ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

وجرش (١) وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون" (٢)، وقال الضحاك وقضادة: "أغناهم الله عما خافوا من العيلة بالجزية" (٣)، وقوله تعالى: إِنْ شَاءَ قال أهل المعاني: "شرط المشيئة في الغنى (٤) لأنه علم أن فيهم من لا يبلغ هذا الغنى (٥) الموعود، وقيل لتنقطع الآمال إلى الله -عز وجل- كما قال: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧].
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قال ابن عباس: "عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين" (٦).
٢٩ - وقوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، قال مجاهد: "نزلت حين أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحرب الروم فغزا (٧) بعد نزولها غزوة تبوك" (٨)، وقال الكلبي: "نزلت في قريظة والنضير من اليهود وأراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتالهم

(١) جرش: مدينة في اليمن وفي الأردن، انظر: "معجم البلدان" ٢/ ١٢٧، والمراد بها هنا التي باليمن؛ لأن أهلها أسلموا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما بلاد الأردن والشام فلم تفتح إلا في عهد أبي بكر وعمر.
(٢) ذكره عنه الثعلبي ٦/ ٩٢ ب، وهو في "تفسير مقاتل" ١٢٨ أبلفظ: "فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون فأسلم أهل نجد وجرش وأهل صنعاء فحملوا الطعام".
(٣) رواه عنهما ابن جرير ١٠/ ١٠٧ - ١٠٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٧.
(٤) في (ى): (المعنى).
(٥) في (ج): (المعنى).
(٦) ذكره ابن الجوزي في"زاد المسير" ٣/ ٤١٨، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٨٨.
(٧) في (ى): (فغزوا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لأنه أسد في انتظام الكلام، ولموافقته لما في تفسير الثعلبي.
(٨) رواه الثعلبي ٦/ ٩٢ ب وهو كذلك في تفسير مجاهد ص ٣٦٧.

صفحة رقم 357

فصالحوه، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين" (١).
وإذا كانت الآية نازلة فيهم فمعنى قوله: لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أن إقرارهم عن غير معرفة فليس بإيمان، وهذا معنى قول أبي إسحاق: "إنهم لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، فأعلم الله -عز وجل- أن ذلك غير إيمان، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة الإيمان لأنهم لا (٢) يقرون بأن (٣) أهل الجنة يأكلون ويشربون (٤) " (٥).
وقوله تعالى: وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قال ابن عباس: "يريد من الميتة والدم ولحم الخنزير" (٦)، وقال الكلبي: "يعني الخمر" (٧)، وقوله تعالى: وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، قال الكلبي: "ولا يعبدون عبادة الحق" (٨)، والحق هو الله تعالى، وروى شيبان (٩) عن قتادة: الحق هو الله

(١) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٢ ب.
(٢) (لا) ساقطة من (ح).
(٣) في (ى): (أن)، وما أثبته موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".
(٤) قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣٨٢: "لما كفروا بمحمد - ﷺ - لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد الرسل، ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد - ﷺ -؛لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه"ا. هـ.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٤١، وقد اختصر المؤلف كلام الزجاج.
(٦) لم أقف على مصدره.
(٧) لم أقف على مصدره، وقد رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٨، عن سعيد بن جبير.
(٨) في "تنوير المقباس" عنه عن ابن عباس ص ١٩١: ("لا يخضعون لله بالتوحيد").
(٩) هو: شيبان بن عبد الرحمن التيمي مولاهم، أبو معاوية البصري، المؤدب، كان =

صفحة رقم 358

ودينه الإسلام، قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩]: (١) [وقال أبو عبيدة: معناه] (٢) ولا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكًا أو ذا سلطان فقد دان له، ومنه قول زهير (٣):

لئن حللت (٤) بجوٍ في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك (٥)
أي في طاعة عمرو، وطى هذا التقدير: لا يدينون دين أهل الحق، أي طاعة أهل الإسلام فحذف المضاف، وقوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، قال ابن عباس: "يريد من اليهود والنصارى والصابئين" (٦)،
= معلمًا صدوقًا ثقة صاحب كتاب، روى عن قتادة والحسن البصري وغيرهما، وتوفي سنة ٦٤١ هـ. انظر: "الكاشف" ١/ ٤٩١، و"تقريب التهذيب" ص ٣٦٩ (٢٨٣٣)، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٧٥.
(١) انظر قول قتادة في تفسير الثعلبي ٦/ ٩٣ أ، والبغوي ٤/ ٣٤.
(٢) ما بين المعقوفين من (م).
(٣) البيت في "شرح ديوانه" ص ١٨٣، و"تفسير ابن جرير" ١٠/ ١٠٩.
و"جو": موضع في ديار بني أسد، و"عمرو": هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، و"فدك": قرية معروفة شمال الحجاز.
والشاعر يخاطب الحارث بن ورقاء الأسدي، الذي أغار على إبل زهير، وأسر راعيه وكانت بنو أسد تحت نفوذ عمرو بن هند ملك العراق، فهدد زهير الحارث بهجاء لاذع إن لم يرد الإبل والراعي، يقول بعد البيت المذكور:
ليأتينك مني منطق قذع باق، كما دنس القبطية الودك
انظر: "شرح الديوان" ص ١٦٤، ١٨٣.
(٤) (حللت) ساقط من (ى).
(٥) اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٥٥.
(٦) "تنوير المقباس" ص١٩١، دون ذكر الصابئين، وقد اختلف المؤرخون والمفسرون في حقيقة دين الصابئة، والصححيح أن هذا الاسم يطلق على فرقتين:
الأولى: الصابئة الحرانية، وهؤلاء هم امتداد قوم إبراهيم -عليه السلام-، ويذكر الدكتور =

صفحة رقم 359

وقوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، قال الحسن: "قاتل رسول الله، - ﷺ - أهل هذه (١) الجزيرة من العرب على الإسلام ولم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة (٢) -يعني الجزية- في شأن أهل الكتاب وهو قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ إلى قوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (٣).
والجزية هي (٤): ما يعطي المعاهد على عهده، وهي (فِعْلة) من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، وقوله: عَنْ يَدٍ، قال ابن عباس: "هو أنهم

= النشار نقلاً -عن البيروني- أن هؤلاء الوثنيين عباد الكواكب إنما تسموا باسم الصابئة أيام المأمون بفتوى شيخ فقيه من أهل حران حتى ينجوا من القتل أو إلزامهم بالإسلام.
الثانية: الصابئة على وجه الحقيقة، وهؤلاء قوم من اليهود تخلفوا ببابل بعد عودة قومهم إلى فلسطين، ووضعوا مذهبًا ممتزجًا من اليهودية والمجوسية، ويتجهون في صلاتهم نحو القطب الشمالي ولا يزال لهم وجود في العراق.
انظر: "المصنف" للصنعاني ٦/ ١٢٤، و"الملل والنحل" للشهرستاني (الهامش في) ٢/ ٩٥، و"المغني" ١٣/ ٢٠٣، و"تفسير الرازي" ١٦/ ٣١، و"نشأة الفكر الفلسفي" د. النشار ١/ ٢٠٩ - ٢١٩.
(١) ساقط من (ي).
(٢) هذا يوحي بأن جهاد أهل الكتاب من أجل الجزية، والواقع أن الهدف من القتال نشر نور الله في الآفاق، والقضاء على الحواجز التي تحول دون إبلاغ الناس كلام الله، والجزية ضريبة على المعاهد الذي رغب البقاء على دينه، وهي في مقابل حمايته والدفاع عنه، وتأمين الأمن له في ظل الدولة الإسلامية.
(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٩٣ ب، لكنه لم يقل: يعني الجزية ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤١٢ لكن لفظهما "على هذه الأمة" بدل "على هذه الطعمة" وبه يزول الإشكال.
(٤) ساقط من (ى).

صفحة رقم 360

يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها" (١).
وهو قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ أي: ذليلون مقهورون يتلتلون بها تلتلة (٢)، يريد أنهم يُجرّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه (٣) بالعنف حتى يؤدوها من يدهم، وروى يحيى بن آدم (٤) عن عثمان البُري (٥) في قوله: عَنْ يَدٍ قال: "نقد (٦) ليس بنسيئة" (٧).

(١) رواه الثعلبي ٦/ ٩٤ ب، ورواه مختصرًا البغوي ٤/ ٣٣، وأشار إليه ابن جرير ١٠/ ١١٠ بقوله: وذلك قول روي عن ابن عباس من وجه فيه نظر.
(٢) في (ى): (ثلثله)، والتلتله: الشدة والعنف في السوق، انظر: "لسان العرب" (تلل) ١/ ٤٤٢.
(٣) (فيه) ساقط من (ى).
(٤) هو: يحيى بن آدم بن سليمان، أبو زكريا الأموي مولاهم الكوفي، العلامة الحافظ المجود، كان ثقة، كثير الحديث، من كبار أئمة الاجتهاد، توفي سنة ٢٠٣ هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" ٨/ ٢٦١، و"تذكرة الحفاظ" ١/ ٣٥٩، و"سير أعلام النبلاء" ٩/ ٥٢٢، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٣٣٧.
(٥) هو: عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي مولاهم البصري أحد فقهاء البصرة المفتين، على ضعف في حديثه وبدعة فيه، وقد تركه النسائي والقطان وابن معين وغيرهم. انظر: "التاريخ" ٦/ ٢٥٢، وكتاب "الضعفاء الصغير" ص ١٦٤، و"سير أعلام النبلاء" ٧/ ٣٢٥، و"ميزان الاعتدال" ٣/ ٤٥٣.
ملحوظة: عثمان المذكور روى له الترمذي (١٩٤١)، كتاب: البر، باب: ما جاء في الخيانة والغش حديثًا من طريق زيد بن الحباب عن أبي سلمة الكندي عن فرقد. وقد اعتبر ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص ٦٤٦ (٨١٤٦) أبا سلمة مجهولاً، والصحيح أنه هو عثمان البري. انظر: السير، الموضع السابق.
(٦) هكذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة": نقدًا. ومراد المؤلف: عن نقد، كما في "معالم التنزيل" ٤/ ٣٣.
(٧) "تهذيب اللغة" (يدى) ٤/ ٣٩٧٥، ولفظه: قال: نقدًا عن ظهر يد، ليس بنسيئة.

صفحة رقم 361

وذكر أهل المعاني في قوله: عَنْ يَدٍ أقوالاً:- روى أبو عبيد عن أبي عبيدة قال: "كل من انطاع (١) لمن قهره فأعطى عن غير طيبة نفس فقد أعطى عن يد" (٢)، ومعنى هذا أنه أعطى عن ذل واستسلام كما يقال: أعطى فلان بيده: إذا ذل واعترف بالانقياد، ودل على هذا قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ، قال القتيبي: "يقال أعطاه عن يد، وعن ظهر يد: إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافيء" (٣)، وهذا بالعكس أولى؛ فإنهم يبذلون الجزية دفعًا عن رقابهم ومكافأة للمسلمين بإقرارهم على دينهم، ولكن المعنى ههنا "عن يد" أي عن غير مكافأة [منكم إياهم] (٤) بما أعطوا من المال (٥)، وذكر أبو إسحاق فيه أوجهًا (٦):
أحدها (٧): عَنْ يَدٍ أي عن ذلٍ واعترافٍ للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم.
والثاني: عَنْ يَدٍ عن قهر وذلٍ، كما تقول اليد في هذا لفلان أي: الأمر النافذ لفلان (٨).

(١) في (م): (أطاع).
(٢) اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٥٦.
(٣) اهـ. كلام القتيبي، انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ١٨٤.
(٤) في (ح): (ومنكم أتاهم)، وهو خطأ.
(٥) ابن قتيبة ينفي مكافأة أهل الذمة للمسلمين، بل يدفعون الجزية بلا مقابل، والمؤلف ينفي مكافأة المسلمين لهم، فهم إذا دفعوا الجزية لا يرد المسلمون مكافأة لها.
(٦) في (ي): (وجهًا).
(٧) في (ى): (آخر).
(٨) ساقط من (ى).

صفحة رقم 362

والثالث: عَنْ يَدٍ أي: عن إنعام عليهم بذاك؛ لأن قبول الجزية منهم (١) وترك أنفسهم لهم نعمة عليهم ويد من المعروف جزيلة (٢) " (٣).
وحكى غيره: عَنْ يَدٍ أي: عن جماعة، لا يعفى عن ذي فضل منهم لفضله" واليد: جماعة القوم، يقال: القوم على يد واحدة أي هم مجتمعون (٤)، ومنه قوله - ﷺ - (٥) "وهم يد على من سواهم" (٦) يعني هم جميعاً، كلمتهم ونصرتهم واحدة على جميع الملل، وقال أبو علي: "ويجوز عَنْ يَدٍ: عن ظهور عليهم وغلبة لهم من قولهم: لا يد لي (٧) به أي لا قوة لي عليه" (٨).
وقوله تعالى: وَهُمْ صَاغِرُونَ قد ذكرنا قولًا واحداً فيه عن ابن عباس، وهو أنهم يمشون بها من غير ركوب ولا توكيل (٩)، وقال عطاء: "يريد ذليلًا قائمًا على رجليه وهو صاغر" (١٠)، يعني أنه يعطي ذلك عن قيام

(١) في (ى): (منكم).
(٢) ساقط من (ح).
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٤٢ بنحوه، والنص منقول من "تهذيب اللغة" (يدي) ١٤/ ٢٤٠.
(٤) في "لسان العرب" (يدي) ٨/ ٤٩٥٤: "يد الرجل: جماعة قومه وأنصاره، عن ابن الأعرابي".
(٥) من (م) وفي سائر النسخ: عليه السلام.
(٦) رواه ابن ماجه (١٦٨٣)، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأحمد في "المسند" ٢/ ٢١٥، وسنده حسن كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (٦٧١٢) ٢/ ١١٣٧.
(٧) في (ى): (له).
(٨) لم أجده فيما بين يدي من كتب أبي علي الفارسي.
(٩) تقدم تخريجه.
(١٠) لم أجد من ذكره.

صفحة رقم 363

ولا يجلس، وهذا قول عكرمة (١)، وقال الكلبي: "هو أنه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه" (٢)، وقيل: معنى الصغار ههنا: "هو إعطاؤهم إياها" (٣).
فأما حكم هذه الآية: فاعلم أن المشركين فريقان: فريق هم عبدة الأوثان، وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون (٤) والسامرة (٥) وهذان الصنفان (٦) سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وكذلك المجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٧)، ويروى أنه

(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٠٩، والبغوي ٤/ ٣٣.
(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٤ أ، والبغوي ٤/ ٣٣.
(٣) ذكر هذا القول من غير نسبة ابن جرير ١٠/ ١٠٩، والثعلبي ٦/ ٩٤ أ، والبغوي ٤/ ٣٤، والماوردي ٢/ ٣٥٢، وابن الجوزي ٣/ ٤٢١.
(٤) سبق التعريف بهم.
(٥) السامرة: فرقة من اليهود لهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود وينكرون نبوة من عدا موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام والنبي المنتظر، وقبلتهم جبل بنابلس، ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس، وهم فرقتان: الدوستانية الألفانية، والكوسانية، والأولى لا تقر بالبعث في الآخرة.
انظر: "الفصل في الملل والأهواء والنحل" ١/ ٩٨، و"الملل والنحل" (بهامش الفصل) ٢/ ٥٨.
(٦) يعني الصابئين والسامرة.
(٧) رواه مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة (٤٢) ١/ ٢٣٣، ومن طريقه رواه الشافعي في "الأم" ٤/ ٢٤٦، والبيهقي في "السنن الصغير"، كتاب الجزية رقم (٣٧٠٣) ٤/ ٤، و"الكبرى"، كتاب الجزية، باب المجوس ٩/ ٣١٩، وابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الجهاد، باب ما قالوا في المجوس رقم (١٢٦٩٧) ١٢/ ٢٤٣، وهو حديث ضعيف كما في "فتح الباري" ٦/ ٢٦١، و"إرواء الغليل" رقم (١٢٤٨) ٥/ ٨٨.

صفحة رقم 364

عليه الصلاة والسلام أخذ الجزية من مجوس هجر (١)، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية، ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية.
وأما قدرها فقال أنس: "قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على كل محتلم دينارًا" (٢)، وقسم عمر -رضي الله عنه- على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشر درهمًا، وعلى الأوساط (٣) أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهما (٤)، قال أصحابنا: "وأقل الجزية دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي (٥)، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير، والاختيار في الابتداء إليهم، فإذا قبلوا وجب

(١) رواه البخاري (٣١٥٧)، كتاب الجزية، باب: الجزية والموادعة (١٥٨٦)، وأبو داود، (٢٥٠١) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس، والدارمي، كتاب الجهاد، باب في أخذ الجزية من المجوس، رقم (٢٥٠١) ٢/ ٣٠٧، وأحمد في "المسند" ١/ ١٩١.
(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٣ ب مع أثر عمر الذي بعده، بغير سند، والحديث مشهور عن معاذ، فقد رواه عنه أبو داود (١٥٧٦)، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والترمذي (٦٢٣)، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر ٥/ ٢٥، والحاكم ١/ ٣٩٨ قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٣) في (ح): (الأوسط).
(٤) رواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (ص ٥٠)، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الجهاد، باب ما قالوا في وضع الجزية رقم (١٢٦٨٩) ١٢/ ٢٤١ بنحوه عن محمد ابن عبد الله الثقفي.
(٥) هذا مذهب الشافعي -رحمه الله- انظر: "الأم" ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٦، وفي المسألة أقوال للفقهاء انظرها في كتاب "الأموال" لأبي عبيد ص ٤٩ - ٥٢، و"المغني" ١٣/ ٢٠٩ - ٢١٢.

صفحة رقم 365

على الإمام تقريرهم في بلاد الإسلام، إلا أن يخاف فتنة، فالمصلحة مفوضة إلى اجتهاده، فإن قبل الواحد منهم أربعة دنانير ثم بدا له وأراد أن يقر في بلاد الإسلام بدينار واحد لم يكن له إلى ذلك سبيل، فإن نقض العهد كلفناه (١) الخروج إلى دار الحرب، فإن قبل بعد النقض دينارا واحدا لزمنا (٢) تقريره (٣)، قال المفسرون: "وإنما أقر هؤلاء على دينهم بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل؛ ولأن في أيديهم كتابهم فربما يتفكرون وينظرون فيعرفون صدق محمد - ﷺ - ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى" (٤).
ومصرف الجزية مصرف الفيء ولا يجوز صرف شيء منها إلى مصرف الصدقات (٥).

(١) في (ح): (كلفنا).
(٢) في (ى): (ألزمناه).
(٣) انظر: كتاب "الأم" ٤/ ٢٦٧، وهذا بناء على أن الاختيار في الابتداء إليهم، وناقض العهد يعتبر مبتدئًا.
(٤) انظر: "لباب التأويل في معاني التنزيل" ٢/ ٢١٥، و"تفسير الرازي" ١٦/ ٣٢.
(٥) قال أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩: "اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- فيما يحصل من مال الفيء بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال في أحد القولين: يصرف في المصالح؛ لأنه مال راتب لرسول الله - ﷺ - فصرف بعد موته في المصالح كخمس الخمس، فعلى هذا يبدأ بالأهم، وهو سد الثغور، وأرزاق المقاتلة، ثم الأهم فالأهم، وقال في القول الثاني: هو للمقاتلة... ولا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأن الفيء للمجاهدين".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق العلماء على أن يصرف منه -يعني الفيء- أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار، فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به =

صفحة رقم 366

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية