بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة الأحقافوهي مكية
ﰡ
وَقَوله: ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ أَي: أمد يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى فنَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض لمُدَّة مَعْلُومَة.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا عَمَّا أنذروا معرضون﴾ أَي: معرضون إِعْرَاض المكذبين الجاحدين.
وَقَوله: ﴿أروني مَاذَا خلقُوا من الأَرْض أم لَهُم شرك فِي السَّمَوَات﴾ أَي: فِي خلق السَّمَوَات فتعبدونها لذَلِك، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ لَهُم شرك، لَا فِي خلق الأَرْض، وَلَا فِي خلق السَّمَاء أَي: نصيب، فَكيف تعبد مَعَ الله؟ !
وَقَوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَاب من قبل هَذَا﴾ أى: بِكِتَاب من قبل الْقُرْآن يدل على مَا زعمتموه.
وَقَوله: ﴿أَو أثارة من علم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: بَقِيَّة من علم. يُقَال: نَاقَة ذَات أثارة أَي: بَقِيَّة من سمن، وَيُقَال: أَو أثارة من علم مأثور، وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ [عنْدكُمْ] كتاب من كتب الْأَوَّلين، أَو علم مأثور [عَنْهُم] تَرَوْنَهُ يدل على صدق مَا قُلْتُمْ فَأتوا بذلك، وأرونيه إِن كُنْتُم صَادِقين. وَيُقَال: " أَو أثارة من علم " هُوَ الْخط، وَهَذَا حُكيَ عَن ابْن عَبَّاس، وروى مَنْصُور عَن (ابْن إِبْرَاهِيم) أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء كَانَ يخط لَهُ، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْوَحْي إِلَيْهِ، وَقد رُوِيَ هَذَا فِي خبر مَرْفُوع.
وَفِي بعض التفاسير: أَن من خطّ خطه علم علمه، وَعَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: أول من خطّ بالقلم إِدْرِيس النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام.
وَعَن (مطرف بن الْوراق) قَالَ: قَوْله: ﴿أَو أثارة من علم﴾ هُوَ الْإِسْنَاد.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: صَادِقين فِيمَا تقولونه.
وَقَوله: ﴿وهم عَن دُعَائِهِمْ غافلون﴾ أَي: لَا يسمعُونَ دعاءهم وَإِن دعوا، وَالْمرَاد من الْآيَة هُوَ الْأَصْنَام، يَعْنِي: كَيفَ يعْبدُونَ الْأَصْنَام؟ وَلَو دعوهم لم يَسْتَجِيبُوا لَهُم
وَقَوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لي من الله شَيْئا﴾ أَي: إِن افتريت على الله وعاقبني لَا تملك دفع عُقُوبَته عني.
وَقَوله: ﴿هُوَ أعلم بِمَا تفيضون فِيهِ﴾.
وَقَوله: ﴿كفى بِهِ شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم﴾ أَي: كفى بِاللَّه شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَلَا بكم﴾ هَذَا خطاب مَعَ الْكفَّار، وَمَعْنَاهُ: لَا أَدْرِي أتؤخرون فِي الْعَذَاب أَو يعجل لكم الْعَذَاب، وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة وجد النَّبِي والمؤمنون وجدا شَدِيدا أَي: اغتموا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَقيل لَهُ: يارسول الله، هَذَا لَك خَاصَّة أولنا وَلَك؟ فَقَالَ: هِيَ لي وَلكم إِلَّا مَا فضلت بِهِ من النُّبُوَّة " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ وَمَا أَنا إِلَّا نَذِير مُبين﴾ أَي: نَذِير بَين النذارة.
فَقَالَ النَّبِي: أَرَأَيْتُم لَو أسلم هَل تسلمون أَنْتُم؟ فَقَالُوا: معَاذ الله أَن يسلم، فَخرج عبد الله بن سَلام وَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالُوا: هُوَ شَرنَا وَابْن شَرنَا، وأجهلنا وَابْن أجهلنا، وَجعلُوا يشتمونه، فَهُوَ قَوْله تَعَالَى " ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ ".
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد بِهِ رجل من بني إِسْرَائِيل على الْجُمْلَة، وعَلى هَذَا فِي الْكتاب الْآيَة مَكِّيَّة مثل سَائِر آيَات السُّورَة. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن الشَّاهِد من بني إِسْرَائِيل هُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام شهد بِمثل مَا شهد بِهِ الرَّسُول من وحدانية الله تَعَالَى، وَأَن عبَادَة الْأَصْنَام بَاطِلَة، وَهَذَا قَول مَسْرُوق وَغَيره، وَفِي بعض التفاسير: أَن
قَوْله: ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل﴾ هُوَ يَامِين بن يَامِين، وَكَانَ من عُلَمَاء الْيَهُود أسلم على يَد النَّبِي، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمَشْهُور.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أَي: آمن بِمَا جَاءَ بِهِ من مُحَمَّد، وتعظمتم أَنْتُم عَن الْإِيمَان بِهِ بعد ظُهُور الْحق.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَفِي التَّفْسِير: أَن فِي الْآيَة حذفا، وَتَقْدِيره: " قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ ألستم قد ظلمتم وأتيتم بالقبيح الَّذِي لَا يجوز " ثمَّ قَالَ: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ابْتِدَاء، يَعْنِي: الْكَافرين.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن مزينة وجهينة وغفار وَأسلم آمنُوا بِالنَّبِيِّ، وَهِي قبائل حول الْمَدِينَة، فَقَالَ بَنو عَامر وغَطَفَان وَأسد وَأَشْجَع، وَهَؤُلَاء رُءُوس قبائل الْعَرَب: لَو كَانَ فِي الدّين خير مَا سبقتنا إِلَيْهِ مزينة وجهينة وَأسلم وغفار رُعَاة البهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ردا عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿وَإِذا لم يهتدوا بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿فسيقولون هَذَا إفْك قديم﴾ أَي: حَدِيث مثل حَدِيث الْمُتَقَدِّمين، وَهِي كذب وزور.
وَقَوله: ﴿إِمَامًا﴾ نصب على الْحَال.
وَقَوله: ﴿وَرَحْمَة﴾ مَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَهَذَا كتاب مُصدق﴾ أَي: مُصدق للتوراة.
وَقَوله: ﴿لِسَانا عَرَبيا﴾ نصب على الْحَال أَيْضا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: بِلِسَان عَرَبِيّ.
وَقَوله: ﴿لينذر الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: الْقُرْآن ينذر الَّذين ظلمُوا، وَأما من قَرَأَ بِالتَّاءِ أَي: تنذر يَا مُحَمَّد الَّذين ظلمُوا.
وَقَوله: ﴿وبشرى للمحسنين﴾ بإيمَانهمْ وأعمالهم الصَّالِحَة.
وَقَوله: ﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ قد ذكرنَا أَيْضا.
وَقَوله: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ مَعْنَاهُ: أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر، وَمُدَّة الفصال سنتَانِ، فَذَلِك ثَلَاثُونَ شهرا، وروى أَن امْرَأَة أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من وَقت النِّكَاح فِي زمَان عمر رَضِي الله عَنهُ فهم عمر برجمها، فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ فَقَالَ عمر: لَوْلَا عَليّ لهلك عمر.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الْمَرْأَة وضعت لسِتَّة أشهر فمدة الفصال أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ شهرا، وَإِن وضعت لتسعة أشهر فمدة الفصال [أحد] وَعِشْرُونَ شهرا، وَهَذَا خلاف قَول الْفُقَهَاء؛ فَإِن عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء مُدَّة الفصال حولان بِكُل حَال.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا بلغ أشده﴾ قد بَينا معنى الأشد.
وَقَوله: ﴿وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة﴾ قد بَينا أَيْضا، وَهُوَ مُنْتَهى مُدَّة كَمَال الْعقل.
وَقَوله: ﴿قَالَ رب أوزعني﴾ أَي: ألهمني.
﴿أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وَأصْلح لي فِي ذريتي إِنِّي تبت إِلَيْك وَإِنِّي من الْمُسلمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة؟ فَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَالضَّحَّاك: إِنَّهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع الْمُؤمنِينَ. وَمعنى الْآيَة: هُوَ الْإِرْشَاد إِلَى شكر الله وَدُعَاء الْوَالِدين.
وَقَوله: ﴿ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة﴾ أَي: مَعَ أَصْحَاب الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ أَي: يوعدون من الثَّوَاب على الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَيُقَال: إِن الْآيَة الأولى نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص، وَكَانَ قد أسلم وَمنعه أَبَوَاهُ من الْإِسْلَام وشددا عَلَيْهِ الْأَمر ليرْجع عَن دينه، وَقد بَينا هَذَا من قبل. وَيُقَال: نزلت فِي أَخِيه عُمَيْر بن أبي وَقاص، وَمعنى الْآيَة على هَذَا: هُوَ الْوَصِيَّة بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا دون الْمُوَافقَة فِي الشّرك.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أُفٍّ لَكمَا﴾ تبرم واستقذار، وَكَانَا يَقُولَانِ: اللَّهُمَّ اهده، اللَّهُمَّ أقبل بِقَلْبِه، وَكَانَ يَقُول: أتعدانني أَن (أبْعث) أَي: أتوعداني بِالْبَعْثِ، وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله: ﴿أتعدانني أَن أخرج﴾.
وَقَوله: ﴿وَقد خلت الْقُرُون من قبلي﴾ أَي: مَضَت الْقُرُون: من قبل، أَيْن عبد الله بن جدعَان؟ وَفُلَان وَفُلَان؟.
وَقَوله: ﴿وهما يستغيثان الله﴾ أَي: يستغيثان بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿وَيلك آمن﴾ أَي: وَيحك، آمن ﴿إِن وعد الله حق﴾.
وَقَوله: ﴿فَيَقُول مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾ أَي: أقاصيص الْأَوَّلين، وَأنكر كثير
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا يُبدل القَوْل لَدَى﴾ وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أسلم وَحسن إِسْلَامه، وَهُوَ من أفاضل الْمُسلمين، فَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي غَيره، وَهُوَ الْكَافِر الْعَاق (بِوَالِديهِ) الَّذِي مَاتَ على الْكفْر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فِي أُمَم﴾ أَي: مَعَ أُمَم.
وَقَوله: ﴿قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾ أَي: هالكين.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الدَّرَجَات من الذَّهَب وَالْفِضَّة والياقوت والزبرجد والزمرد واللؤلؤ وَغَيره من الْجَوَاهِر، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى يدْخل الْمُؤمنِينَ الْجنَّة وَيَأْمُرهُمْ أَن يقسموها بأعمالهم.
وَقَوله: ( ﴿ولنوفينهم﴾ أَعْمَالهم وهم لَا يظْلمُونَ) أَي: لَا يُزَاد فِي إساءة الْمُسِيء، وَلَا ينقص من إِحْسَان المحسن.
وَقَوله: ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا﴾ أَي: تلذذتم وانتفعتم بهَا، وَفِي الْمَشْهُور من الْخَبَر " أَن عمر رَضِي الله عَنهُ دخل على النَّبِي فِي خزانته وَهُوَ مُضْطَجع على [خصفة] وَبَعضه على الأَرْض، وَتَحْت رَأسه وسَادَة حشوها لِيف، وَفِي الْبَيْت أهب وَقَلِيل من الْقرظ، فَبكى عمر، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله: مَاذَا (يبكيك) ؟ فَقَالَ: ذكرت كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا هما فِيهِ من النعم وحالك على مَا أرى، وَأَنت نَبِي الله وصفوته وَخيرته، فَقعدَ رَسُول الله وَقَالَ: أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب! أُولَئِكَ قوم عجلت لَهُم طَيِّبَاتهمْ فِي حياتهم الدُّنْيَا، وأخرت لنا إِلَى الْآخِرَة ".
وَرُوِيَ أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: مَا أجمل لذيذ الْعَيْش لَو شِئْت أمرت بصغار المعزى فيمسط لنا، وَأمرت بلباب الْبر فيخبز لنا، وَأمرت بالزبيب فينبذ لنا حَتَّى يصير كعين اليعقوب، فَآكل من هَذَا مرّة، وأشرب من هَذَا مرّة، وَلَكِن سَمِعت الله يَقُول لقوم: ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾، فَأَنا أَخَاف أَن أكون مِنْهُم.
وَرُوِيَ أَنه رأى جَابر بن عبد الله وَبِيَدِهِ لحم قد اشْتَرَاهُ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: اشْتَرَيْته بدرهم. فَقَالَ: أَو كلما قَامَ أحدكُم اشْترى بدرهم لَحْمًا. وَفِي رِوَايَة: كلما اشْتهيت اشْتريت، أما سَمِعت الله يَقُول: ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ أم تخافون أَن تَكُونُوا مِنْهُم؟
وَقَوله: ﴿الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ أَي: الهوان، وَهُوَ كَذَلِك فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: ﴿بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ أَي: تطلبون الْعُلُوّ والرفعة
وَالْغَلَبَة بِغَيْر حق
وَقَوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُم تفسقون﴾ أَي: تخرجُونَ عَن طَاعَة الله.
وَقَوله: ﴿إِذا أنذر قومه بالأحقاف﴾ أى: قومه عاداً، والأحقاف: جمع حقف، وَهُوَ الرمل المعوج وَفِي الْخَبَر: (مر رَسُول الله بِظَبْيٍ حَاقِف) أَي قد انثنى عُنُقه وَيُقَال الْأَحْقَاف رمال مستطيلة شبه الدكاكين. وَقيل: رمال مشرفة على الْبَحْر بالشحر من الْيمن وَعَن ابْن عَبَّاس أَرض بَين عمان ومهرة وَعَن ابْن إِسْحَاق أَرض بَين عمان وحضرموت كَانَت منَازِل عَاد بهَا وروى أَبُو الطُّفَيْل عَن على رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ شَرّ بِئْر فِي الأَرْض بِئْر وَادي حَضرمَوْت يُقَال لَهُ: برهوت يَجْعَل فِيهَا أَرْوَاح الْكفَّار وَخير بِئْر فِي الأَرْض بِئْر زَمْزَم. وَيُقَال: جبال بِالشَّام وَالأَصَح أَنهم كَانُوا بِالْيمن وَأما منَازِل ثَمُود وَقوم لوط بَين الْمَدِينَة وَالشَّام.
وَقَوله ﴿وَقد خلت النّذر من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه﴾ أى خلت النّذر قبل هود وَبعده.
وَقَوله: ﴿أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنِّي اخاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ أَي: كَبِير
وَقَوله: (فأتنا بِمَا تعدنا) أَي: من الْعَذَاب. ﴿إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُم قوما تجهلون (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضا مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب﴾
وَقَوله: ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ يَعْنِي: إِن كنت نَبيا من قبل الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُم قوما تجهلون﴾ وَمَعْنَاهُ: أَن إِلَيّ تَبْلِيغ الرسَالَة، وَلَيْسَ إِلَيّ إِنْزَال الْعَذَاب، وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى الله تَعَالَى.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة | .﴾ الْآيَة ظَاهر الْمَعْنى. |
(إِذا نظرت إِلَى أسرة وَجهه | برقتْ كبرق الْعَارِض المتهلل) |
(يَا من يرى عارضا قد [بت] أرمقه | كَأَنَّمَا الْبَرْق فِي حَافَّاته الشعل) |
وَقَوله: ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ أَنهم كَانُوا قد قَالُوا: " فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين ". وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن أول من رأى الْعَذَاب فِي السَّمَاء امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَت: أرى نيرانا أمامها رجال يَقُودُونَهَا.
وَفِي الْقِصَّة: أَن قوم هود قَالُوا لهود: أتوعدنا بِالرِّيحِ، وَأي الرّيح تصرعنا وتهلكنا، فروى أَن الله تَعَالَى أَمر الْملك الَّذِي هُوَ على خزانَة الرّيح أَن يُرْسل الرّيح من الخزانة فَقَالَ: وَكم أرْسلهُ؟ فَقيل لَهُ: على مِقْدَار منخر الثور، فَقَالَ: إِذا تقلب الأَرْض بِمن فِيهَا. فَقيل لَهُ: على قدر حَلقَة الْخَاتم فَأرْسلت على هَذَا الْقدر فَجعلت تطير بالظعن بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَتحمل الرَّاعِي مَعَ غنمه وَإِبِله وتروحها إِلَى الْهَوَاء، ثمَّ تطرحها على الْجبَال وتشدخها، وَكَذَلِكَ فعلت بِجَمِيعِ عَاد حَتَّى أهلكتهم، وَفِي التَّفْسِير: أَنَّهَا كَانَت تحمل الرِّجَال بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يرى كالجراد، وَكَانَ هَذَا الْعَذَاب مسخرا عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما على مَا ذكر الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر.
وَفِي الْقِصَّة: أَن هود عَلَيْهِ السَّلَام اعتزل بقَوْمه الَّذين آمنُوا بِهِ وَخط لَهُم خطا، وَكَانَت الرّيح فِي ذَلِك الْخط أَلين ريح وأطيبها، وَهِي تعْمل بقَوْمه الْعَجَائِب. وَرُوِيَ أَنهم لما رَأَوْا الْعَذَاب وَأرْسلت الرّيح عَلَيْهِم دخلُوا بُيُوتهم، وَهِي من صَخْر، وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب، ففتحت الرّيح أَبْوَابهم ونزعتهم من بُيُوتهم، وأهالت الرمال عَلَيْهِم حَتَّى أهلكتهم تَحت الرمال، وَإِن أَنِين بَعضهم يسمع تحتهَا.
وَقَوله: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما أهلكهم بعث بطير كثير حَتَّى التقطتهم وألقتهم فِي الْبَحْر، فَأَصْبَحت مساكنهم خَالِيَة عَن جَمِيعهم، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ أَي: ذُو الإجرام.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مكناهم فِيمَا مكناكم فِيهِ، " وَإِن " صلَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: إِن فِي الْآيَة حذفا، وتقديرها: وَلَقَد مكناكم فِيمَا إِن مكناهم فِيهِ كَانَ عنادكم وعتوكم أَكثر، وَهَذَا هُوَ الْمَحْذُوف.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا﴾ أَي: أسماعا.
وَقَوله: ﴿وأبصارا وأفئدة﴾ أَي: (أعينا) يبصرون بهَا، وَقُلُوبًا يعلمُونَ بهَا.
وَقَوله: ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم﴾ أَي: مَا دفعت عَنْهُم وسمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم حَتَّى نزل بهم الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿من شَيْء إِذا كَانُوا يجحدون بآيَات الله﴾ أَي: يُنكرُونَ آيَات الله.
وَقَوله: ﴿وحاق بهم﴾ أَي: نزل بهم.
وَقَوله: ﴿مَا كَانُوا يستهزئون﴾ أَي: جَزَاؤُهُ.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: عَن الْكفْر الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿بل ضلوا عَنْهُم﴾ أَي: ضلوا عَن عبَادَة الْأَصْنَام وَلم تنفعهم أبدا.
وَقَوله: ﴿وَذَلِكَ إفكهم وَمَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: ذَلِك كذبهمْ وفريتهم.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا﴾ أَي: أسكت بَعضهم بَعْضًا، وَرُوِيَ أَنه قَالَ بَعضهم لبَعض: صه أَي: اسْكُتُوا.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا قضى﴾ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا فرغ من الْقِرَاءَة.
وَقَوله: ﴿ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين﴾ أَي: محذرين، وَيُقَال: ولوا دعاة إِلَى التَّوْحِيد. وَقد قيل: إِن الْجِنّ كَانُوا من جن الْموصل، وَهِي نِينَوَى بَلْدَة يُونُس بن مَتى، وَيُقَال: من حران، وَقيل: غير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ﴾ أَي: لما بَين يَدَيْهِ من الْكتب.
وَقَوله: ﴿يهدي إِلَى الْحق وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم﴾ أَي: مستو.
﴿وآمنوا بِهِ﴾ أَي: صدقُوا بِهِ ﴿يغْفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: النَّار.
وَقَوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ من دونه أَوْلِيَاء﴾ أَي: أنصار [يمنعونهم] من الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين﴾ أَي: خطأ بَين، وَفِي الْأَخْبَار: أَن وَفد الْجِنّ ذَهَبُوا وأنذروا قَومهمْ، وعادوا إِلَى النَّبِي بعد مَا أسلم طَائِفَة كَثِيرَة مِنْهُم، وَذهب النَّبِي وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن وعلمهم الْأَحْكَام، وَفِي حمله عبد الله بن مَسْعُود مَعَ نَفسه اخْتِلَاف كثير، فَروِيَ أَنه لما أَرَادَ أَن يذهب إِلَى الْجِنّ قَالَ: " ليقمْ مِنْكُم معي رجل لَيْسَ فِي قلبه مِثْقَال خَرْدَل من كبر، فَقَامَ عبد الله بن مَسْعُود وَحمله مَعَ نَفسه، وَخط لَهُ خطا وَقَالَ لَهُ: إياك أَن تَبْرَح هَذَا الْخط، وَذهب يُخَاطب الْجِنّ، وَكَانَ هَذَا الِاجْتِمَاع بالحجون، وَهُوَ مَوضِع بِأَعْلَى مَكَّة، فَروِيَ انه لما سمع عبد الله بن مَسْعُود
وَفِي هَذَا كَلَام كثير، وَرِوَايَات مُخْتَلفَة، وَفِي رِوَايَة عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لم يكن مَعَه منا أحد لَيْلَة الْجِنّ، وَالله أعلم فِي ذَلِك.
وَقَالَ أهل الْعلم: فِي الْآيَة دَلِيل على أَن النَّبِي كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس.
وَقَوله: ﴿بِقَادِر﴾ أَي: قَادر ﴿على أَن يحي الْمَوْتَى﴾.
وَقَوله: ﴿بلَى إِنَّه على كل شَيْء قدير﴾ أَي: قَادر.
وَقَوله: ﴿قَالُوا بلَى وربنا﴾ أَي: نعم.
وَقَوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ أَي: تكفرون بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿كَمَا صَبر أولُوا الْعَزْم من الرُّسُل﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَنهم أَرْبَعَة: نوح، وَإِبْرَاهِيم، ومُوسَى، وَعِيسَى عَلَيْهِم السَّلَام، وَقَالَ مقَاتل: أولُوا الْعَزْم، نوح صَبر على
وَقَوله: ﴿وَلَا تستعجل لَهُم﴾ فِي التَّفْسِير: أَن النَّبِي استبطأ عَذَاب الْكفَّار [بعض] الاستبطاء؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَا تستعجل لَهُم﴾
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْم يرَوْنَ مَا يوعدون لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من نَهَار﴾ وَالْيَوْم الَّذِي يوعدون يَوْم الْقِيَامَة، وَقَوله: ﴿بَلَاغ﴾ أَي: هَذَا بَلَاغ، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْقُرْآن، وَقَرَأَ (أَبُو) مجلز لَاحق بن حميد " بلغ " على وَجه الْأَمر.
وَقَوله: ﴿فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ﴾ أَي: الْكَافِرُونَ، وَالْفَاسِق: [هُوَ] الْخَارِج عَن طَاعَة الله، وَذَلِكَ الْكَافِر، وَيُقَال: إِن هَذِه الْآيَة أَرْجَى آيَة فِي الْقُرْآن. قَالَ قَتَادَة: لَا يهْلك على الله إِلَّا هَالك، ثمَّ فسر الْهَالِك قَالَ: هُوَ كَافِر ولى الْإِسْلَام ظَهره، أَو مُنَافِق يصف الْإِيمَان بِلِسَانِهِ وينكر بِقَلْبِه.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله أضلّ أَعْمَالهم (١) وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وآمنوا بِمَا نزل على مُحَمَّد وَهُوَ الْحق من رَبهم كفر عَنْهُم سيئاتهم وَأصْلح﴾تَفْسِير سُورَة مُحَمَّد
وَهِي مَدَنِيَّة، وَهَذِه السُّورَة تسمى سُورَة الْقِتَال، وَسورَة الْأَنْفَال تسمى سُورَة الْجِهَاد، وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله إِذا قَاتلُوا الْعَجم وَغَيرهم بعد رَسُول الله قرءوا هَاتين السورتين بَين الصفين؛ ليحرضوا الْمُسلمين على الْقِتَال.