.
وإلى هنا انتهى الثلث الأوّل من التفسير المسمى :«فتح القدير » الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، بقلم مؤلفه : محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما. وكان تمام هذا الثلث في نهار يوم الثلاثاء لعله يوم عشرين من شهر محرّم سنة ١٢٢٧ ه.
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله : انتهى سماعاً على مؤلفه. أطال الله مدّته في شهر جمادى الأولى من عام سنة ١٢٣٥ ه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني