لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١٢٨ ) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( التوبة : ١٢٨-١٢٩ ).
المعنى الجملي : لما أمر الله رسوله في هذه السورة أن يبلغ الخلق تكاليف شاقة يعسر تحملها إلا على من خُصّ بوجوه التوفيق والكرامة- ختمها بما يوجب تحملهم تلك التكاليف فبيّن أن هذا الرسول منهم، فما يحصل له من عز وشرف فهو عائد إليهم، إلى أنه يشقُّ عليه ضررهم، وتعظم رغبته في إيصال خيري الدنيا والآخرة إليهم فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم عليهم، والطبيب الحاذق بما أقدم على علاج يصعب تحمله، والأب الرحيم بما ركن إلى ضروب من التأديب يشق على النفس احتمالها كما قال :
| فقسا ليزدجروا ومن يك حازما | فليقس أحيانا على من يرحم |
الإيضاح :
فإن تولوا فقل حسبي الله أي فإن تولوا وأعرضوا عن الإيمان بك والاهتداء بما جئتهم به، فقل حسبي الله فإنه يعينك عليهم ويكفيك أمر توليهم وما يتبعه من عداوتهم وصدهم عن سبيله، وقد بلّغت وما قصرت.
لا إله إلا هو أي لا معبود سواه ألجأ إليه بالدعاء والإعانة، وهو الكافي والمعين.
عليه توكلت أي عليه وحده توكلت فلا أَكِلُ أمري فيما أعجز عنه إلى غيره.
وهو رب العرش العظيم العرش : مركز تدبير أمور الخلق كما قال تعالى : ثم استوى على العرش يدبر الأمر ( يونس : ٣ ) وعظمته بعظمة الرب الذي استوى عليه، وعظمة الملك الكبير الذي هو مركز تدبيره، وعظمة العرش والملك في الملأ الأعلى وفيما دونه هي مظهر عظمة الله سبحانه وتعالى، ودليل على أنه وحده الإله الحق الذي لا ينبغي أن يُعْبد غيره ولا يتوكل على سواه، وهو المالك للعالم كله والمدبر لهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها.
ومن هذه الروايات يُعْلم أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، ولكن المعتمد هو الأول، لأن من حفظ التوفيق حجة على من لم يحفظ.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : إن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه، واكتفاؤه بخزيمة وحده إنما كان لأنه لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، وحسبك دليلا على ذلك قوله : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث عمن كتبها فقط ا هـ.
فجملة القول : إن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة وإنما اختلفوا حين الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة، وفاقا لقول أبيّ بن كعب وهو أحد الذين تلقَّوْا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلا، فلما كُتِبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هذا، ولم يروا أيّ اعتراض على ذلك ممن كتبوا لأنفسهم مصاحف واعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خُزَيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرها- يريد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعُسُب إلا عنده، وقد كانتا محفوظتين معروفتين للكثير كما صرح بذلك في الروايات الأخرى ؛ فقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين في آخر براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى قوله وهو رب العرش العظيم إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتهما سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها بها، فألحقت في آخر براءة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها.
ومن هذه الروايات يُعْلم أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، ولكن المعتمد هو الأول، لأن من حفظ التوفيق حجة على من لم يحفظ.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : إن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه، واكتفاؤه بخزيمة وحده إنما كان لأنه لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، وحسبك دليلا على ذلك قوله : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث عمن كتبها فقط ا هـ.
فجملة القول : إن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة وإنما اختلفوا حين الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة، وفاقا لقول أبيّ بن كعب وهو أحد الذين تلقَّوْا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلا، فلما كُتِبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هذا، ولم يروا أيّ اعتراض على ذلك ممن كتبوا لأنفسهم مصاحف واعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خُزَيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرها- يريد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعُسُب إلا عنده، وقد كانتا محفوظتين معروفتين للكثير كما صرح بذلك في الروايات الأخرى ؛ فقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين في آخر براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى قوله وهو رب العرش العظيم إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتهما سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها بها، فألحقت في آخر براءة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها.
ومن هذه الروايات يُعْلم أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، ولكن المعتمد هو الأول، لأن من حفظ التوفيق حجة على من لم يحفظ.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : إن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه، واكتفاؤه بخزيمة وحده إنما كان لأنه لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، وحسبك دليلا على ذلك قوله : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث عمن كتبها فقط ا هـ.
فجملة القول : إن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة وإنما اختلفوا حين الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة، وفاقا لقول أبيّ بن كعب وهو أحد الذين تلقَّوْا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلا، فلما كُتِبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هذا، ولم يروا أيّ اعتراض على ذلك ممن كتبوا لأنفسهم مصاحف واعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
تفسير المراغي
المراغي