ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

(وما أمروا إلا ليعبدوا الله) حالية مقيدة لغاية قبح ما فعلوا وتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرق بعد مجيء البينة أي والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلا لأجل أن يعبدوا الله ويوحدوه، وقيل إن اللام في ليعبدوا بمعنى أن أي ما أمروا إلا بأن يعبدوا كقوله (يريد الله ليبين لكم) أي أن يبين، وقوله (يريدون ليطفئوا نور الله) أي أن يطفئوا، والعبادة هي التذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ لأن جماعة عبدوا المسيح والملائكة والأصنام وما أطاعوهم، ولكنها في الشرع صارت إسما لكل طاعة أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم.
(مخلصين له الدين) أي حال كونهم جاعلين دينهم خالصاً له سبحانه أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين، قرأ الجمهور مخلصين بكسر اللام، وقرأ الحسن بفتحها.
وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات لأن الإِخلاص في العمل من عمل القلب، قال الكرخي: الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا الله سبحانه ولا تطلب منه ثواباً، وقال الشهاب الإخلاص عدم الشرك وأنه ليس بمعنى الإِخلاص المتعارف.
وانتصاب (حنفاء) على الحال من ضمير مخلصين فيكون من باب

صفحة رقم 334

التداخل، ويجوز أن يكون من فاعل يعبدوا، والمعنى مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام وقيل متبعين ملة إبراهيم، وقيل حجاجاً، وقيل مختونين محرمين لنكاح المحارم، وقيل الحنيف الذي آمن بجميع الأنبياء والرسل، ولا يفرق بين أحد منهم، والأول أولى.
وأصل الحنف في اللغة الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير، وسموا الميل إلى الشر إلحاداً.
والحنيف المطلق هو الذي يكون متبرئاً عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات، وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعني وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق.
(ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) أي يفعلوا الصلوات في أوقاتها ويعطوا الزكاة عند محلها، وخص الصلاة والزكاة لأنهما من أعظم أركان الدين، قيل إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا وهما من جملة ما وقع الأمر به فيها.
(وذلك) المذكور من عبادة الله وإخلاصها وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (دين القيمة) أي دين الملة المستقيمة والشريعة المتبوعة، قاله الزجاج، فالقيمة صفة لموصوف محذوف، قال الخليل القيمة جمع القيم، والقيم القائم.
قال الفراء أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته لاختلاف اللفظين، وأنث القيمة رداً إلى الملة، وقال الفراء أيضاًً هو من إضافة الشيء إلى نفسه،

صفحة رقم 335

ودخلت الهاء للمدح والمبالغة، وما في الإشارة من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته وسمو مكانته.
ثم بينّ سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال

صفحة رقم 336

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية