تفسير سورة سورة المنافقون

محمد الطاهر بن عاشور

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ)

الناشر

الدار التونسية للنشر

نبذة عن الكتاب

للطاهر بن عاشور (ت: 1393)، واسمه الكامل: (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد).
وهو تفسير جليل نفيس، صنَّفه مؤلِّفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، وقدَّمه بمقدمات عشـر نافعة، وتميز تفسيره بعدة مزايا منها:
الاهتمام بوجوه البلاغة في القرآن.
بيان وجوه الإعجاز.
  • الاهتمام ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض.
  • إبراز الجانب التربوي في السور.
  • بيان معاني المفردات بضبط وتحقيق.
  • الحرص على الموازنة والترجيح.
ويؤخذ عليه ذكر بعض الإسرائيليات وإن كان ذلك قليلاً، والاستعانة أحياناً بذكر بعض النقولات من التوراة ليؤيد قوله، وهو وإن كان على عقيدة أهل السُّنَّة لكن وقع في التأويل لبعض الصفات.
يعتبر في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لا يغفل المأثور ويهتم بالقراءات. وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم يشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها. وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها.
مقدمة التفسير
سميت هذه السورة في كتب السنة وكتب التفسير سورة المنافقين اعتبارا بذكر أحوالهم وصفاتهم فيها.
ووقع هذا الاسم في حديث زيد بن أرقم عند الترمذي قوله فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين . وسيأتي قريبا، وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة فيحرض بها المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين فيقرع بها المنافقين.
ووقع في صحيح البخاري وبعض كتب التفسير تسميتها سورة المنافقون على حكاية اللفظ الواقع في أولها وكذلك ثبت في كثير من المصاحف المغربية والمشرقية.
وهي مدنية بالاتفاق.
واتفق العادون على عد آيها إحدى عشرة آية.
وقد عدت الثانية بعد المائة في عداد نزول السور عند جابر بن زيد. نزلت بعد سورة الحج وقبل سورة المجادلة.
والصحيح أنها نزلت في غزوة بني المصطلق ووقع في جامع الترمذي عن محمد بن كعب القرظي أنها نزلت في غزوة تبوك. ووقع فيه أيضا عن سفيان : أن ذلك في غزوة بني المصطلق وغزوة بني المصطلق سنة خمس، وغزوة تبوك سنة تسع.
ورجح أهل المغازي وابن العربي في العارضة وابن كثير : أنها نزلت في غزوة بني المصطلق وهو الأظهر. لأن قول عبد الله بن أبي بن سلول : ليخرجن الأعز منها الأذل، يناسب الوقت الذي لم يضعف فيه شأن المنافقين وكان أمرهم كل يوم في ضعف وكانت غزوة تبوك في آخر سني النبوة وقد ضعف أمر المنافقين.
وسبب نزولها ما روي عن زيد بن أرقم أنه قال : كنا في غزاة فكسع١
رجل من المهاجرين رجلا جهنيا حليفا للأنصار فقال الجهني : يا للأنصار، وقال المهاجري : يا للمهاجرين : فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال دعوى الجاهلية، قالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال دعوها فإنها منتنة أي اتركوا دعوة الجاهلية : يآل كذا فسمع هذا الخبر عبد الله بن أبي فقال : أقد فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، قال ريد بن أرقم : فسمعت ذلك فأخبرت به عمي فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذبت رسول الله وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله فقال عمي ما أردت إلا أن كذبك رسول الله، وفي رواية : إلى أن كذبك، فلما أصبحنا قرأ رسول الله سورة المنافقين وقال لي : إن الله قد صدقك.
وفي رواية للترمذي في هذا الحديث : أن المهاجري أعرابي وأن الأنصاري من أصحاب عبد الله بن أبي، وأن المهاجري ضرب الأنصاري على رأسه بخشبة فشجه، وأن عبد الله بن أبي قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب، وذكر أهل السير أن المهاجري من غفار اسمه جهجاه أجير لعمر بن الخطاب. وأن الأنصاري جهني اسمه سنان حليف لبن أبي، ثم يحتمل أن تكون الحادثة واحدة. واضطرب الراوي عن زيد بن أرقم في صفتها ؛ ويجوز أن يكون قد حصل حادثتان في غزاة واحدة.
وذكر الواحدي في أسباب النزول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عبد الله بن أبي وقال له : أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني، فقال عبد الله بن أبي : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من هذا وإن زيدا لكاذب.
والظاهر أن المقالة الأولى قالها ابن أبي في سورة غضب تهييجا لقومه ثم خشي انكشاف نفاقه فأنكرها.
وأما المقالة الثانية فإنما أدرجها زيد بن أرقم في حديثه وإنما قالها ابن أبي في سورة الناصح كما سيأتي في تفسير حكايتها.
وعلى الأصح فهي قد نزلت قبل سورة الأحزاب، وعلى القول بأنها نزلت في غزوة تبوك تكون نزلت مع سورة براءة أو قبلها بقليل وهو بعيد.
أغراضها
فضح أحوال المنافقين بعد كثير من دخائلهم وتولد بعضها عن بعض من كذب، وخيس بعهد الله، واضطراب في العقيدة، ومن سفالة نفوس في أجسام تغر وتعجب، ومن تصميم على الإعراض عن طلب الحق والهدى، وعلى صد الناس عنه، وكان كل قسم من آيات السورة المفتتح ب إذا خص بغرض من هذه الأغراض. وقد علمت أن ذلك جرت إليه الإشارة إلى تكذيب عبد الله بن أبي بن سلول فيما حلف عليه من التنصل مما قاله.
وختمت بموعظة المؤمنين وحثهم على الإنفاق والادخار للآخرة قبل حلول الأجل.
١ - كسع ضربه على دبره، وكان ذلك لخصومة في حوض ماء شربت منه ناقة الأنصاري..
أُبَيٍّ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْحَادِثَة وَاحِدَة.
واضطراب الرَّاوِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي صِفَتِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ حَادِثَتَانِ فِي غَزَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» : أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي بَلَغَنِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا قُلْتُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَإِنَّ زَيْدًا لَكَاذِبٌ
. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقَالَةَ الْأُولَى قَالَهَا ابْنُ أُبَيٍّ فِي سَوْرَةِ غَضَبٍ تَهْيِيجًا لِقَوْمِهِ ثُمَّ خَشِيَ انْكِشَافَ نِفَاقِهِ فَأَنْكَرَهَا.
وَأَمَّا الْمَقَالَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّمَا أَدْرَجَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فِي حَدِيثِهِ وَإِنَّمَا قَالَهَا ابْنُ أُبَيٍّ فِي سُورَةِ
النَّاصِحِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ حِكَايَتِهَا.
وَعَلَى الْأَصَحِّ فَهِيَ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ تَكُونُ نَزَلَتْ مَعَ سُورَةِ بَرَاءَةٌ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ وَهُوَ بعيد.
أغراضها
فَضْحُ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ بِعَدِّ كَثِيرٍ مِنْ دَخَائِلِهِمْ وَتَوَلُّدِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضِ مِنْ كَذِبٍ، وَخَيْسٍ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَاضْطِرَابٍ فِي الْعَقِيدَةِ، وَمِنْ سَفَالَةِ نُفُوسٍ فِي أَجْسَامٍ تَغُرُّ وَتُعْجِبُ، وَمِنْ تَصْمِيمٍ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَعَلَى صَدِّ النَّاسِ عَنْهُ، وَكَانَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ آيَاتِ السُّورَةِ الْمُفْتَتَحِ بِ إِذا خُصَّ بِغَرَضٍ مِنْ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ. وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ جَرَّتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ إِلَى تَكْذِيبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَصُّلِ مِمَّا قَالَهُ.
وَخُتِمَتْ بِمَوْعِظَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَحَثِّهِمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالِادِّخَارِ لِلْآخِرَةِ قَبْلَ حُلُول الْأَجَل.
[١]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
— 233 —
(١)
لمَّا كَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عقب خُصُومَة الْمُهَاجِرِي والأنصاري وَمَقَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي شَأْنِ الْمُهَاجِرِينَ. تَعَيَّنَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ التَّعْرِيضُ بِكَذِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَبِنِفَاقِهِ فَصِيَغَ الْكَلَامُ بِصِيغَةٍ تَعُمُّ الْمُنَافِقِينَ لِتَجَنُّبِ التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ عَلَى طَرِيقَةِ
قَول النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ»
وَمُرَادُهُ مَوْلَى بَرِيرَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا لِعَائِشَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ، وَابْتُدِئَ بِتَكْذِيبِ مَنْ أُرِيدَ تَكْذِيبُهُ فِي ادِّعَائِهِ الْإِيمَانَ بِصدق الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ إِشْعَارًا بِأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَخَائِلِهِمْ، وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ، لِأَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ مَحْكِيًّا بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ عِبَارَاتٍ كَثِيرَةً تُفِيدُ مَعْنَى أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ نُطْقِهِمْ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ.
وَيَجُوزُ أَن يَكُونُوا تواطؤوا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ كُلَّمَا أَعْلَنَ أَحَدُهُمُ الْإِسْلَامَ. وَهَذَا أَلْيَقُ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِمْ بِكَلِمَةِ قالُوا دُونَ نَحْوِ: زَعَمُوا.
وإِذا ظَرْفٌ لِلزَّمَانِ الْمَاضِي بِقَرِينَةٍ جَعَلَ جُمْلَتَيْهَا مَاضِيَتَيْنِ، وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِفَعْلِ
قالُوا وَهُوَ جَوَابُ إِذا.
فَالْمَعْنَى: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
ونَشْهَدُ خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ إِذْ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ أَيِ الْمُعَايَنَةِ، وَالْمُعَايَنَةُ أَقْوَى طُرُقِ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ: أَشْهَدُ وَنَحْوِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْيَقِينِ فِي مَعْنَى الْقَسَمِ. وَكَثُرَ أَنْ يُجَابَ بِمِثْلِ مَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَهُ: نَشْهَدُ لَيْسَ إِنْشَاءً. وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلَهُ صِيغَةَ يَمِينٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ إِعْلَام النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإعلام الْمُسْلِمِينَ بِطَائِفَةٍ مُبْهَمَةٍ شَأْنُهُمُ النِّفَاقُ لِيَتَوَسَّمُوهُمْ وَيَخْتَبِرُوا أَحْوَالَهُمْ وَقَدْ يتلَقَّى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ تَعْيِينَهُمْ أَوْ تَعْيِينَ بَعْضِهِمْ.
— 234 —
والْمُنافِقُونَ جَمْعُ مُنَافِقٍ وَهُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ مُفَصَّلًا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَجُمْلَةُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ نَشْهَدُ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ لِدَفْعِ إِيهَامِ مَنْ يَسْمَعُ جُمْلَةَ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ أَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِجُمْلَةِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مَحْفُوفِينَ بِفِئَامٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَبْثُوثِينَ بَيْنَهُمْ هِجِّيرَاهُمْ فِتْنَةَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الْمَقَامُ مُقْتَضِيًا دَفَعَ الْإِيهَامِ وَهَذَا مِنَ الِاحْتِرَاسِ.
وَعُلِّقَ فِعْلُ يَعْلَمُ عَنِ الْعَمَلِ لِوُجُودِ (إِنَّ) فِي أَوَّلِ الْجُمْلَةِ وَقَدْ عَدُّوا (إِنَّ) الَّتِي فِي خَبَرِهَا لَامُ ابْتِدَاءِ مِنَ الْمُعَلَّقَاتِ لِأَفْعَالِ الْقَلْبِ عَنِ الْعَمَلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَامَ الِابْتِدَاءِ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَامُ جَوَابِ الْقَسَمِ وَأَنَّ حَقَّهَا أَنْ تَقَعَ قَبْلَ (إِنَّ) وَلَكِنَّهَا زُحْلِقَتْ فِي الْكَلَامِ كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ مُؤَكِّدَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهَ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ عَطَفٌ عَلَى جُمْلَةِ قالُوا نَشْهَدُ.
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ لِتُقَوِّيَ الْحُكْمَ.
وَجِيءَ بِفِعْلِ يَشْهَدُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ لِلْمُشَاكَلَةِ حَتَّى يَكُونَ إِبْطَالُ خَبَرِهِمْ مُسَاوِيًا لِإِخْبَارِهِمْ.
وَالْكَذِبُ: مُخَالَفَةُ مَا يُفِيدُهُ الْخَبَرُ لِلْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ، أَيِ الْوُجُودِ فَمَعْنَى كَوْنِ الْمُنَافِقِينَ كَاذِبُونَ هُنَا أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي إِخْبَارِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِأَن مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّ خَبَرَهُمْ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ بِهِ وَلَا يُوَافِقُ قَوْلُهُمْ مَا فِي نُفُوسِهِمْ. وَبِهَذَا بَطَلَ احْتِجَاجُ النَّظَّامِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ الْكَذِبَ مُخَالَفَةُ الْخَبَرِ لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ لِأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا نَشْهَدُ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الرَّدِّ الْقَزْوِينِيُّ فِي «تَلْخِيصِ الْمِفْتَاحِ» وَفِي «الْإِيضَاحِ».
وَجُمْلَةُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ مَبْنِيَّة لِجُمْلَةِ يَشْهَدُ مثل سابقتاها.
— 235 —

[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٢]

اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٢)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ فِي قَوْلهم للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المُنَافِقُونَ: ١] يُثِيرُ فِي أَنْفُسِ السَّامِعِينَ سُؤَالًا عَنْ أَيْمَانِهِمْ لَدَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِهِ وَأَنَّهُمْ لَا يُضْمِرُونَ بُغْضَهُ فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ تَقِيَّةً يَتَّقُونَ بِهَا وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالْحَلِفِ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَالْجُنَّةُ: مَا يُسْتَتَرُ بِهِ وَيُتَّقَى وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الدِّرْعُ جُنَّةً.
وَالْمَعْنَى: جَعَلُوا أَيْمَانَهُمْ كَالْجُنَّةِ يُتَّقَى بِهَا مَا يَلْحَقُ مِنْ أَذَى. فَلَمَّا شُبِّهَتِ الْأَيْمَانُ بِالْجُنَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَشْبِيهِ الْحَلِفِ بِاتِّخَاذِ الْجُنَّةِ، أَيِ اسْتِعْمَالِهَا، فَفِي اتَّخَذُوا اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِحَلِفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ»، كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِهَا، بَلْ هُوَ أَعَمُّ، وَلِذَلِكَ فَالْوَجْهُ حَمْلُ ضَمَائِرِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ الْآيَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيِ اتَّخَذَ الْمُنَافِقُونَ كُلُّهُمْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً، أَيْ كَانَتْ تِلْكَ تَقِيَّتُهُمْ، أَيْ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِيهِمْ.
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَفْرِيعٌ لِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِجَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا حَلَفُوا عَلَى الْكَذِبِ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ أَمِنُوا اتِّهَامَ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ بِالنِّفَاقِ فَاسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَكْرِ بِالْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ إِعْرَاضٌ عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِسُلُوكِهَا.
وَفِعْلُ (صَدُّوا) هُنَا قَاصِرٌ الَّذِي قِيَاسُ مُضَارِعِهِ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصَّادِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ تَذْيِيلٌ لِتَفْظِيعِ حَالِهِمْ عَنِ السَّامِعِ. وَسَاءَ مِنْ أَفْعَالِ الذَّمِّ تُلْحَقُ بِبِئْسَ عَلَى تَقْدِيرِ تَحْوِيلِ صِيغَةِ فِعْلِهَا عَنْ فَعَلَ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنِ إِلَى فَعُلَ الْمَضْمُومِهَا لِقَصْدِ إِفَادَةِ الذَّمِّ مَعَ إِفَادَةِ التَّعَجُّبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّحْوِيلِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَأَشَارَ إِلَيْهِ صَاحب «التسهيل».

[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٣]

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المُنَافِقُونَ: ٢].
وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [المُنَافِقُونَ: ٢]، أَيْ سَبَبُ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ الْمُتَعَجَّبِ مِنْ سُوئِهَا، هُوَ اسْتِخْفَافُهُمْ بِالْأَيْمَانِ وَمُرَاجَعَتُهُمُ الْكُفْرَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَرَسَخَ الْكُفْرُ فِي نُفُوسِهِمْ فَتَجَرَّأَتْ أَنْفُسُهُمْ على الجرائم وضريت بِهَا، حَتَّى صَارَتْ قُلُوبُهُمْ كَالْمَطْبُوعِ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَخْلُصَ إِلَيْهَا الْخَيْرُ.
فَقَوْلُهُ: بِأَنَّهُمْ آمَنُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَمَعْنَى الْبَاءِ السَّبَبِيَّةُ. وثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ فَإِنَّ إِبْطَالَ الْكُفْرِ مَعَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ أَعْظَمُ مِنَ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ. وَأَنَّ كُفْرَهُمْ أَرْسَخُ فِيهِمْ مِنْ إِظْهَارِ أَيْمَانِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَعَ ذَلِكَ التَّرَاخِي فِي الزَّمَنِ وَهُوَ الْمُهْلَةُ.
فَإِسْنَادُ فِعْلِ آمَنُوا إِلَيْهِمْ مَعَ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَاذَّبُونَ فِي قَوْلِهِمْ:
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المُنَافِقُونَ: ١] مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَإِنَّ مَرَاتِبَ الْمُنَافِقِينَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي النِّفَاقِ وَشِدَّةِ الْكُفْرِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنُوا لَمَّا سَمِعُوا آيَاتِ الْقُرْآنِ أَوْ لَاحَتْ لَهُمْ أَنْوَارٌ من النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَثْبُتْ فِي قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْكُفْرِ لِلَوْمِ أَصْحَابِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْ لِإِلْقَائِهِمُ الشَّكَّ فِي نُفُوسِهِمْ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ كَانَ هَذَا مَوْجُودا. قلت: وَلَعَلَّ الَّذِينَ تَابُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَرِيقِ. فَهَؤُلَاءِ إِسْنَادُ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَجَهُمْ خَاطَرُ الْإِيمَانِ فَتَرَدَّدُوا وَقَارَبُوا أَنْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ فَشَابَهَ أَوَّلُ حَالِهِمْ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ خُطُورِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ كَذِبًا وَهَذَا هُوَ الْفَرِيقُ الْأَكْثَرُ. وَلَيْسَ مَا أَظْهَرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِهِمْ: وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التَّوْبَة: ٧٤] فَسَمَّاهُ إِسْلَامًا وَلَمْ يُسَمِّهِ إِيمَانًا. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[الحجرات: ١٤]. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْإِيمَانِ عَلَى مَثْلِ هَذَا الْفَرِيقِ مَجَازٌ
بِعِلَاقَةِ الصُّورَةِ وَهُوَ كَإِسْنَادِ فِعْلِ يَحْذَرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ الْآيَةَ، فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [٦٤].
وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَيَيْهِ الْأَصْلِيِّ وَالْمَجَازِيِّ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَحْمِلَ فِعْلِ آمَنُوا.
وَلَوْ حُمِلَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أُبَيٍّ آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ فَيَكُونُ إِسْنَادُ آمَنُوا حَقِيقَةً وَتَكُونُ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ.
وَتَفْرِيعُ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ عَلَى قَوْلِهِ: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَصَارَ كُفْرُهُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ عَلَى الْوُجُوهِ السَّابِقَةِ سَبَبًا فِي سُوءِ أَعْمَالِهِمْ بِمُقْتَضَى بَاءِ السَّبَبِيَّةِ، وَسَبَبًا فِي انْتِفَاءِ إِدْرَاكِهِمُ الْحَقَائِقَ النَّظَرِيَّةَ بِمُقْتَضَى فَاءِ التَّفْرِيعِ.
وَالْفِقْهُ: فَهْمٌ لِلْحَقَائِقِ الْخَفِيَّةِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ دَلَائِلَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِّيَّتَهُ.
[٤]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٤]
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ.
هَذَا انْتِقَالٌ إِلَى وَضْحِ بَعْضِ أَحْوَالِهِمُ الَّتِي لَا يبرزونها إِذا جاؤوا إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهَا تَبْرُزُ مِنْ مُشَاهَدَتِهِمْ، فَكَانَ الْوَضْحُ الْأَوَّلُ مُفْتَتَحًا بِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [الْمُنَافِقُونَ:
١] وَهَذَا الْوَضْحُ مُفْتَتَحًا بِ إِذا رَأَيْتَهُمْ.
فَجُمْلَةُ وَإِذا رَأَيْتَهُمْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [المُنَافِقُونَ: ٣] وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاحْتِرَاسِ وَالتَّتْمِيمِ لِدَفْعِ إِيهَامِ مَنْ يَغُرُّهُ ظَاهِرُ صُوَرِهِمْ.
وَاتْبِعَ انْتِفَاءُ فِقْهِ عُقُولِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى عَدَمِ الِاغْتِرَارِ بِحُسْنِ صُوَرِهِمْ فَإِنَّهَا أَجْسَامٌ خَالِيَةٌ عَنْ كَمَالِ الْأَنْفُسِ كَقَوْلِ حَسَّانَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ:
لَا بَأْسَ بِالْقَوْمِ مِنْ طُولٍ وَمِنْ غِلَظٍ جِسْمُ الْبِغَالِ وَأَحْلَامُ الْعَصَافِيرِ
وَتُفِيدُ مَعَ الِاحْتِرَاسِ تَنْبِيهًا عَلَى دَخَائِلِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ حُذِفَ حَرْفُ الْعَطْفِ مِنْ
— 238 —
الْجُمْلَتَيْنِ
لَصَحَّ وُقُوعُهُمَا مَوْقِعَ الِاسْتِئْنَافِ الِابْتِدَائِيِّ. وَلَكِنْ أُوثِرَ الْعَطْفُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَاتَيْنِ صِفَتَانِ تُحْسَبَانِ كَمَالًا وَهُمَا نَقِيصَتَانِ لِعَدَمِ تَنَاسُقِهِمَا مَعَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا. فَإِنَّ جَمَالَ النَّفْسِ كَجَمَالِ الْخِلْقَةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّنَاسُبِ بَيْنَ الْمَحَاسِنِ وَإِلَّا فَرُبَّمَا انْقَلَبَ الْحَسَنُ مُوجِبَ نَقْصٍ.
فَالْخِطَابُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ يَرَاهُمْ مِمَّنْ يَظُنُّ أَنْ تَغُرَّهُ صُوَرُهُمْ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَأَوْقَفَهُ عَلَى تَعْيِينِهِمْ فَهُوَ كَالْخِطَابِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [١٨] لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ أَوْ عَدَدٌ مَحْدُودٌ إِذْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمُنَافِقِينَ أَحَاسِنَ الصُّوَرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَحِيحًا صَبِيحًا ذَلْقَ اللِّسَانِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمُرَادُ ابْنُ أُبَيٍّ وَالْجِدُّ بْنُ قَيْسٍ وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ كَانَتْ لَهُمْ أَجْسَامٌ وَمَنْظَرٌ وَفَصَاحَةٌ. وَقَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : وَقَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي مِثْلِ صِفَةِ ابْنِ أُبَيٍّ رُؤَسَاءُ الْمَدِينَةِ.
وَأَجْسَامُ: جَمْعُ جِسْمٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ أَوْ مَا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٧]. وَجُمْلَةُ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَإِذا رَأَيْتَهُمْ إِلَخْ وَبَيْنَ جُمْلَةِ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ.
وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاعِ فِي قَوْلِهِ: تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ الْإِصْغَاءُ إِلَيْهِمْ لِحُسْنِ إِبَانَتِهِمْ وَفَصَاحَةِ كَلَامِهِمْ مَعَ تَغْرِيرِهِمْ بِحَلَاوَةِ مَعَانِيهِمْ تَمْوِيهَ حَالِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِقَوْلِهِمْ لِتَضْمِينَ تَسْمَعْ مَعْنَى: تُصْغِ أَيُّهَا السَّامِعُ، إِذْ لَيْسَ فِي الْإِخْبَارِ بِالسَّمَاعِ لِلْقَوْلِ فَائِدَةٌ لَوْلَا أَنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنَى الْإِصْغَاءِ لِوَعْيِ كَلَامِهِمْ.
وَجُمْلَةُ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ يَنْشَأُ عَنْ وَصْفِ حُسْنِ أَجْسَامِهِمْ وَذَلَاقَةِ كَلَامِهِمْ، فَإِنَّهُ فِي صُورَةِ مَدْحٍ فَلَا يُنَاسِبُ مَا قَبْلَهُ مِنْ ذَمِّهِمْ فَيَتَرَقَّبُ السَّامِعُ مَا يَرِدُ بَعْدَ هَذَا الْوَصْفِ.
— 239 —
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِي الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ حُسْنَ صُوَرِهِمْ لَا نَفْعَ فِيهِ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِلْمُسْلِمِينَ.
وخُشُبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ خَشَبَةٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَهُوَ جَمْعٌ نَادِرٌ لَمْ يُحْفَظْ إِلَّا فِي ثَمَرَةٍ، وَقِيلَ: ثُمُرٌ جَمْعُ ثِمَارٍ الَّذِي هُوَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ فَيَكُونُ ثُمُرٌ جَمْعَ جَمْعٍ. فَيَكُونُ خُشُبٌ عَلَى مِثَالِ جَمْعِ الْجَمْعِ وَإِنَّ لم يسمع مفرده. وَيُقَالُ: خُشْبٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَهُوَ جَمْعُ خَشَبَةٍ لَا مَحَالَةَ، مِثْلَ: بُدْنٌ جَمْعُ بَدَنَةٍ.
وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِضَمَّتَيْنِ. وَقَرَأَهُ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ وَيَعْقُوبَ بِضَمَّةٍ فَسُكُونٍ.
وَالْمُسَنَّدَةُ الَّتِي سُنِّدَتْ إِلَى حَائِطٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَيْ أُمِيلَتْ إِلَيْهِ فَهِيَ غَلِيظَةٌ طَوِيلَةٌ قَوِيَّةٌ لَكِنَّهَا غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهَا فِي سَقْفٍ وَلَا مَشْدُودٍ بِهَا جِدَارٌ. شُبِّهُوا بِالْخُشُبِ الْمُسَنَّدَةِ تَشْبِيهَ التَّمْثِيلِ فِي حُسْنِ الْمَرْأَى وَعَدَمِ الْجَدْوَى، أُفِيدَ بِهَا أَنَّ أَجْسَامَهُمُ الْمُعْجَبَ بِهَا وَمَقَالَهُمُ الْمُصْغَى إِلَيْهِ خَالِيَانِ عَنِ النَّفْعِ كَخُلُوِّ الْخُشُبِ الْمُسَنَّدَةِ عَنِ الْفَائِدَةِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ حَسِبْتُمُوهُمْ أَرْبَابَ لُبٍّ وَشَجَاعَةٍ وَعِلْمٍ وَدِرَايَةٍ. وَإِذَا اخْتَبَرْتُمُوهُمْ وَجَدْتُمُوهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا تَحْتَفِلُوا بِهِمْ.
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ.
هَذِهِ الْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الْبَعْضِ مِنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، أَيْ مِنْ مُخَالَفَةِ بَاطِنِهِمُ الْمُشَوَّهِ لِلظَّاهِرِ الْمُمَوَّهِ، أَيْ هُمْ أَهْلُ جُبْنٍ فِي صُورَةِ شُجْعَانَ.
وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا فَضَحَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ دَخَائِلِهِمْ وَمَطَاوِي نُفُوسِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَوَاقِعُهَا مِنْ تَفَنُّنِ أَسَالِيبِ النَّظْمِ، فَهِيَ مُشْتَرِكَةٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ.
وَالصَّيْحَةُ: الْمَرَّةُ مِنَ الصِّيَاحِ، أَيْ هُمْ لِسُوءِ مَا يُضْمِرُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَدَاوَةِ
— 240 —
لَا يَزَالُونَ يَتَوَجَّسُونَ خِيفَةً مِنْ أَنْ يَنْكَشِفَ أَمْرُهُمْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ فِي خَوْفٍ وَهَلَعٍ إِذَا سَمِعُوا صَيْحَةً فِي خُصُومَةٍ أَوْ أُنْشِدَتْ ضَالَّةٌ خَشَوْا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَارَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ لِلْإِيقَاعِ بِهِمْ.
وكُلَّ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَوَجَّسُونَ خَوْفًا مِنْ صَيْحَاتٍ لَا يَعْلَمُونَ أَسْبَابَهَا كَمَا اسْتَعْمَلَهُ النَّابِغَةُ فِي قَوْلِهِ:
بِهَا كُلُّ ذَيَّالٍ وَخَنْسَاءَ تَرْعَوِي إِلَى كُلِّ رَجَّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فَارِدِ
وَقَوْلُهُ: عَلَيْهِمْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِفَعْلِ يَحْسَبُونَ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ صَيْحَةٍ.
هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ.
يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ جُمْلَةِ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ لِغَرَابَةِ مَعْنَاهَا تُثِيرُ سُؤَالًا عَنْ سَبَبِ هَلَعِهِمْ وَتَخَوُّفِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا يَتَخَيَّلُ مِنْهُ بَأْسُ الْمُسْلِمِينَ فَيُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِأَنِّهُمْ أَعْدَاءٌ أَلَدَّاءٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَرْآةِ نُفُوسِهِمْ فَكَمَا هُمْ يَتَرَبَّصُونَ بِالْمُسْلِمِينَ الدَّوَائِرَ وَيَتَمَنَّوْنَ الْوَقِيعَةَ بِهِمْ فِي حِينَ يُظْهِرُونَ لَهُمُ الْمَوَدَّةَ كَذَلِكَ يَظُنُّونَ بِالْمُسْلِمِينَ التَّرَبُّصَ بِهِمْ وَإِضْمَارَ الْبَطْشِ بِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوُهُّمِ
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ لِجُمْلَةِ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِذِكْرِ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ تَهُمُّ الْمُسْلِمِينَ مَعْرِفَتُهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا تَفْرِيعُ فَاحْذَرْهُمْ وَعَلَى كُلِّ التَّقَادِيرِ فَنَظْمُ الْكَلَامِ وَافٍ بِالْغَرَضِ مِنْ فَضْحِ دَخَائِلِهِمْ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعَدُوُّ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الدَّالِّ عَلَى مُعَيَّنِ كَمَالِ حَقِيقَةِ الْعَدُوِّ فِيهِمْ، لِأَنَّ أَعْدَى الْأَعَادِي الْعَدُوُّ الْمُتَظَاهِرُ بِالْمُوَالَاةِ وَهُوَ مَدَّاحٌ وَتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدَّاءُ الدَّوِيُّ.
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى رَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِالْحَذَرِ مِنْهُمْ.
— 241 —
والْعَدُوُّ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ. وَالْمُرَادُ: الْحَذَرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِظَوَاهِرِهِمُ الْخَلَّابَةِ لِئَلَّا يُخْلِصَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِسِرِّهِمْ وَلَا يَتَقَبَّلُوا نَصَائِحَهُمْ خَشْيَةَ الْمَكَائِدِ.
وَالْخطاب للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَلِّغَهُ الْمُسْلِمِينَ فَيَحْذَرُوهُمْ.
قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
تَذْيِيلٌ فَإِنَّهُ جَمَعَ عَلَى الْإِجْمَالِ مَا يَغْنِي عَنْ تَعْدَادِ مَذَامِّهِمْ (كَقَوْلِهِ أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [النِّسَاء: ٦٣]، مَسُوقٌ لِلتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ تَوَغُّلِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ بِعُدُولِهِمْ عَنِ الْحَقِّ.
فَافْتُتِحَ التَّعْجِيبُ مِنْهُمْ بِجُمْلَةٍ أَصْلُهَا دُعَاءٌ بِالْإِهْلَاكِ وَالِاسْتِئْصَالِ وَلَكِنَّهَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي التَّعَجُّبِ أَوْ التَّعْجِيبِ مِنْ سُوءِ الْحَالِ الَّذِي جَرَّهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
الْكَلِمِ الَّتِي هِيَ دُعَاءٌ بِسُوءٍ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ مَكْرُوهٍ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، وَوَيْلُ أُمِّهِ. وَتَرِبَتْ يَمِينُهُ. وَاسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي التَّعَجُّبِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ لِلْمُلَازَمَةِ بَيْنَ بُلُوغِ الْحَالِ فِي السُّوءِ وَبَيْنَ الدُّعَاءِ عَلَى صَاحبه بِالْهَلَاكِ، إِذْ لَا نفع لَهُ وَلَا للنَّاس فِي بَقَائِهِ، ثمَّ الْمُلَازمَة بَين الدُّعَاء بِالْهَلَاكِ وَبَيْنَ التَّعَجُّبِ مِنْ سُوءِ الْحَالِ. فَهِيَ مُلَازَمَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ كِنَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.
وأَنَّى هُنَا اسْمُ اسْتِفْهَامٍ عَنِ الْمَكَانِ. وَأَصَّلُ أَنَّى ظَرْفُ مَكَانٍ وَكَثُرَ تَضْمِينُهُ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ فِي اسْتِعْمَالَاتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ فَيُفَسَّرُ بِمَعْنَى (كَيْفَ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا فِي سُورَةِ عِمْرَانَ [١٦٥]، وَفِي قَوْلِهِ: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى فِي سُورَةِ الدُّخَانِ [١٣]. وَمِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْعَجِيبَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ حَالِ حُصُولِهِ.
فَالِاسْتِفْهَامُ عَنْهُ مِنْ لَوَازِمِ أُعْجُوبَتِهِ. فَجُمْلَةُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ بَيَانٌ لِلتَّعْجِيبِ الْإِجْمَالِيِّ الْمُفَادِ بِجُمْلَةِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ.
— 242 —
وَ (يُؤْفَكُونَ) يُصْرَفُونَ يُقَالُ: أَفَكَهُ، إِذَا صَرَفَهُ وَأَبْعَدَهُ، وَالْمُرَادُ: صَرَفَهُمْ عَنِ الْهُدَى، أَيْ كَيْفَ أَمْكَنَ لَهُمْ أَنْ يَصْرِفُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الْهُدَى، أَوْ كَيْفَ أَمْكَنَ لِمُضَلِّلِيهِمْ أَنْ يَصْرِفُوهُمْ عَنِ الْهُدَى مَعَ وُضُوحِ دَلَائِلِهِ.
وَتقدم نَظِير هَذِه الْآيَةِ فِي سُورَة بَرَاءَة.
[٥]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٥]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)
هَذَا حَالُهُمْ فِي الْعِنَادِ ومجافاة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي الْآخِرَةِ، بَلْهَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْفَوْزِ فِيهَا.
وتَعالَوْا طَلَبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِ بِالْحُضُورِ عِنْدَ الطَّالِبِ، وَأَصْلُهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ التَّعَالِي، وَهُوَ تَكَلُّفُ الْعُلُوِّ، أَيِ الصُّعُودِ، وَتُنُوسِيَ ذَلِكَ وَصَارَ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْحُضُورِ، فَلَزِمَ حَالَةً وَاحِدَةً فَصَارَ اسْمَ فِعْلٍ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٥١].
وَهَذَا الطَّلَبُ يَجْعَل تَعالَوْا مشْعر بِأَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِ انْفِرَادِهِمْ فِي جَمَاعَتِهِمْ
فَهِيَ ثَالِثُ الْأَغْرَاضِ مِنْ بَيَانِ مُخْتَلَفِ أَنْوَاعِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَقَدِ ابْتُدِأَتْ بِ إِذا كَمَا ابْتُدِئَ الْغَرَضَانِ السَّابِقَانِ بِ إِذا إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [الْمُنَافِقُونَ: ١]. وإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ
[المُنَافِقُونَ: ٤].
وَالْقَائِلُ لَهُمْ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ وَعَظُوهُمْ وَنَصَحُوهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْضٌ مِنْهُمُ اهْتَدَى وَأَرَادَ الْإِنَابَةَ.
قِيلَ الْمَقُولُ لَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوُجُوهِ فِي ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [الْمُنَافِقُونَ: ١] وَمَا بَعْدَهُ.
وَالْمَعْنَى: اذْهَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَسَلُوهُ الِاسْتِغْفَارَ لكم. وَهَذَا بدل دَلَالَةَ اقْتِضَاءٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تُوبُوا مِنَ النِّفَاقِ وَأَخْلِصُوا الْإِيمَانَ وَسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكُمْ مَا فَرَطَ مِنْكُمْ، فَكَانَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ مُطَّلِعًا عَلَى نِفَاقِهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي
سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٣] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ الصَّفْحَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ «لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ». لِأَنَّ ابْنَ أُبَيٍّ ذَهَبَ إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبَرَّأَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المُنَافِقُونَ: ٦].
وليّ الرؤوس: إِمَالَتُهَا إِلَى جَانِبٍ غَيْرِ وُجَاهِ الْمُتَكَلِّمِ. إِعْرَاضًا عَنْ كَلَامِهِ، أَيْ أَبَوْا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَنَّهُمْ ثَابِتُونَ عَلَى النِّفَاقِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ رَاجِعِينَ فِيمَا قَالُوهُ مِنْ كَلَامٍ بَذِيءٍ فِي جَانِبِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِئَلَّا يُلْزَمُوا بِالِاعْتِرَافِ بِمَا نُسِبَ إِلَيْهِمْ مِنَ النِّفَاقِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَوَّوْا بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْأُولَى مُضَاعَفُ لَوَى لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْكَثْرَةِ فَيَقْتَضِي كَثْرَةَ اللَّيِّ مِنْهُمْ، أَيْ لَوَى جَمْعٌ كثير مِنْهُم رؤوسهم، وقرأه نَافِعٌ وَرَوْحُ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ الْأُولَى اكْتِفَاءً بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ.
وَالْخِطَابُ فِي وَرَأَيْتَهُمْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَيْ وَرَأَيْتَهُمْ يَا مَنْ يَرَاهُمْ حِينَئِذٍ.
وَجُمْلَةُ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ يَصُدُّونَ، أَيْ يَصُدُّونَ صَدَّ الْمُتَكَبِّرِ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِغْفَارِ.
[٦]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٦]
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكَايَةِ أَحْوَالِهِمْ نَشَأَتْ لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [المُنَافِقُونَ: ٥] إِلَخْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْكِيبَ: سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَكَذَا أَمْ كَذَا، وَنَحْوَهُ مِمَّا جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ فَيَلْزَمُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَعَ مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ ضَمَائِرِ الْمُخْبِرِ عَنْهُ. وَمَدْلُولُهُ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ لَدَى الْمَجْرُورِ بِحَرْفِ (عَلَى)، وَلِذَلِكَ يُعَقَّبُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ جِهَةَ الِاسْتِوَاءِ كَجُمْلَةِ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
وَجُمْلَةِ لَا يُؤْمِنُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦]. وَقَوْلُهُ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فِي سُورَةِ يس [١٠] وَأَمَّا مَا يُنْسَبُ إِلَى بُثَيْنَةَ فِي رِثَاءِ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ مِنْ قَوْلِهَا:
— 244 —
سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةِ وَلِينُهَا
فَلَا أَحْسَبُهُ صَحِيحَ الرِّوَايَةِ.
وَسَوَاءٌ اسْمٌ بِمَعْنَى مُسَاوٍ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْجَامِدِ فِي الْغَالِبِ فَلَا يَتَغَيَّرُ خَبَرُهُ نَقُولُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهُمْ سَوَاء. وشذ قَوْلهم: سِوَاءَيْنِ.
وَ (عَلَى) مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى تَمَكُّنِ الْوَصْفِ. فَالْمَعْنَى: سَوَاءٌ فِيهِمْ.
وَهَمْزَةُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَصْلُهَا هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ بِمَعْنَى: سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ وُقُوعِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَسُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ عَدَمِ وُقُوعِهِ. وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مَجَازِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنْ قِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِكَلَا الْحَالَيْنِ بِقَرِينَةِ لَفْظِ سَوَاءٍ وَلِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحَاةُ هَذِهِ الْهَمْزَةَ التَّسْوِيَةَ. وَتَقَدِّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦]، أَيْ سَوَاءٌ عِنْدَهُمُ اسْتِغْفَارُكَ لَهُمْ وَعَدَمُهُ. فَ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ التَّمَكُّن والتلبس فتؤول إِلَى مَعْنَى (عِنْدَ) كَمَا تَقُولُ سَوَاءٌ عَلَيَّ أَرَضِيتُ أَمْ غَضِبْتُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٣٦].
وَجُمْلَةُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ سَواءٌ عَلَيْهِمْ وَجُمْلَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ [المُنَافِقُونَ: ٧] وَهِيَ وَعِيدٌ لَهُمْ وَجَزَاءٌ عَلَى اسْتِخْفَافِهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا عَنْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ تَعْلِيلٌ لِانْتِفَاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ اللُّطْفَ وَالْعِنَايَةَ
— 245 —

[٧]

[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٧]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا.
هَذَا أَيْضًا مِنْ مَقَالَاتِهِمْ فِي مَجَامِعِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ يَقُولُونَهَا لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يُنْفِقُونَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ تَظَاهُرًا بِالْإِسْلَامِ كَأَنَّهُمْ يَقُولُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ تَظَاهَرِ الْإِسْلَامَ بِغَيْرِ الْإِنْفَاقِ مثل قَوْلهم لمن يَقُول لَهُم تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُول الله، وَلذَلِك عُقِّبَتْ بِهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَالِعَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإِسْنَادُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ تَقَبَّلُوهُ مِنْهُ إِذْ هُوَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ أَوْ فَشَا هَذَا الْقَوْلُ بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ فَأَخَذُوا يَبُثُّونَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ.
وَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ الِاسْتِئْنَافُ الِابْتِدَائِيُّ الْمُعْرِبُ عَنْ مَكْرِهِمْ وَسُوءِ طَوَايَاهُمُ انْتِقَالًا مِنْ وَصْفِ إِعْرَاضِهِمْ عِنْدَ التَّقَرُّبِ من الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى وَصْفِ لَوْنٍ آخَرِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَهُوَ الْكَيْدُ لِلدِّينِ فِي صُورَةِ النَّصِيحَةِ.
وَافْتُتِحَتِ الْجُمْلَةُ بِضَمِيرِهِمُ الظَّاهِرِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِالْمُسْتَتِرِ فِي يَقُولُونَ مُعَامَلَةً لَهُمْ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَتَرُوا كَيْدَهُمْ بِإِظْهَارِ قَصْدِ النَّصِيحَةِ فَفَضَحَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ بِمَزِيدِ التَّصْرِيحِ، أَيْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ هَذَا. وَفِي إِظْهَارِ الضَّمِيرِ أَيْضًا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ [ص: ٦٠]. وَلِيَكُونَ لِلْجُمْلَةِ الْإِسْمِيَّةِ إِفَادَةُ ثَبَاتِ الْخَبَرِ، وَلِيَكُونَ الْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ مُشْعِرًا بِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ. وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ فِي يَقُولُونَ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَتَكَرَّرُ مِنْهُمْ لِقَصْدِ إِفْشَائِهَا.
ومَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ كَانُوا فِي رِعَايَتِهِ مِثْلَ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَمَنْ كَانُوا يَلْحَقُونَ بِالْمَدِينَةِ من الْأَعْرَاب العفاة أَو فريق مِنَ الْأَعْرَابِ كَانَ يُمَوِّنُهُمْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شَدَّةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهَ بْنُ أُبَيٍّ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ
حَوْلِهِ»

وَهَذَا كَلَامُ مَكْرٍ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ قَصْدُ الرِّفْقِ برَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلْفَةِ إِنْفَاقِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَلَمُّوا بِهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَبَاطِنَهُ إِرَادَةُ إِبْعَادِ الْأَعْرَابِ عَنْ تَلَقِّي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ وَعَنْ أَنْ يَتَقَوَّى بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ تُفَرُّقُ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ لِتَضْعُفَ بِتَفَرُّقِهِمْ بَعْضُ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَرِوَايَاتُ حَدِيثِ زَيْدٍ مُخْتَلِطَةٌ.
وَقَوْلُهُ: رَسُولِ اللَّهِ يُظْهِرُ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ
— 246 —
الْمُنَافِقِينَ بِهَذَا اللَّفْظِ إِذَا كَانُوا قَالُوا ذَلِكَ جَهْرًا فِي مَلَأِ الْمُسْلِمِينَ إِذْ هُمْ يَتَظَاهَرُونَ سَاعَتَئِذٍ بِالْإِسْلَامِ.
وحَتَّى مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّعْلِيلِ بِطَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ لِأَنَّ مَعْنَى حَتَّى انْتِهَاءُ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهَا وَغَايَةُ الْفِعْلِ يَنْتَهِي الْفَاعِلُ عَنِ الْفِعْلِ إِذَا بَلَغَهَا، فَهِيَ سَبَبٌ لِلِانْتِهَاءِ وَعِلَّةٌ لَهُ، وَلَيْسَ المُرَاد فَإِذا نفضوا فَأَنْفَقُوا عَلَيْهِمْ.
وَالِانْفِضَاضُ: التَّفَرُّقُ وَالِابْتِعَادُ.
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ.
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إبِْطَال لِمَكْرِ الْمُنَافِقِينَ فِيمَا قَصَدُوهُ مِنْ قَوْلِهِمُ الْمُتَظَاهِرِينَ بِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهِ نُصْحَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ لَوْ تَمَشَّتْ حِيلَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَمْسَكُوا هُمْ وَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ إِنْفَاقِ الْأَعْرَابِ وَمَنْ يَأْوُونَ إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعُفَاةِ، فَإِن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْطَعُ عَنْهُمُ الْإِنْفَاقَ وَذَلِكَ دَأْبُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ
حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ فَقَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ فَإِذَا جَاءَنِي شَيْءٌ قَضَيْتُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فكره النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ عُمَرَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا. فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ لِقَوْلِ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ «الشَّمَائِلِ»
. وَهَذَا جَوَابٌ مِنْ بَابِ طَرِيقَةِ النَّقْضِ لِكَلَامِهِمْ فِي مُصْطَلَحِ آدَابِ الْبَحْثِ.
وخَزائِنُ جَمْعُ خِزَانَةٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ. وَهِيَ الْبَيْتُ الَّذِي تُخَزِّنُ فِيهِ الطَّعَامُ قَالَ تَعَالَى:
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٥٥]. وَتُطْلَقُ عَلَى الصُّنْدُوقِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الْمَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ وَعَلَى بُيُوتِ الْكُتُبِ
— 247 —
وَصَنَادِيقِهَا، وَمِنْ هَذَا
مَا
جَاءَ فِي حَدِيثِ الصَّرْفِ مِنَ «الْمُوَطَّأِ» «حَتَّى يَحْضُرَ خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ».
وخَزائِنُ السَّماواتِ مَقَارُّ أَسْبَابِ حُصُولِ الْأَرْزَاقِ مِنْ غُيُوثٍ رَسْمِيَّةٍ وَأَشِعَّةِ الشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ الصَّالِحَةِ فَيَأْتِي ذَلِكَ بِتَوْفِيرِ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَخِصْبِ الْمَرْعَى وَتَزَايُدِ النِّتَاجِ. وَأَمَّا خَزَائِنُ الْأَرْضِ فَمَا فِيهَا مِنْ أَهْرِيَةٍ وَمَطَامِيرَ وَأَنْدُرٍ، وَمِنْ كُنُوزِ الْأَحْوَالِ وَمَا يَفْتَحُ الله لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْبِلَاد وَمَا يفِيء عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى.
وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ الْملك أَيِ التَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ مَلِكٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُعِينُ عَلَى ظُهُورِ الدِّينِ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ الْخَزَائِنَ لِلَّهِ كِنَايَةً عَنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُصُولَ مَا يُنْفِقُ مِنْهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قَالَ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ «وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» «بِهَذَا أُمِرْتُ». وَذَلِكَ بِمَا سَيَّرَهُ الله لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ زَكَوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَغَنَائِمِ الْغَزَوَاتِ، وَمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ بِخَيْرَاتِهَا، وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ.
وَتَقْدِيُمُ الْمَجْرُورِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لِإِفَادَةِ قَصْرِ الْقَلْبِ وَهُوَ قَلْبٌ لِلَازِمِ قَوْلِهِمْ لَا لِصَرِيحِهِ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمَّا قَالُوا: لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَسِبُوا أَنَّهُمْ إِذَا قَطَعُوا الْإِنْفَاقَ عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لَا يجد الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُبَاشَرَةً وَأَعْلَمَهُمْ تَبَعًا بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرِّزْقِ أَعْظَمُ وَأَوْسَعُ.
وَاسْتَدْرَاكُ قَوْلِهِ: وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ لِرَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُمْ حِينَ قَالُوا:
لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ كَانُوا قَالُوهُ عَنْ بَصِيرَةٍ وَيَقِينٍ بِأَنَّ انْقِطَاعَ إِنْفَاقِهِمْ عَلَى الَّذِينَ يَلُوذُونَ برَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقطع رِزْقَهُمْ فَيَنْفَضُّونَ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِنْفَاقِ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمْ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْأَحْوَالِ وَقَدْ غَفَلُوا عَنْ تَعَدُّدِ أَسْبَابِ الْغِنَى وَأَسْبَابِ الْفَقْرِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ دَقَائِقَ الْمُدْرَكَاتِ وَخَفَايَاهَا.
وَمَفْعُولُ يَفْقَهُونَ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ وَهُوَ مَضْمُونُ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَوْ نُزِّلَ الْفِعْلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ مُبَالَغَةً فِي انْتِفَاءِ فَقْهِ الْأَشْيَاءِ عَنْهُمْ فِي كل حَال.
— 248 —

[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٨]

يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)
اسْتِئْنَافٌ ثَانٍ عَلَى أُسْلُوبِ التَّعْدَادِ وَالتَّكْرِيرِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ. وَمِثْلُهُ يَكْثُرُ فِي مَقَامِ التَّوْبِيخِ. وَهَذَا وَصْفٌ لِخُبْثِ نَوَايَاهُمْ إِذْ أَرَادُوا التَّهْدِيدَ وَإِفْسَادَ إِخْلَاصِ الْأَنْصَارِ وَأُخُوَّتِهِمْ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ بِإِلْقَاءِ هَذَا الْخَاطِرِ فِي نُفُوسِ الْأَنْصَارِ بَذْرًا لِلْفِتْنَةِ وَالتَّفْرِقَةِ وَانْتِهَازًا لِخُصُومَةٍ طَفِيفَةٍ حَدَثَتْ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مِنْ مَوَالِيَ الْفَرِيقَيْنِ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ هُنَا صَدَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ كَسَعَ حَلِيفُ الْمُهَاجِرِينَ حَلِيفَ الْأَنْصَارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [المُنَافِقُونَ: ٧] فَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُنَافِقِينَ هُنَا كَإِسْنَادِهِ هُنَاكَ.
وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ فِي حِكَايَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٤]. وَالْمَدِينَةُ هِيَ مَدِينَتُهُمُ الْمَعْهُودَةُ وَهِيَ يَثْرِبُ.
والْأَعَزُّ: الْقَوِيُّ الْعِزَّةُ وَهُوَ الَّذِي لَا يُقْهَرُ وَلَا يُغْلَبُ عَلَى تَفَاوُتٍ فِي مِقْدَارِ الْعِزَّةِ إِذْ هِيَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وَالْعِزَّةُ تَحْصُلُ بِوَفْرَةِ الْعَدَدِ وَسِعَةِ الْمَالِ وَالْعُدَّةِ، وَأَرَادَ بِ الْأَعَزُّ فَرِيقَ الْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَأَرَادَ لَيُخْرِجَنَّ الْأَنْصَارَ مِنْ مَدِينَتِهِمْ مَنْ جَاءَهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ كَلَامَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ جَوَابٌ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ فِي عِلْمِ الْجَدَلِ وَهِيَ مِمَّا يُسَمَّى بِالتَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ فِي عِلْمِ آدَابِ الْبَحْثِ.
وَالْمَعْنَى: إِنْ كَانَ الْأَعَزُّ يُخْرُجُ الْأَذَلَّ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْفَرِيقُ الْأَعَزُّ. وَعِزَّتُهُمْ بِكَوْن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ وَبِتَأْيِيدِ الله رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلِيَاءَهُ لِأَنَّ عِزَّةَ اللَّهِ هِيَ الْعِزَّةُ الْحَقُّ الْمُطْلَقَةُ، وَعَزَّةُ غَيْرِهِ نَاقِصَةٌ، فَلَا جَرَمَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ لَا يُقْهَرُونَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَصْرَهُمْ وَوَعْدَهُمْ بِهِ. فَإِنْ كَانَ إِخْرَاجٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَإِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْهَا أَنْتُمْ يَا أَهْلَ النِّفَاقِ.
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ لِقَصْدِ الْقَصْرِ وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ، أَيْ الْعِزَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ لَا لَكُمْ كَمَا تَحْسَبُونَ.
وَإِعَادَةُ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: وَلِرَسُولِهِ مَعَ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ مُغْنٍ عَنْهَا لِتَأْكِيدِ عزّة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهَا بِسَبَبِ عِزَّةِ اللَّهِ وَوَعْدِهِ إِيَّاهُ، وَإِعَادَةُ اللَّامِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَلِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا إِذْ قَدْ تَخْفَى عِزَّتُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فِي حَالِ قِلَّةٍ وَحَاجَةٍ.
وَالْقَوْلُ فِي الِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ نَظِيرُ الْقَوْلِ آنِفًا فِي
قَوْلِهِ: وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ [المُنَافِقُونَ: ٧].
وَعُدِلَ عَنِ الْإِضْمَارِ فِي قَوْلِهِ: وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ. وَقَدْ سَبَقَ اسْمُهُمْ فِي نَظِيرِهَا قَبْلَهَا لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلَالَةِ بِذَاتِهَا فَتَسِيرُ سَيْرَ الْمَثَلِ.
وَإِنَّمَا نُفِيَ عَنْهُمْ هُنَا الْعِلْمُ تَجْهِيلًا بِسُوءِ التَّأَمُّلِ فِي أَمَارَاتِ الظُّهُورِ وَالِانْحِطَاطِ فَلَمْ يَفْطَنُوا لِلْإِقْبَالِ الَّذِي فِي أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَازْدِيَادِ سُلْطَانِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا وَتَنَاقُصٍ مِنْ أَعْدَائِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فَكَيْفَ يَظُنُّ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ عِزَّتَهُمْ أَقْوَى مِنْ عِزَّةِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يَسْقُطُونَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ كُلَّمَا غَزَوهُمْ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ فَمَا بعده.
[٩]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ٩]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩)
انْتِقَالٌ مِنْ كَشْفِ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ الْمَسُوقِ لِلْحَذَرِ مِنْهُمْ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ صِفَاتِهِمْ، إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَشْغَلَ عَنِ التَّذَكُّرِ لِمَا أَمْرَ اللَّهُ وَنَهَى، ثُمَّ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَجَمَاعَتِهِمْ وَإِسْعَافِ آحَادِهِمْ، لِئَلَّا يَسْتَهْوِيَهُمْ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الْمُنَافِقين: ٧] وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَلِكَ قَبْلَ إِتْيَانِ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يُدْرَى وَقْتُ حُلُولِهِ حِينَ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ قَدْ تَأَخَّرَ أَجَلُهُ لِيَزِيدَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَلَا يَنْفَعُهُ التَّمَنِّي وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ [المُنَافِقُونَ: ١٠]، فَالْمُنَاسِبَةُ لِهَذَا الِانْتِقَالِ هُوَ حِكَايَةُ مَقَالِ الْمُنَافِقِينَ وَلِذَلِكَ قدم ذكر الْأَمْوَال عَلَى ذِكْرِ الْأَوْلَادِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ بِحَسَبِ السِّيَاقِ.
— 250 —
وَنُودِيَ الْمُخَاطَبُونَ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّهَمُّمِ لِامْتِثَالِ النَّهْيِ.
وَخُصَّ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ بِتَوَجُّهِ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهَا اشْتِغَالًا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مِمَّا يَكْثُرُ إِقْبَالُ النَّاسِ عَلَى إِنْمَائِهَا وَالتَّفْكِيرِ فِي اكْتِسَابِهَا بِحَيْثُ تَكُونُ أَوْقَاتُ الشُّغْلِ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَوْقَاتِ الشُّغْلِ بِالْأَوْلَادِ. وَلِأَنَّهَا كَمَا تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ الْوَقْتِ فِي كَسْبِهَا وَنَمَائِهَا، تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِهِ أَيْضًا بِالتَّذْكِيرِ لِكَنْزِهَا بِحَيْثُ يُنْسَى ذِكْرُ مَا دَعَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ إِنْفَاقِهَا.
وَأَمَّا ذِكْرُ الْأَوْلَادِ فَهُوَ إِدْمَاجٌ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْأَوْلَادِ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهِم وتدبير شؤونهم وَقَضَاءَ الْأَوْقَاتِ فِي التَّأَنُّسِ بِهِمْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُنْسِيَ عَنْ تَذَكُّرِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ
فَالشُّغْلُ بِهَذَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الشُّغْلِ بِغَيْرِهِمَا.
وَصِيغَ الْكَلَامُ فِي قَالَبِ تَوْجِيهِ النَّهْيِ عَنِ الْإِلْهَاءِ عَنِ الذَّكْرِ، إِلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالْمُرَادُ نَهْيُ أَصْحَابِهَا، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ مَعْرُوفٌ وَقَرِينَتُهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وَأَصْلُهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مُبَالَغَةً فِي نَهْيِ أَصْحَابِهَا عَنِ الِاشْتِغَالِ بِسَبَبِهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَنُزِّلَ سَبَبُ الْإِلْهَاءِ مَنْزِلَةَ اللَّاهِي لِلْمُلَابَسَةِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ:
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ [الْأَعْرَاف: ٢٧] وَقَوْلِهِمْ لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا.
وَلَا فِي قَوْلِهِ: وَلا أَوْلادُكُمْ نَافِيَةٌ عَاطِفَةٌ أَوْلادُكُمْ عَلَى أَمْوالُكُمْ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَدْخُولُ لَا النَّاهِيَةِ لِأَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ إِذْ هُوَ طَلَبُ عَدَمِ الْفِعْلِ فَ لَا النَّاهِيَةِ أَصْلُهَا لَا النَّافِيَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنَى النَّهْيِ عِنْدَ قَصْدِ النَّهْيِ فَجَزَمَتِ الْفِعْلَ حَمْلًا عَلَى مُضَادَّةِ مَعْنَى لَامِ الْأَمْرِ فَأُكِّدَ النَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْأَوْلَادِ بِحَرْفِ النَّفْيِ لِيَكُونَ لِلِاشْتِغَالِ بِالْأَوْلَادِ حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الْأَمْوَالِ.
وذِكْرِ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَيَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ. فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ بِالْلِسَانِ كَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالتَّذَكُّرَ بِالْعَقْلِ كَالتَّدَبُّرِ فِي صِفَاتِهِ وَاسْتِحْضَارِ امْتِثَالِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:
«أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْلِسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ».
وَفِيهِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ الَّذِي لَا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ وَلَهُ مَرَاتِبُ.
— 251 —
وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ «النَّهْيُ اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فعل».
وَالْإِشَارَة ب ذلِكَ إِلَى اللَّهْوِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، أَيْ وَمَنْ يُلْهَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أَيْ يَتْرُكُ ذِكْرَ اللَّهِ الَّذِي أُوجَبَهُ مِثْلَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَيَتْرُكُ تَذَكُّرَ اللَّهِ، أَيْ مُرَاعَاةَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
وَمَتَى كَانَ اللَّهْوُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ الْأَوْلَادِ كَانَ أَوْلَى بِحُكْمِ النَّهْيِ وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ.
وَأَفَادَ ضَمِيرُ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قَصْرَ صِفَةِ الْخَاسِرِ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ، وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي اتِّصَافِهِمْ بِالْخُسْرَانِ كَأَنَّ خُسْرَانَ غَيْرِهِمْ لَا يُعَدُّ خُسْرَانًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُسْرَانِهِمْ.
وَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِم ب فَأُولئِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا مَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَعْنِي اللَّهْوَ عَنْ ذكر الله.
[١٠]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ١٠]
وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)
هَذَا إِبْطَالٌ وَنَقْضٌ لِكَيْدِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ قَالُوا: لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [المُنَافِقُونَ: ٧]، وَهُوَ يَعُمُّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْمُلْتَفِّينَ حَوْلَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِنْفَاقَ عَلَى غَيْرِهِمْ فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ كَالتَّذْيِيلِ.
وَفَعَلُ أَنْفِقُوا مُسْتَعْمَلٌ فِي الطَّلَبِ الشَّامِلِ لِلْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ فَإِنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ:
افْعَلْ، مُطْلَقُ الطَّلَبِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
وَفِي قَوْله: مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَأْمُورَ بِهِ شكر لله عَلَى مَا رَزَقَ الْمُنْفِقُ فَإِنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ الْعَبْدِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيمَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ الشَّرِيعَةِ.
— 252 —
وَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ بَعْضَ مَا رَزَقْنَاكُمْ، وَهَذِهِ تَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهَذَا الْبَعْضُ مِنْهُ هُوَ مُعَيَّنُ الْمِقْدَارِ مِثْلَ مَقَادِيرِ الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَمِنْهُ مَا يَتَعَيَّنُ بِسَدِّ الْخَلَّةِ الْوَاجِبِ سَدَّهَا مَعَ طَاقَةِ الْمُنْفِقِ كَنَفَقَاتِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ وَنَفَقَاتِ الْعِيَالِ الْوَاجِبَةِ وَنَفَقَاتِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الضَّرُورِيَّةِ وَالْحَاجِيَّةِ، وَمِنْهُ مَا يَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِ سَبَبِهِ كَالْكَفَّارَاتِ، وَمِنْهُ مَا وَكَّلَ لِلنَّاسِ تَعْيِينَهُ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ من الْإِنْفَاق فَذَلِك مَوْكُولٌ إِلَى رَغَبَاتِ النَّاسِ فِي نَوَالِ الثَّوَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ بَابٌ عَظِيمٌ مِنَ الْقُرْبَى مِنْ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى،
وَفِي الْحَدِيثِ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يطفىء الْمَاءُ النَّارَ»
. وَقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فِي الْإِنْفَاقِ مِنَ الْخَيْرِ بِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْهُ مَا دَامُوا مُقْتَدِرِينَ قَبْلَ الْفَوْتِ، أَيْ قَبْلَ تَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ وَالْإِتْيَانِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَذَلِكَ حِينَ يَحِسُّ الْمَرْءُ بِحَالَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ الْمَوْتِ وَيُغْلَبُ عَلَى قُوَاهُ فَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُؤَخِّرَ مَوْتَهُ وَيَشْفِيَهُ لِيَأْتِيَ بِكَثِيرٍ مِمَّا فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ طَمَعًا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فَإِنْ كَانَ فِي أَجَلِهِ تَأْخِيرٌ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَجَلِ تَأْخِيرٌ أَوْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ الِاسْتِجَابَةَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، وَالتَّحْضِيضُ الطَّلَبُ الْحَثِيثُ الْمُضْطَرُّ إِلَيْهِ، وَيُسْتَعْمَلُ
لَوْلا لِلْعَرْضِ أَيْضًا وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ وَالتَّمَنِّي عَلَى الْمَجَازِ أَوِ الْكِنَايَةِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٩٨].
وَحَقُّ الْفِعْلِ بَعْدَهَا أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا وَإِنَّمَا جَاءَ مَاضِيًا هُنَا لِتَأْكِيدِ إِيقَاعِهِ فِي دُعَاءِ الدَّاعِي حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مِثْلَ أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] وَقَرِينَةُ ذَلِكَ تَرْتِيبُ فِعْلَيْ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ عَلَيْهِ.
وَالْمَعْنَى: فَيَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ رَبَّهُ سُؤَالًا حَثِيثًا أَنْ يُحَقِّقَ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ إِلَى أَجَلٍ يَسْتَدْرِكُ فِيهِ مَا اشْتَغَلَ عَنْهُ مِنْ إِنْفَاقٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ.
وَوَصْفُ الْأَجَلِ بِ قَرِيبٍ تَمْهِيدٌ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِجَابَةِ بِنَاءً عَلَى مُتَعَارَفِ النَّاسِ أَنَّ الْأَمْرَ الْيَسِيرَ أَرْجَى لِأَنْ يَسْتَجِيبَهُ الْمَسْئُولُ فَيَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى شُعُورِهِمْ حِينَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَنْسَاقُ بِذَلِكَ نُفُوسُهُمْ إِلَى مَا عَرَفُوا، وَلِذَلِكَ
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «لَا يَقُولُنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَلِيَعْزِمَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ»
. تَنْبِيهًا عَلَى هَذَا التَّوَهُّمِ فَالْقُرْآنُ حَكَى عَنِ النَّاسِ مَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ.
— 253 —
وَانْتَصَبَ فِعْلُ فَأَصَّدَّقَ عَلَى إِضْمَارِ (أَنَّ) الْمَصْدَرِيَّةِ إِضْمَارًا وَاجِبًا فِي جَوَابِ الطَّلَبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَكُنْ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْقُرَّاءُ.
فَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَرَأُوهُ مَجْزُومًا بِسُكُونِ آخِرِهِ عَلَى اعْتِبَارِهِ جَوَابًا لِلطَّلَبِ مُبَاشَرَةً لِعَدَمِ وُجُودِ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ، وَاعْتِبَارِ الْوَاوِ عَاطِفَةً جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ وَلَيْسَتْ عَاطِفَةً مُفْرَدًا عَلَى مُفْرَدٍ. وَذَلِكَ لِقَصْدِ تَضْمِينِ الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ زِيَادَةً عَلَى مَعْنَى التَّسَبُّبِ فَيُغْنِي الْجَزْمُ عَنْ فِعْلِ شَرْطِ. فَتَقْدِيرُهُ: إِنْ تُؤَخِّرْنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ، جَمْعًا بَيْنَ التَّسَبُّبِ الْمُفَادِ بِالْفَاءِ، وَالتَّعْلِيقِ الشُّرْطِيِّ الْمُفَادِ بِجَزْمِ الْفِعْلِ.
وَإِذَا قَدْ كَانَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْفِعْلَيْنِ الْوَاقِعِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَالْآخَرُ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ عَلَيْهِ. فَقَدْ أَفَادَ الْكَلَامُ التَّسَبُّبَ وَالتَّعْلِيقَ فِي كِلَا الْفِعْلَيْنِ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى مُحَسِّنِ الِاحْتِبَاكِ. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ. إِنْ تُؤَخِّرْنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ أَصَّدَّقْ وَأُكِنْ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ هَذَا السَّائِلَ بَعْدَ أَنْ حَثَّ سُؤَالَهُ أَعْقَبَهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ مُمْكِنٌ فَقَالَ: إِنْ تُؤَخِّرْنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ أَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَهُوَ مِنْ بَدَائِعِ
الِاسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِيِّ لِقَصْدِ الْإِيجَازِ وَتَوْفِيرِ الْمَعَانِي.
وَوَجَّهَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَالزُّجَاجُ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ بِجَعْلِ وَأَكُنْ مَعْطُوفًا عَلَى مَحَلِّ فَأَصَّدَّقَ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الْعَشَرَةِ وَأَكُونَ بَالنَّصْبِ وَالْقِرَاءَةُ رِوَايَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِرَسْمِ الْمَصَاحِفِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا يُوَافِقُهَا رَسْمُ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَرَأَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ وَابْنُ مَحِيضٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ غَيْرِ الْمَشْهُورَةِ، وَرُوِيَتْ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَأَبِي رَجَاءٍ. وَتلك أَقَلُّ شُهْرَةٍ.
وَاعْتَذَرَ أَبُو عَمْرٍو عَنْ مُخَالَفَةِ قِرَاءَتِهِ لِلْمَصَحِفِ بِأَنَّ الْوَاوَ حُذِفَتْ فِي الْخَطِّ اخْتِصَارًا يُرِيدُ أَنَّهُمْ حَذَفُوا صُورَةَ إِشْبَاعِ الضَّمَّةِ وَهُوَ الْوَاوُ اعْتِمَادًا عَلَى نُطْقِ الْقَارِئِ
— 254 —
كَمَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ اخْتِصَارًا بِكَثْرَةٍ فِي الْمَصَاحِفِ. وَقَالَ الْقُرَّاءُ الْعَرَبُ: قَدْ تَسْقُطُ الْوَاوُ فِي بَعْضِ الْهِجَاءِ كَمَا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ مِنْ سُلَيْمَانَ وَأَشْبَاهِهِ، أَيْ كَمَا أَسْقَطُوا الْوَاوَ الثَّانِيَةَ مِنْ دَاوُودَ وَبِكَثْرَةٍ يَكْتُبُونَهُ دَاوُدَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَرَأَيْتُ فِي مَصَاحِفِ عَبْدِ الله «فقولا» نقلا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكُلُّ هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ لِأَن الْقُرْآن ملتقىّ بِالتَّوَاتُرِ لَا بِهِجَاءِ الْمَصَاحِفِ وَإِنَّمَا الْمَصَاحِفُ مُعِينَةٌ على حفظه.
[١١]
[سُورَة المُنَافِقُونَ (٦٣) : آيَة ١١]
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها.
اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ فَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ تَذْكِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْأَجَلِ لِكُلِّ رُوحٍ عِنْدَ حُلُولِهَا فِي جَسَدِهَا حِينَ يُؤْمَرُ الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُخُ الرُّوحَ يُكْتَبُ أَجَلُهُ وَعَمَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. فَالْأَجَلُ هُوَ الْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ لِحَيَاتِهِ لَا يُؤَخَّرُ عَنْ أَمَدِهِ فَإِذَا حَضَرَ الْمَوْتُ كَانَ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِ اللَّهَ بِتَأْخِيرِ أَجَلِهِ مِنَ الدُّعَاءِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْآجَالَ.
وَهَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ لَا يَعْلَمُ حِكْمَةَ تَحْدِيدِهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَالنَّفْسُ: الرُّوحُ، سُمِّيَتْ نَفْسًا أَخْذًا مِنَ النَّفَسِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَهُوَ الْهَوَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ ذِي رِئَةٍ، فَسُمِّيَتِ النَّفْسُ نَفْسًا لِأَنَّ النَّفَسَ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا، كَمَا سُمِّيَ مُرَادِفُ النَّفْسِ رُوحًا لِأَنَّهُ مَأْخُوذُ الرَّوْحِ بِفَتْحِ الرَّاءِ لِأَنَّ الرّوح بِهِ. قَالَه أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ.
وأَجَلُها الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لِبَقَائِهَا فِي الْهَيْكَلِ الْإِنْسَانِيِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّفْسِ الذَّاتُ، أَيْ شَخْصُ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مِنْ مَعَانِي النَّفْسِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [الْمَائِدَة: ٤٥] وَأَجَلُهَا الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ مِقْدَارُهُ لِبَقَاءِ الْحَيَاةِ.
ولَنْ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ التَّأْخِيرِ، وَعُمُومُ نَفْساً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يَعُمُّ نُفُوسَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِمْ.
— 255 —
وَمَجِيءُ الْأَجَلِ حُلُولُ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لِلِاتِّصَالِ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَهُوَ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْ طَاقَةِ الْبَدَنِ لِلْبَقَاءِ حَيًّا بِحَسَبِ قُوَاهُ وَسَلَامَتِهِ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُهْلِكَةِ.
وَهَذَا إِرْشَادٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَا يُؤَخِّرُوا مَا يُهِمُّهُمْ عَمَلُهُ سُؤَالَ ثَوَابِهِ فَمَا مِنْ أَحَدٍ يُؤَخِّرُ الْعَمَلَ الَّذِي يَسُرُّهُ أَنْ يَعْمَلَهُ وَيَنَالَ ثَوَابَهُ إِلَّا وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِأَنْ يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ عَنْ قَرِيبٍ أَوْ يُفَاجِئَهُ، فَعَلَيْهِ بِالتَّحَرُّزِ الشَّدِيدِ مِنْ هَذَا التَّفْرِيطِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ، فَرُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّدَارُكُ بِفَجْأَةِ الْفَوَاتِ، أَوْ وَهَنِ الْمَقْدِرَةِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لَمْ تُطَاوِعْهُ نَفْسُهُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ الْفَوَاتِ فَكَيْفَ يَتَمَنَّى تَأْخِيرَ الْأَجَلِ الْمَحْتُومِ.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ [المُنَافِقُونَ: ٩]. أَوْ تَذْيِيلٌ وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ.
وَيُفِيدُ بِنَاءُ الْخَبَرِ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَحْقِيقَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَا يَعْمَلُهُ الْمُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لَا يُخَامِرُهُمْ شَكٌّ فِي ذَلِكَ كَانَ التَّحْقِيقُ وَالتَّقَوِّي رَاجِعًا إِلَى لَازِمِ الْخَبَرِ وَهُوَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْمَقَامُ هُنَا مَقَامُهُمَا لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْهُ الْوَاجِبُ الْمَنْدُوبُ. وَفِعْلُهُمَا يَسْتَحِقُّ الْوَعْدَ. وَتَرْكُ أَوَّلِهِمَا يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ.
وَإِيثَارُ وُصْفِ خَبِيرٌ دُونَ: عَلِيمٍ، لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ مَادَّةُ خَبِيرٌ مِنَ الْعِلْمِ بِالْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَا بَطَنَ مِثْلَ أَعْمَالِ الْقَلْبِ الَّتِي هِيَ الْعَزَائِمُ وَالنِّيَّاتُ، وَإِيقَاعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَقْطَعُهُ الْمَوْتُ مِنِ ازْدِيَادِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مَا عَسَى أَنْ يَقْطَعَهُ الْمَوْتُ مِنَ الْعَزْمِ عَلَى الْعَمَلِ إِذَا كَانَ وَقْتُهُ الْمُعِيَّنُ لَهُ شَرْعًا مُمْتَدًّا كَالْعُمْرِ لِلْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ لِمَنْ لَمْ يَتَوَقَّعُ طُرُوَّ مَانِعٍ. وَكَالْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لِلصَّلَوَاتِ، أَنَّ حَيْلُولَةَ الْمَوْتِ دُونَ إِتْمَامه لَا يرزيء الْمُؤْمِنُ ثَوَابَهُ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا اعْتَادَ حِزْبًا أَوْ عَزَمَ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَا مَنَعَهُ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ أَجْرَهُ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: أَنَّ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
— 256 —
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِما تَعْمَلُونَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ. وَقَرَأَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الْغَيْبَةِ عَائِدًا إِلَى نَفْساً الْوَاقِعِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِأَنَّهُ عَامٌ فَلَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ فِي الْمَعْنَى.
— 257 —

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٦٤- سُورَةُ التَّغَابُنِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ «سُورَةَ التَّغَابُنِ»، وَلَا تُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا الِاسْمِ وَلَمْ تَرِدْ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ فِي خَبَرٍ مَأْثُورٍ عَنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى مَا
ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَفِي تَشَابِيكٍ مَكْتُوبٌ خَمْسُ آيَاتٍ فَاتِحَةُ سُورَةِ التَّغَابُنِ»
. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُنْتَهَى هَذِهِ الْآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [التغابن:
٤] فَتَأَمَّلْهُ. وَرَوَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى التَّعْلِيقِ فَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ.
وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ وُقُوعُ لفظ التَّغابُنِ [التَّغَابُنِ: ٩] فِيهَا وَلَمْ يَقَعْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ هِيَ مَكِّيَّةٌ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَرَادُوا الْهِجْرَةَ فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ يَأْتُونَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» الْحَدِيثَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَوْفٍ الْأَشْجَعِيِّ كَمَا سَيَأْتِي.
وَهِيَ مَعْدُودَةٌ السَّابِعَةُ وَالْمِائَةُ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَ سُورَةِ الصَّفِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ.
وَعدد آيها ثَمَانِي عَشْرَةَ.
— 258 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

11 مقطع من التفسير