قوله تعالى : قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ بِاليَومِ الآخِرِ - إلى قوله - عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، الآية :[ ٢٩ ] :
اعلم أن مطلق قوله : اقتُلُوا المُشرِكِينَ١ ، وقوله عليه الصلاة والسلام :
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله "، وقوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لاَ تَكُونَ فِتنةٌ ويَكُونَ الدّينُ كَلُّهُ للهِ٢ ، يدل كل ذلك على جواز قتل الكفار بأسرهم، ولو لم يكن إلا قوله تعالى : اقتلوا المشركين ، لكان اللفظ عاماً في حق أهل الكتاب وغيرهم.
وقد قال قائلون : إن عموم لفظ المشركين مقصور على عبدة الأوثان، فإن قوله تعالى فرق في اللفظ بين المشركين، وأهل الكتاب، والمجوس، بقوله : إن الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هَادُوا والصَّابِئِينَ والنّصَارَى والمَجُوسَ والّذِينَ أَشرَكُوا٣ ، فعطف المشركين على هذه الأصناف. وقال آخرون : لما كان معنى الشرك موجود في مقالات هؤلاء الفرق من النصارى المشركين بعبادة الله تعالى عبادة المسيح عليه السلام.
والمجوس أشركت من حيث جعلت لله تعالى نداً مغالباً، والصابئون هم عبدة الكواكب، فهم مشركون حقيقة، وقد انتظم اللفظ، فعلى هذا دل قوله " المشركون " على نفي أخذ الجزية من هؤلاء كلهم، العرب والعجم على ما يقوله الشافعي. ولأجل ذلك توقف عُمرُ في أخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل الكتاب تحقيقاً، فإنه سلب الكتاب منهم كما نُقل عن عليّ، وإن صح هذا النقل عن علي، فليسوا أهل الكتاب في الحال، وكون آبائهم من أهل الكتاب لا يقتضي أمراً في حقهم، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نقله الرواة عنه " سنوا بهم سنة أهل الكتاب٤ "، يدل على أنهم ليسوا أهل كتاب.
إذا تبين ذلك، فأخذ الجزية من أهل الكتاب بحكم تخصيص الشرع إياهم من بين المشركين، لا يدل على مثله في المجوس، إذ لا يتناولهم لفظ مطلق لفظ الكتاب٥، لقوله تعالى : إنّمَا أُنْزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبلِنَا٦ .
فإن قيل : فقوله تعالى : مِنَ الّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ٧ ، يقتضي جواز أخذ الجزية منهم، ولا دلالة للفظ في حق غيرهم، وقوله : اقتُلُوا المُشرِكِينَ ، إنما ورد في مشركي العرب فإنه مرتب على قوله تعالى : فإذَا انسَلَخَ الأشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المُشرِكِينَ ، وكذلك قوله : وَقَاتِلُوا المُشرِكِينَ كَافَةً كَمَا يُقاتِلُونَكُم كَافَةً٨ ، وليس فيه دلالة على منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العجم، والظاهر لا يقتضي في ذلك مشركي العجم منعاً ولا إثباتاً.
نعم، الظاهر يقتضي جواز أخذ الجزية من كافة أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً، وهذا هو الحق عندنا، وليس يظهر عن هذا السؤال جواب ؟
نعم يمكن أن يقال : إن الأصل ألا تقبل الجزية من الكفار إلا فيما خُصَّ٩، وذلك خروج عن موجب الظاهر ويتعلق بنوع آخر.
واعلم أن قوله تعالى : قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنونَ باللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ - إلى قوله في سياق الآية – مِنَ الّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ١٠ ، توهم قوم أنه منصرف إلى جميع الكفار وهم أصناف : فمنهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وليس ذلك صفة أهل الكتاب، فإنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر.
وقوله : وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ١١ : صفة غير أهل الكتاب وكثير من الأحكام.
وقوله : وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ١٢ هو وصف أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد.
وذكروا أن ظاهر هذا يقتضي أخذ الجزية من أصناف بالكفار، إلا ما قام دليل الإجماع في حق مشركي العرب، وهذا باطل، فإن الله تعالى قال : قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنونَ باللهِ ، فوصف الذين يقاتلون بأوصاف، فلتكن الأوصاف راجعة إلى الضمير المذكور أوّلاً، وقوله : وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ، وصف لهم، وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يرجع إليهم أيضا، وقوله : وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ، ينبغي أن يكون نَعتاً للذين، فإذا لم يقولوا ذلك فقد نعت قوماً بنعت، وذكر بعده نعتاً لا لمنعوت متقدم، وذلك يستحيل قطعاً.
فلا جرم رجع كل من يرجع إلى فهم، ونحصل إلى أن الآية نزلت في حق أهل الكتاب.
يبقى أن يقال : كيف وصفهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ؟
قيل، يحتمل أن يقال : إنهم بمنزلة الذين لا يؤمنون في باب الذم، ومثله في مَنْ يوالي الكفار من المؤمنين، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي.
ومعناه أنهم لو كانوا ينتفعون بالإيمان بالله، ما اتخذوهم أولياء.
وقد قيل : معناه أنهم لم يؤمنوا عن يقين ومعرفة، وقد قيل : لا يؤمنون بذلك على ما يؤمن به المؤمنون، وقد قيل : لم تكمل معرفتهم بالله تعالى.
قوله تعالى : حَتّى يُعطُوا الجِزْيَةَ : فالجزية عطية مخصوصة، قيل سميت جزية لأنها جزاء على الكفر، وقيل اشتقاقها من الأجزاء بمعنى الكفاية، أي أنها تكفي من يوضع ذلك فيه من المسلمين، وتجزى عن الكافر في عصمته.
قوله تعالى : وهُمْ صَاغِرُونَ : الصغار هو النكال، وصف بذلك لأنه يصغر صاحبه، بأن يدفعوها عن قيام، والآخذ لها قاعد، ويعطيها بيده مشياً إلى الوالي الطالب.
وفائدة هذين الشرطين الفرق بين ما يوجد منهم مع كفرهم، وبين ما يوجد من المسلمين من الزكاة، فكما يقترن بالزكاة المدح والإعظام والدعاء له، فيقترن بالجزية الذل والذم، ومتى أخذت على هذا الوجه، كان أقرب إلى ألا يثبتوا على الكفر لما يتداخلهم من الأنفة والعار، وما كان أقرب إلى الإقلاع عن الكفر فهو أصلح في الحكمة، وأولى بوضع الشرع.
وعلى هذا، إذا قال القائل : كيف يجوز العدول عن استئصال الكفار وتطهير الأرض منهم إلى تعزيزهم في ديارنا ونصرتهم بأنفسنا وأموالنا مع عظيم كفرهم، ومع قوله تعالى : تَكَادُ السّمَواتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ١٣ ، ثم يعصم ماله بقدر يسير، وهل هذا إلاّ كالرضا بكفرهم، وتمهيد أسبابه لهم.
فيقال في إبطال ذلك : إن قتل الكافر مؤيس من التوبة، وإذا ترك بشريطة الجزية فيلحقه من الذل ما يضجره ويحمله على الإسلام، هذا مع نفع يعود إلى١٤ المسلمين، ومع مخالطة الكافر للمسلمين الداعية له إلى تدبر أدلة الإسلام، وهذا المعنى لا فرق فيه بين طائفة وطائفة، إلا أنه يمكن أن يقال : إن قتل من لا كتاب له أقرب إلى تعظيم أمر الدين، ولأن أهل الكتاب أقرب إلى تدبر معاني الكتاب لتقارب ما بين الأديان وتشاهدها على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، فيجوز أن يكون الإصحاب بالجزية أقرب إلى إيمان أهل الكتاب منه إلى غير أهل الكتاب.
وقوله تعالى : تَكَادُ السّمواتُ يَتَفَطّرْنَ مِنهُ : تعظيم فيما يتعلق بالآخرة، ورجوع وبال كفره عليه في الميعاد، ومع هذا فيمهل الشرع أسباباً هي داعية إلى صلاح حاله في ماله.
وليس لقائل أن يقول : وإذا كان ذلك كذلك فلم يرزقون ويحسن إليهم،
لأن نعمة الله تعالى لا تنافي استعظامه للكفر، فكذلك إقرارهم على المقام في بلادنا بأخذ الجزية لا تنافي استعظام كفره.
وإذا تقرر ذلك أمكن أن يقال : الجزية عقوبة ليحصل بها زجره عن كفره، والعقوبة منقسمة إلى ما يكون زجراً لمصلحة المعاقب، وإلى ما يكون جزاء.
فأما الجزاء فلم يشرع لمصلحة المعاقب، فعلى هذا لا نقول : يجب على الكفار الجزية متى اقتضت عصمة، فكأنها دفع القتل عنه ليتدبر قبح القبح فيسلم، فجرى مجرى العبادات، وما يجب فعله لا يعد من العقوبات.
فإن قيل : إنما يجب عليهم ما يحسن لا ما يقبح ويحرم، فكيف يحسن منه دفع الجزية، ومن الإمام أخذها، وإذا أخذناها منه على طريق عصمة دمه، فقد رضينا بمقامه على كفره، وهم متى أرادوا دفع الجزية فقد أرادوا مقامهم على الكفر، وذلك يوجب قبح الدفع والأخذ، ولو كانوا بالجزية حاقنين دماءهم كما بالإسلام، كانوا مخيرين بينهما، فلا يمكن أن يقال : إن الجزية واجبة تحقيقاً، ولكن يقال إن الجزية إضجار ومعاقبة ليرجع عن كفره ؟
ويجاب عن هذا بأن يقال : بأن الذي في الكافر من كفره، يقتضي إباحة دمه، لكن حرمة الكتاب تقتضي استبقاءه لما في استبقائه من توقع إسلامه، ولولا ذلك لكان القتل أولى به، وإذا كان كذلك فقد دفع الكافر إلى القتل، أو دفع الجزية، وفي دفعها إزالة القتل، فواجب عليه أن يفعل ذلك لإزالة الضرر العظيم.
فإن قيل : إن القتل امتنع ببذل الجزية لما في أخذ الجزية من توقع إسلامه، والمقصود ذلك، فيلزم على مساقه أن يكون ذلك محتوماً، ويجب علينا أخذ الجزية منه، ويمتنع قتله. والجواب : أن الكافر إذا لم يعرف حُسنَ الإسلام، فقد دفعه الشرع إلى أحد أمرين : إما القتل، وإما الجزية، وهو يعلم أن الجزية أهون عليه من القتل، وفي الجزية حقن الدم، فيحسن بقضية العقل والشرائع كلها دفع الجزية، تحقيقاً لمقصود دفع شر القتل، ووجب بحكم شرعنا الجزية عليه، لما فيه من حسن توقع إسلامه، ودفع قتل يعجله إلى النار، ففي ذلك مصلحة للكافر بحكم دينه الذي هو عليه عند جهله بحسن الإسلام، وبحكم ديننا الذي به عرفنا حسن الإسلام، وتوقعه منه ببذل الجزية، إلا أنه إذا امتنع فلا يمكن تقريره في ديارنا على كره منه، لما فيه من غائلة هربه وترصده لأذية المسلمين، فوجب قتله لدفع الضرر، أما إذا توطن وتأهل وطلب منا الذمة اندفعت غائلته، فحسن بذل الجزية لهذا المعنى.
ومعلوم أن من أكره على دفع ماله بالقتل، وجب عليه دفع ماله لدفع شر القتل عن نفسه، فعلى هذا يجب على الذمي بذل الجزية لدفع شر القتل عن نفسه، ويحسن من المسلمين أخذها منهم، لما يتوقع في ذلك من إسلامه.
وقد قيل : يحسن أخذ الجزية في مقابلة مساكنتهم لنا وذبنا١٥ عنهم، فالكافر ليس يبذل على هذا القصد، ولكن يبذلها لدفع القتل، ووجه الوجوب عليه هذا : فأما المسلم، فإنما يأخذها لحق المساكنة، ولأجل ذبنا عنهم، فقيل لهم : فإذا وجبت الجزية عليهم لهذا المعنى، فلا بد أن يكون الحقن مقصوداً، وإنما يكون الحقن مقصوداً، وتقريرهم في ديارنا مقصوداً معنياً، إذا كان البقاء على الكفر مراداً، فإن من ضرورة تقرير الكافر في ديارنا والتزام الذب عنه، الرضا بفعله، وإرادة الكفر منه، فلا بد أن تكون الجزية عقوبة وزجراً عن الكفر، حتى تكون إرادة الزاجر كراهة المزجور عنه. فأما إذا كانت الجزية عرضاً عن المساكنة أو عن الذب، كان الذب مقصوداً، ووجوب تعظيمه وصيانته والذب عنه، يقتضي إرادة الكفر لا محالة. وإن جعلت الجزية لدفع القتل، فدفع القتل واجب، كما أن الإسلام وجب لدفع العقاب، ودفع العقاب واجب، فإذا يجب أن يكون مخيراً بين الإسلام الذي يدفع به العقاب، وبين الجزية التي يدفع بها القتل، فعلى هذا يمكن أن يكون اختيار من اختار، كون الجزية في مقابلة الذب والساكنة ضعيفاً، وإنما المعتمد كون الجزية دافعة للقتل في حق الكافر، ونحن نأخذها لمنفعة المسلمين، وغر
٢ - سورة الأنفال، آية ٣٩..
٣ - سورة الحج، آية ١٧..
٤ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه..
٥ - كذا بالأصل، ولعلها: إذ لا يتناولهم لفظ مطلق أهل الكتاب..
٦ - سورة الأنعام، آية ١٥٦..
٧ - سورة التوبة، آية ٢٩..
٨ - سورة التوبة، آية ٣٦..
٩ - وردت "اختص" في نسخة أخرى..
١٠ - سورة التوبة، آية ٢٩..
١١ - سورة التوبة، آية ٢٩..
١٢ - سورة التوبة، آية ٢٩..
١٣ - سورة مريم، آية ٩٠.
١٤ - وردت ـ على ـ في إحدى النسخ..
١٥ - ذنبنا عنهم: دفاعنا عنهم..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي