٦- إن الله تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه في مذهب أهل السنة، لصرف نفوسهم عنه لقوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وهو إما دعاء عليهم أي قولوا لهم هذا، وإما خبر عن صرفها عن الخير والرشد والهدى، مجازاة على فعلهم.
وهذا رد على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم، وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم واختيارهم.
صفات الرسول صلى الله عليه وسلّم ذات الصلة بأمته
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
الإعراب:
ما عَنِتُّمْ ما: مصدرية، وهي مع عَنِتُّمْ في تأويل المصدر، وتقديره: عزيز عليه عنتكم. وهو إما مرفوع بعزيز لأنه وقع صفة لرسول، وإما مبتدأ، وعَزِيزٌ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع لأنها صفة رَسُولٌ.
المفردات اللغوية:
مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي منكم ومن جنسكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلّم عَزِيزٌ شديد أو شاق ما عَنِتُّمْ أي عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أن تهتدوا والحرص: شدة الرغبة في الحصول على الشيء رَؤُفٌ شفوق، والرأفة أخص من الرحمة، وتكون مع الضعف والشفقة والرقة رَحِيمٌ يريد لكم الخير، والرحمة عامة شاملة حال الضعف وغيره فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان بك فَقُلْ: حَسْبِيَ كافي تَوَكَّلْتُ وثقت به لا بغيره وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الكرسي الْعَظِيمِ خص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات.
المناسبة:
لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلّم أن يبلغ في هذه السورة تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها إلا من خصة الله بالتوفيق، ختمها بما يوجب سهولة تحملهم تلك التكاليف، وهو أن هذا الرسول صلى الله عليه وسلّم منكم، فكل ما يحققه من عز وشرف فهو عائد إليكم، وهو بحال يشق عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب الحاذق إذا أقدم على علاجات صعبة، فإنما يريد الخير، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير.
وكذلك لما بدأ السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين، وقص فيها أحوال المنافقين شيئا فشيئا، خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم والمن عليهم بكونه جاءهم رسول من جنسهم أو من نسبهم عربي قرشي يبلغهم عن الله، متصف بالأوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم بالوقوع في العذاب الأخروي، ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم «١».
روى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ... إلى آخر السورة. وروى الشيخان عن البراء بن عازب قال:
آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وآخر سورة نزلت: بَراءَةٌ. وعن ابن عباس: آخر آية نزلت: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلّم ثمانون يوما. وهذا قول سعيد بن جبير أيضا.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم، أي من
جنسهم وعلى لغتهم. لقد جاءكم أيها العرب رسول من جنسكم وبلغتكم، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة ٦٢/ ٢] وقال أيضا:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران ٣/ ١٦٤] وصف الله هذا الرسول بخمس صفات:
الأولى- قوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من العرب، والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته. قال ابن عباس: إنه ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلّم مضريّها وربيعيها ويمانيها، أي أن نسبه تشعب في جميع قبائل العرب.
الثانية- عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد عليه عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه في الدنيا والآخرة، إذ هو منكم، يتألم لألمكم ويفرح لفرحكم.
الثالثة- حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي حريص على هدايتكم وإيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة.
الرابعة والخامسة- بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه.
فإن تولوا أي أعرض المشركون والمنافقون عنك وعن الإيمان برسالتك والاهتداء بشرعك، فقل: حسبي الله، أي الله كافي في النصر على الأعداء.
لا إله إلا هو، أي لا معبود سواه أدعوه وأخضع له، عليه توكلت أي فوضت أمري إليه وحده، فلا أتوكل إلا عليه.
وهو رب العرش العظيم، والعرش: سقف المخلوقات كلها في السموات والأرض وما بينهما، وخص العرش لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل فيه ما دونه
إذا ذكر، إذ عليه تدبير أمور الخلق، كما قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس ١٠/ ٣].
روى أبو داود عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: «حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، كفاه الله ما أهمه، صادقا كان بها أو كاذبا».
وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.
وقد اتفق الصحابة حين جمع القرآن على وضع هاتين الآيتين في آخر سورة بَراءَةٌ روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخرها. أي لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، كما ذكر ابن حجر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال:
لا أسألك عليها. بيّنة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقرؤها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمرين:
١- اتصاف النبي صلى الله عليه وسلّم بصفات خمس تستدعي من العرب الاستجابة لدعوته، وتحمّل أعباء رسالته، والقيام بالتكاليف التي أمر بها، لأنه منهم وفيهم، وحريص على اهتدائهم، ورؤف رحيم بهم.
٢- إن أعرض الناس عن دعوة النبي فهو يستنصر بالله المعين الكافي ويكتفي باللجوء إليه في الدعاء والعبادة والإعانة، والخضوع والتذلل، لأن الله رب العرش العظيم، والناس مقهورون تحت العرش بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
صفحة رقم 92
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يونس عليه السّلاممكية وهي مائة وتسع آيات.
تسميتها:
سميت «سورة يونس» لذكر قصة نبي الله يونس فيها، وهي قصة مثيرة، سواء بالنسبة لشخصه الذي تعرض لالتقام الحوت له، أو بالنسبة لما اختص به قومه من بين سائر الأمم، برفع الله العذاب عنهم حين آمنوا وتابوا بصدق.
موضوعها:
تتميز بالكلام عن الأهداف الكبرى لرسالة القرآن وهي إثبات التوحيد لله وهدم الشرك، وإثبات النبوة والبعث والمعاد، والدعوة للإيمان بالرسالات السماوية وخاتمتها القرآن العظيم، وهي موضوعات السور المكية عادة.
مناسبتها لما قبلها:
ختمت سورة التوبة السابقة بذكر صفات الرسول صلى الله عليه وسلّم، وبدئت هذه السورة بتبديد الشكوك والأوهام نحو إنزال الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلّم، للتبشير والإنذار، وكانت أغلبية آيات السورة المتقدمة في أحوال المنافقين وموقفهم من القرآن، وهذه في أحوال الكفار والمشركين وقولهم في القرآن. فالاتصال بالسورة المتقدمة واضح، فقد ذكرت أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلّم التي تستدعي الإيمان به، ثم صفحة رقم 93
ذكر هنا الكتاب الذي أنزل، والنبي الذي أرسل، وأن شأن الضالين التكذيب بالكتب الإلهية.
ويلاحظ أنه لا يشترط وجود تناسب واضح بين السور ولا بين الآيات في ضمن السورة الواحدة، فقد تتعدد الأغراض والانتقال من العقيدة إلى العبادة إلى الأخلاق والأمثال والقصص وأحكام السلوك والمعاملات، وذلك أسلوب خاص بالقرآن لاجتذاب الأنفس حين التلاوة والبعد عن السأم والملل، وقد أصبح هذا الأسلوب هو المرغوب فيه شعبيا كما يظهر في الإقبال على الروايات وأساليب العرض القصصي والتمثيليات، لشد انتباه المشاهدين والقارئين والسامعين، من خلال المفاجآت والاستطرادات وتحليل بعض القضايا الجانبية.
فقد يكون هناك تناسب بين السور، كسور الطواسين وحواميم وسورتي المرسلات والنبأ، وقد يوجد فاصل بينهما كسورتي الهمزة واللهب مع أن موضوعهما واحد.
ما اشتملت عليه السورة:
سورة يونس تتحدث عن الرسالات الإلهية، والألوهية وصفات الإله، والنبوة وقصص بعض الأنبياء، وموقف المشركين من القرآن، والبعث والمعاد.
١- بدأت السورة بتقرير سنة الله في خلقه بإرسال رسول لكل أمة، وختم الرسل بالنبي صلى الله عليه وسلّم، مما لا يستدعي عجب المشركين من بعثته: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [٢].
٢- ثم تحدثت عن إثبات وجود الإله من طريق آثاره في الكون: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. الآيات. ثم التذكير بمصير الخلائق إليه بالبعث والجزاء: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً.. وانقسام البشر إلى
مؤمنين وكفار وجزاء كل منهم. وإنذار الجاحدين بإهلاك الأمم الظالمة:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا...
٣- ثم أوضحت عقائد المشركين وذكرت خمس شبهات لمنكري النبوة والرسالة وناقشتهم نقاشا منطقيا مقنعا، وأثبتت أن القرآن كلام الله ومعجزة النبي الخالدة على مر الزمان: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وأقامت الدليل على كونه من عند الله بتحدي المشركين وهم أمراء البيان وأساطين الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بسورة من مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ... وذكرت موقف المشركين من القرآن: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ....
٤- ثم ذكرت آثار القدرة الإلهية الباهرة التي تدل على عظمة الله وضرورة الإيمان به، لأنه مصدر الحياة والرزق والنعم: قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟!.
٥- ثم تناولت بإيجاز للعبرة والعظة وتقرير صدق القرآن قصص بعض الأنبياء، كقصة نوح عليه السّلام في تذكير قومه، وقصة موسى عليه السّلام مع فرعون، واستعانة فرعون بالسحرة لإبطال دعوة موسى، وشأن موسى مع قومه، ودعائه على فرعون، ونجاة بني إسرائيل، وغرق فرعون في البحر، وقصة يونس عليه السّلام مع قومه، فصار المذكور في هذه السورة ثلاث قصص.
٦- ختمت السورة بما أشارت إليه في الآية [٥٧] : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهو اتباع رسالة القرآن وشريعة الله، لما فيها من خير وصلاح للإنسان: قُلْ: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ، وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي