ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

وجملة وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله في محل نصب على الحال مفيدة لتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرّق بعد مجيء البينة : أي والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلاّ لأجل أن يعبدوا الله ويوحدوه حال كونهم مُخْلِصِينَ لَهُ الدين أي جاعلين دينهم خالصاً له سبحانه أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. وقيل : إن اللام في ليعبدوا بمعنى «أن » : أي ما أمروا إلاّ بأن يعبدوا كقوله : يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ [ النساء : ٢٦ ] : أي أن يبيّن، و يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله [ الصف : ٨ ] أي أن يطفئوا قرأ الجمهور مُخْلِصِينَ بكسر اللام. وقرأ الحسن بفتحها. وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات لأن الإخلاص من عمل القلب، وانتصاب حُنَفَاء على الحال من ضمير مخلصين ، فتكون من باب التداخل، ويجوز أن تكون من فاعل «يعبدوا »، والمعنى : مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال أهل اللغة : أصله أن يحنف إلى دين الإسلام : أي يميل إليه وَيُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزكاة أي يفعلوا الصلوات في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند محلها، وخصّ الصلاة والزكاة لأنهما من أعظم أركان الدين. قيل إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا، وهما من جملة ما وقع الأمر به فيها. وَذَلِكَ دِينُ القيمة أي وذلك المذكور من عبادة الله وإخلاصها وإقامة الصلاة والزكاة دِينُ القيمة أي دين الملة المستقيمة. قال الزجاج : أي ذلك دين الملة المستقيمة، فالقيمة صفة لموصوف محذوف. قال الخليل : القيمة جمع القيم، والقيم : القائم. قال الفرّاء : أضاف الدين إلى القيمة، وهو نعته لاختلاف اللفظين. وقال أيضاً : هو من إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : مُنفَكّينَ قال : برحين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا إن شئتم إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية . وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :«قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله ؟ قال :«يا عائشة أما تقرئين : إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية ». وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال :«كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت : إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا أقبل قالوا : قد جاء خير البرية». وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً «علي خير البرية». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال :«لما نزلت هذه الآية إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ :«هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين». وأخرج ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا أخبركم بخير البرية ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بشرّ البرية ؟ قالوا بلى، قال : الذي يسأل بالله ولا يعطي به» قال أحمد : حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية