قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر قال : مجاهد نزلت هذه الآية حين امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، فغزا بعد نزولها عزوة تبوك. فإن قيل : أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر ؟ أجيب : بأنهم لا يؤمنون على ما ينبغي فإنهم إذا قالوا : عزير بن الله والمسيح ابن الله لم يكن إيمانهم بالله على حقيقته ولم يعتقدوا كونه أحدا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وإذا قالوا : لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودات، واختلفوا في نعيم الجنة أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره وفي دوامة انقطاعه وقال بعضهم لا أكل فيها ولا شرب لم يكن إيمانهم بالآخرة على حقيقته فإيمانهم كلا إيمان ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله أي : ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنة. وقيل المراد برسوله الذي يزعمون إتباعه والمعنى أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا فإن موسى وعيسى أمر بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يدينون دين الحق أي : لايدينون الدين الحق أضاف الاسم إلى الصفة وقال قتادة الحق هو الله أي : لا يدينون دين الله فإن الدين عند الله الإسلام، وقيل : الحق الإسلام والمعنى دين، الإسلام وقال أبو عبيدة معناه لا يطيعون الله طاعة أهل الحق من الذين أوتوا الكتاب بيان للذين لا يؤمنون يعني اليهود والنصارى حتى يعطوا الجزية وهي في اللغة الجزاء وإنما بنيت على فعله للدلالة على الهيئة وهي هيئة الإذلال عند العطاء على ما ستعرف، والمراد به الخراج المضروب على رقابهم وقيل : هي مشتق من جزى دينه إذا قضاه عن يد حال من الضمير أي : عن يد مواتية غير ممتنعة يعني منقادين أو عن يد من يعطي خراجه يعني مسلمين بأيدهم غير باعثين بأيدي غيرهم كذا قال : ابن عباس.
ولذلك يمنع من التوكيل في أداء الجزية أو المعنى عن قهر وذل، قال : أبو عبيدة يقال لكل من أعطى شيئا من غير طيب نفس أعطاه من يد وقيل : معنى عن يد نقدا لا نسيئة وقيل : عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم عوضا عن القتل وهم صاغرون أذلة مقهورون، قال : عكرمة : يعطون الجزية قياما والقابض جالس، وعن ابن عباس قال : يؤخذ ويوطأ عنقه وقال الكلبي : إذا أعطى صفح في قفاه، وقيل : يليب ويجر إلى موضع لإعطاء بعنف وقيل : إعطائه بعنف وقيل : إعطائه إياه وهو الصغار، وقال الشافعي : الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم ظاهر هذه الآية يقتضي ان انتهاء القتال بإعطاء الجزية مختص بأهل الكتاب ولأجل هذه لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمان بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ١ رواه البخاري في " صحيحه " من حديث بجالة بن عبدة واختلف كلام الشافعي في بجالة فقال : في الحدود مجهول وقال في الجزية حديث ثابت ولأجل هذا الحديث انعقد الإجماع جواز أخذ الجزية من المجوس.
مسألة
اختلف العلماء في باب الجزية ؟ فقال : أبو حنيفة : تؤخذ من أهل الكتاب على العموم عربيا كان أو أعجميا ومن مشركي العجم على العموم مجوسيا كان أو وثنيا إلا المرتدين، وقال أبو يوسف : يؤخذ من أهل العجم دون أهل العرب كتابيا كان أو مشركا، وقال مالك و الأوزاعي يؤخذ من كل كافر عربيا كان أو أعجميا إلا مشركي قريش خاصة والمرتدين وذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الإنسان فيؤخذ من أهل الكتاب عربا وعجما ولا يؤخذ من أهل الأوثان بحال، وأما المجوس فهم عنده أهل كتاب، لما روى مالك في الموطأ والشافعي في الأم عنه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عمر قال : ما أدري ما أصنع في أمرهم يعني المجوس فقال : له عبد الرحمان بن عوف أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ٢
وقال الشافعي ثنا سفيان عن سعيد بن المرزبان عن نصر بن عاصم قال : قال : فروة بن نوفل على ما يؤخذ الجزية من المجوس فليسوا بأهل كتاب، فقام إليه المستور فأخذ بلبته وقال باعد والله أتطعن أباب بكر وعمر وأمير المؤمنين يعني عليا وقد أخذوا منهم الجزية فذهب إلى القصر، فخرج عليهم علي فقال : ائته أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أمه فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم فدعى أهل مملكته فقال تعلمون دينا خيرا من دين آدم قد كان آدم ينكح بنيه ببناته فأنا على دين آدم وما يرغب بكم عن دينه فبايعوه وقاتلوا الذين خالفوهم قتلوهم فأصبحوا وقد أسرى علمائهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر منهم الجزية ذكر الحديث ابن الجوزي في التحقيق وقال : سعيد بن مرزبان مخروج قال : يحى بن سعيد لا استحل أن يروى عنه، وقال يحيى ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال القلاس متروك الحديث، وقال أبو أسامة كان ثقة، وقال أبو ذرعة صدوق مدلس، قلت : وذكر أبو يوسف في كتاب الخراج قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن نضر بن عاصم الليثي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر أخذوا الجزية من المجوس وقال : أنا أعلم الناس بهم، وكانوا أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه فنزع من صدورهم، وقال : أبو يوسف وحدثنا نصر بن خليفة ان فروة بن نوفل الأشجعي قال : إن هذا المر عظيم يؤخذ من المجوس الخراج وليسوا بأهل الكتاب، قال : فقام إليه مستورد بن الأحنف قال : طعنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتب وإلا قتلتك وقال : قد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوس أهل هجر الخراج، قال : فارتفعا إلى علي رضي الله عنه فقال أن أحدثكما بحديث ترضيانه جميعا عن المجوس ان المجوس كانوا لهم كتاب يقرؤونه وان ملكا شرب حتى سكر فأخذ بيد أخته فأخرجها من القرية واتبعه رهط فوقع عليها وهم ينظرون إليه، فلما أفاق من سكره قالت له أخته : إنك صنعت كذا وفلان وفلان وفلان وفلان ينظرون إليك فقال : ما علمت ذلك، قالت : إنك مقتول إلا أن تطيعني قال : فإني أطيعك قالت : فاجعل هذا دينا وقل هذا دين آدم وقل حواء من آدم وادع الناس إليه واعرضهم على السيف فمن بايعك فدعه فمن أبى فاقتله ففعل فلم يتبعه أحد فقتلهم يومئذ حتى الليل، فقالت له : إني أرى الناس قد اجترؤوا على السيف وهم على النار لكع فأوقد لهم نارا ثم أعرضهم علينا ففعل وهاب الناس من النار فبايعوه قال : علي رضي الله عنه فأخذ سول الله صلى الله عليه وسلم الخراج لأجل كتابهم وحرم مناكحهم وذبائحهم لشركهم.
وروى ابن الجوزي في التحقيق أن ابن عباس قال : إن أهل فارس لما مات نبيهم كتب لهم إبليس المجوسية، والجواب : أن قوله صلى الله عليه وسلم :" سنوا بهم سنة أهل الكتاب " لا يدل على كونهم من أهل الكتاب ولا على ان يفعل بهم كل ما يفعل بأهل الكتاب بل يدل على جواز أخذ الجزية منهم للإرجاع على انه لا يجوز مناكحة نسائهم ولا أكل ذبائحهم، وما ذكر من حديث على حجة لنا لا علينا لنهم وإن كان أسلافهم أهل كتاب يدرسونه لكنهم منذ تركوا ذلك الدين والعمل بالكتاب ورفع العلم منهم وكتب لهم إبليس المجوسية لم يبقوا أهل كتاب، ومن ههنا اتفق العلماء على ان المجوس ليسوا بأهل كتاب إلا في قول للشافعي وفي قول هو مع الجمهور إنهم ليسوا بأهل كتاب قلت : ولو كفى كون أسلافهم من أهل الكتاب لكان عبدة الأوثان من أهل الهند أولى بهذا الاسم فإنهم يقرؤون الكتاب ويدرسونه ويسمونه بيد وهي أربعة أجزاء ويزعمونه من عند الله تعالى ويوافق أصولهم في كثير من الأمور بأصول الشرع وما يخالف الشرع فذلك من اختلاطات الشيطان كما تفرق فرق الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة بتخليطه الشيطان ودعوتهم هذا مؤيد من الشرع حيث قال : الله تعالى وإن من امة إلا خلا فيها نذير ٣ فهم أولى من المجوس في كونهم أهل كتاب لأن ملك المجوس لما سكر وزنا بأخته ترك دينه وكتابه دينه وكتابه وادعى دين آدم وهؤلاء الكفار لم يفعلوا ذلك إلا أنهم كفروا بتركهم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر لي أن في الجزء الرابع من بيد بشارة يبعثه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم حتى أسلم بعض من قرأ الجزء والله أعلم. وقد يحتج للشافعي على ان الوثني لا يؤخذ منهم الجزية بان القتال واجب بقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ٤ إلا أنا عرفنا جواز تركه حق أهل الكتاب بالكتاب وفي حق المجوس بالخبر، يعني أنه صلى الله عليه وسلم أخذنا من مجوس الهجر فبقي من ورائهم على الأصل قلنا تعالى : أنفسكم المشركين خص منه المجوس بالإجماع فجاز تخصيصه بالمعنى وبالحديث، أما المعنى فإن عبدة الأوثان في معنى المجوس فإنهم مشركون كهيئتهم وكون أصولهم من أهل الكتاب لا يفيدهم وأيضا يجوز استرقاقهم بالإجماع فيجوز ضرب الجزية عليهم إذ كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس منهم فإنه يكتسب ويؤدي إلى المسلمين ونفقته في كسبه، وأما الحديث فحديث سليمان بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة بتقوى الله. . . ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال :" أغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليد أو إذا ألقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار الهجرة فأخبرهم انهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا ان يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة وألفي شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " ٥ الحديث رواه مسلم، والحجة على جواز اخذ الجزية من الكتابي العربي حديث أنس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية ٦ رواه أبو داود، وروى أبو داود و البيهقي من حديث يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى اليدر بن عبد الله الملك رجل من كندة كان ملكا على دومة فذكره وفيه انه صالحه على الجزية، قال : الحافظ : إن ثبت أن أكيدر كان كنديا ففيه دليل على ان الجزية لا يختص بالعجم من أهل الكتاب لأن أكيدر عربي وإذا ثبت ان الجزية لا يختص بأهل الكتب ولا بأهل العجم ثبت مذهب أبي حنيفة ومالك غير أن أبا حنيفة يقول : لا يجوز الجزية من عبدة الأوثان من أهل العرب ولا استرقاقهم أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان إلا من كان من العرب، قال : أبو حنيفة : إن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أطهر العرب والقرآن نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وكذا المرتد وإن كفر بربه بعدما هدى إلى الإسلام ووقف على محاسنه فر يقبل منه إلا الاستسلام أو السيف، ذكر محمد بن الحسن عن مقسم عن ابن عباس انه صلى الله عليه وسلم قال :
٢ أخرجه الشافعي في الجزء الثاني: ماجاء في الجزية (٤٣٠).
٣ سورة فاطر الآية: ٢٤.
٤ سورة البقرة، الآية: ١٩٢.
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته لإياهم بآداب الغزو وغيرها (١٧٣١).
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: الخراج والفيء والإمارة، باب: في اخذ الجزية (٣٠٣٥).
التفسير المظهري
المظهري