قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون( ٢٩ )
كان كل ما تقدم من أول السورة في أحكام قتال المشركين وما يتعلق بهم، وهذه الآية في حكم قتال أهل الكتاب والغاية التي ينتهي إليها، وهي تمهيد للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين، وهتك الأستار عن إسرارهم للكفر، ومن تمحيص المؤمنين، ولم يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها الروم الذين خرج لقتالهم بسببه الذي سيذكر بعد، وإنما حكمة وقوع ذلك بيان هذه الأحكام، والتزييل بين المؤمنين والمنافقين ممن كانت تقع عليهم أحكام الإسلام، قبل وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.
روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن زيد رضي الله عنه في هذه الآية : قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال من يليه من العرب أمره ( تعالى ) بجهاد أهل الكتاب.
وروى ابن المنذر عن ابن شهاب قال : أنزلت في كفار قريش والعرب وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [ البقرة : ١٩٣ ]، وأنزلت في أهل الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية ، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران، قبل وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.
وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حبان والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، وروى ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن مجاهد أيضا قال : يقاتَل أهل الأوثان على الإسلام، ويقاتل أهل الكتاب على الجزية.
وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الآية في شأن أهل الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية. أقول : وهذا أصح وأدق مما قبله من رأي مجاهد ومن وافقه من الفقهاء في قتال الوثنيين، وأنه لا فرق بينهم وبين مشركي العرب في الحجاز والجزيرة، فقد بينا مرارا أن سياسة الإسلام في عرب الجزيرة خاصة بهم وبها.
واعلم أن هذه الآية في قتال أهل الكتاب، وما قبلها في قتال مشركي العرب ليس أول ما نزل في التشريع الحربي، وإنما هو في غايته. وأما أول ما نزل في ذلك فقد بينا مراراً أنه آيات سورة الحج أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [ الحج : ٣٩ ] الخ ثم قوله تعالى من سورة البقرة وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا [ البقرة : ١٩٠ ] الآيات وفي تفسيرها ما اختاره شيخنا من أن القتال الواجب في الإسلام إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، ولذلك اشترط فيه أن يقدم عليه الدعوة إلى الإسلام، وقال : إن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت كلها دفاعا وكذلك حروب الصحابة في الصدر الأول، ثم كان القتال بعد ذلك من ضرورة الملك، وكان في الإسلام مثال الرحمة والعدل ( ج ٢ تفسير )، وسنفصل ذلك بعد تفسير هذه الآية.
قال تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب فوصف أهل الكتاب الذين بين حكم قتالهم بأربع صفات سلبية هي علة عداوتهم للإسلام ووجوب خضوعهم لحكمه في داره ؛ لأن إقرارهم على الاستقلال وحمل السلاح فيه يفضي إلى قتال المسلمين في دارهم ومساعدة من يهاجمهم فيها، كما فعل يهود المدينة وما حولها بعد تأمين النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وجعلهم حلفاء له، وسمح لهم بالحكم فيما بينهم بشرعهم فوق السماح لهم بأمور العبادة كما تقدم في سورة الأنفال( ٤٨ ٦٠ ج ١٠ )، وكما فعل نصارى الروم في حدود البلاد العربية كما يأتي عند الكلام على غزوة تبوك. وهذه الأمور الأربعة التي أسند إليهم تركها هي أصول الدين الإلهي عند كل أمة -كما بينه تعالى في آية ( ٢ : ٦٢ )- وقد أمر هنا بقتال الذين لا يقيمونها عند ما يقوم السبب الشرعي لقتالهم حتى يعطوا الجزية بشرطها، فذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، ووضع تركهم لتحريم ما حرم الله ورسوله وترك الخضوع لدين الحق في موضع العمل الصالح من تلك الآية، وسيأتي الكلام فيه.
وإنك ترى في بعض كتب التفسير المتداولة أن هذه الآية تدل على عدم إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر الخ، وزعم بعضهم أنها نص في ذلك، وغرضهم من هذا أن هذه الصفات ليست قيودا في شرعية قتالهم ؛ بل هي بيان للواقع لا مفهوم لها، فلا يقال إنه إذا وجد من أهل الكتاب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويحرم ما حرم الله ورسوله إليهم على المختار من أن المراد بالرسول عند كل منهم رسولهم، ويدين دين الحق باعتقادهم فإنهم لا يدخلون في هذا الحكم. وقالوا : إن أولئك الذين دلت آية سورة البقرة على إقامتهم لأركان الدين الإلهي هم الذين كانوا متبعين لأنبيائهم في زمانهم، أو قبل تحريفهم لكتابهم، والابتداع في دينهم حتى الشرك، أو الذين اتبعوا خاتم الرسل الذي نسخ كتابه الكتب التي قبله، والشرائع المخالفة لشرعه، بعد بعثته وبلغ دعوته. وقد بينا هذه الأقوال في تفسير تلك الآية. وصرح الفخر الرازي بأن هذه الصفات السلبية قيود تشترط في قتالهم ولكنهم فاقدون لها، فإن وجد منهم قوم متصفون بها حرم علينا بدؤهم بالقتال.
فأما الإيمان بالله تعالى فقد شهد القرآن بأن الفريقين فقدوه بهدم ركنه الأعظم وهو التوحيد، فإنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله يشرعون لهم العبادات والحلال والحرام فيتبعونهم، وذلك حق الرب وحده، فقد أشركوهم به في الربوبية، ومنهم من أشرك في الألوهية كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله، أو هو الله، وسيأتي هذا وذاك في هذا السياق من السورة.
وقد توسع الرازي في المسألة بأساليبه الكلامية فقال :«التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه، فأما الموجود الذي لا يكون جسما ولا حالاً فيه فهو منكر له، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالا في جسم، فحينئذ يكون المشبه منكراً لوجود الإله، فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله.
«فإن قيل : فاليهود قسمان : منهم مشبهة ومنهم موحدة، كما أن المسلمين كذلك. فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله فما قولكم في موحدة اليهود ؟ قلنا : أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق » اه بنصه.
وهذا الكلام الذي سماه تحقيقا ليس فيه شيء من التحقيق ولا من العلم الصحيح، وإنما هو نظريات كلامية مبنية على اصطلاحات جماعة الأشاعرة حتى في الألفاظ المفردة، فالجسم في اللغة هو الشيء الجسيم الضخم. وقال ابن دريد : هو كل شخص مدرك، وقال أبو زيد : الجسم الجسد. وفي التهذيب ما يوافقه قال : الجسم مجمع البدن وأعضاؤه من الناس والإبل والدواب ونحو ذلك مما عظم من الخلق الجسيم اه من المصباح. واليهود لا يقولون بأن الإله جسم بشيء من هذه المعاني. وتعريفه للجسم بما ذكره غير صحيح لغة ولا اصطلاحا، والإله في اللغة المعبود، واليهود لا تنكر وجود المعبود، والله هو الرب الخالق لكل شيء واليهود يثبتون هذا، وأنه واحد لا شريك له، ولكن لهم أفهاماً في نصوص التوراة يختلفون فيها كالمسلمين، ومنها ما ظاهره التشبيه، والذين يسميهم المجسمة من المسلمين ليسوا مجسمة بالمعنى الذي ذكره، وإنما يسميهم هو وأمثاله مجسمة لمخالفتهم لأمثاله المتكلمين في إثبات ما وصف الله به نفسه بلا تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل، وهو من متكلمي التأويل الذي يكفرون من يخالفهم في بعض تأويلاتهم لها بدعوى أن عدم تأويلها يستلزم كونه تعالى جسما، وهي دعوى باطلة ولازم المذهب ليس بمذهب عند الجمهور، ولو لم يصرح صاحبه بنفي اللزوم فكيف إذا صرح به كالسلف ومن تبعهم من الحنابلة الذين ينبزهم أمثاله بلفظ المجسمة بغير علم ولا هدى، وتأويلات أمثاله للكثير من تلك الآيات قد تستلزم التعطيل أو تخطئة التنزيل، أو قصوره عن بيان عقائد الدين وأصوله بدون كلامهم المبتدع، حتى إن بعضهم حرم قراءتها على العوام كما أنزلها الله تعالى غير مقرونة بتأويل يخرجها عن مدلول لغة القرآن، فإن كان لازم المذهب مذهباً مطلقا فهم الكافرون.
وهو قد انتقل في بحثه في اليهود واختلافهم في فهم صفات الإله إلى اختلاف المسلمين، مبتدئا بالاعتراف بأن حاصل كلامه «إن كل من نازع في صفة من صفات الله كان منكرا لوجود الله تعالى. قال : وحينئذ يلزم أن تقولوا إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله ؛ لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى ». وضرب الأمثال أولا في اختلاف أصحابه الأشعرية، ثم في اختلاف غيرهم، وتحكم في التكفير لبعض المختلفين دون بعض بالنظريات الكلامية الباطلة. وإنما أوردنا كلامه لتنفير المسلمين عن إضاعة الوقت في مثله، وفيما رتبه عليه من الحكم الشرعي المتعارض، وهو زعمه أن غير المجسمة من اليهود لا يدخلون تحت حكم هذه الآية في القتال، ولكن يدخلون تحتها في إيجاب الجزية عليهم، واستدلاله على هذا بأنه لما وجبت الجزية على بعضهم «وجب القول به في حق الكل ؛ إذ لا قائل بالفرق » !
ويرد عليه :
أولا : إنه لا قائل أيضا بالفرق بين حكم القتال وحكم الجزية الذي هو غاية له، فليت شعري ماذا يفعل بهم إذا امتنعوا عن أداء الجزية ؟
وثانيا : إنه لم يقل أحد بما قاله من تقسيم اليهود إلى مجسمة وغير مجسمة، وأن غير المجسمة لا يدخلون في حكم الآية.
وثالثا : إنه إذا قام الدليل من القرآن على ثبوت حكم فلا يجوز أن يتوقف قبوله على قول بعض الفقهاء أو المتكلمين به، وجعل عدم نقل ذلك عن أحد منهم سببا لتركه ! !
ورابعا : إن الشرك بالله تعالى في العبادة - كالدعاء مع الإيمان بأنه موجود ليس بجسم، ولا حالا في جسم، ينافي إيمان الأنبياء الذي دعوا إليه، ولكن النظريات الكلامية صرفته عن ذلك.
وما يقال في الموحدين من اليهود يقال في الموحدين من النصارى كأتباع آريوس من المتقدمين والعقليين المعاصرين من أهل أوروبا وغيرهم، ويبقى النظر في سائر ما اشترط في قتالهم.
وأما مخالفة جماهير النصارى للمسلمين ولجميع كتب الله ورسله في الإيمان بالله تعالى وما يجب من توحيده فهو ظاهر لا يحتاج إلى نظريات كلامية. فأصحاب المذاهب الرسمية منهم كلهم يقولون بألوهية المسيح وربوبيته، ويعبدونه جهرا بغير تأويل، ويقولون بالتثليث، ومنهم من يعبد أمه مريم وغيرها من الرسل والصالحين وتماثيلهم، ولا يعدون الموحدين منهم، وهؤلاء الموحدون لم يبلغوا أن يكونوا أمة، وأولي دولة، بل هم متفرقون في جميع أممهم، مع أن المسيح عليه السلام جاء مصدقاً للتوراة في جميع العقائد، وإنما نسخ بعض الأحكام العملية، كما نقل عنه رواة الأناجيل في قوله :« ما جئت لأنقض الناموس وإنما جئت لأتمم »، وأول ركن من أركان التوراة في الإيمان التوحيد المطلق، والوصية الأولى من وصاياها
تفسير المنار
رشيد رضا