تفسير سورة سورة العلق
محمد سيد طنطاوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي (ت 1431 هـ)
الناشر
دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
الأولى
مقدمة التفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة العلقمقدمة وتمهيد
١- هذه السورة الكريمة تسمى سورة " العلق "، وتسمى سورة " اقرأ " وعدد آياتها تسع عشرة آية في المصحف الكوفي، وفي الشامي ثماني عشرة آية، وفي الحجازي عشرون آية.
وصدر هذه السورة الكريمة يعتبر أول ما نزل من قرآن على النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أغراضها : التنويه بشأن القراءة والكتابة، والعلم والتعلم، والتهديد لكل من يقف في وجه دعوة الإسلام التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه –عز وجل- وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله –تعالى- مطلع على ما يبيته له أعداؤه من مكر وحقد، وأنه –سبحانه- قامعهم وناصره عليهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يمضي في طريقه، دون أن يلتفت إلى مكرهم أو سفاهاتهم.
ﰡ
الآيات من ١ إلى ١٩
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩]
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩)
عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
وقد أجمع المحققون من العلماء، على أن هذه الآيات الكريمة، أول ما نزل على الرسول ﷺ من قرآن على الإطلاق، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث- أى:
فيتعبد- فيه الليالى ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لذلك، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال له: اقْرَأْ قال: ما أنا بقارئ، قال ﷺ فأخذنى فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩)
عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
وقد أجمع المحققون من العلماء، على أن هذه الآيات الكريمة، أول ما نزل على الرسول ﷺ من قرآن على الإطلاق، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث- أى:
فيتعبد- فيه الليالى ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لذلك، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال له: اقْرَأْ قال: ما أنا بقارئ، قال ﷺ فأخذنى فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،
— 452 —
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ... «١».
وما ورد من أحاديث تفيد أن أول سورة نزلت هي «سورة الفاتحة»، فمحمول على أن أول سورة نزلت كاملة هي سورة الفاتحة.
كذلك ما ورد من أحاديث في أن أول ما نزل سورة المدثر، محمول على أن أول ما نزل بعد فترة الوحى. أما صدر سورة العلق فكان نزوله قبل ذلك.
قال الآلوسى- بعد أن ساق الأحاديث التي وردت في ذلك-: «وبالجملة فالصحيح- كما قال البعض وهو الذي أختاره- أن صدر هذه السورة الكريمة، هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق. وفي شرح مسلم: الصواب أن أول ما نزل «اقرأ»، أى: مطلقا، وأول ما نزل بعد فترة الوحى، «يا أيها المدثر»، وأما قول من قال من المفسرين، أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يذكر» «٢».
والذي نرجحه ونميل إليه أن أول ما نزل من قرآن على الإطلاق، هو صدر هذه السورة الكريمة إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. أما بقيتها فكان نزوله متأخرا.
قال الأستاذ الإمام «أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعا، وما فيه من ذكر أحوال المكذبين، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة، وظهور أمر النبوة، وتحرش قريش لإيذائه صلى الله عليه وسلم» «٣».
وقد افتتحت السورة الكريمة بطلب القراءة من النبي ﷺ مع أنه كان أميا لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه ﷺ من وحى... فقال- سبحانه-: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. أى: اقرأ- أيها الرسول الكريم- ما سنوحيه إليك من قرآن كريم، ولتكن قراءتك ملتبسة باسم ربك. وبقدرته وإرادته، لا باسم غيره، فهو- سبحانه- الذي خلق الأشياء جميعها، والذي لا يعجزه أن يجعلك قارئا، بعد كونك لم تكن كذلك.
وقال- سبحانه- بِاسْمِ رَبِّكَ بوصف الربوبية، لأن هذا الوصف ينبئ عن كمال الرأفة والرحمة والرعاية بشأن المربوب.
ووصف- سبحانه- ذاته بقوله: الَّذِي خَلَقَ للتذكير بهذه النعمة، لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه تترتب جميعها.
وما ورد من أحاديث تفيد أن أول سورة نزلت هي «سورة الفاتحة»، فمحمول على أن أول سورة نزلت كاملة هي سورة الفاتحة.
كذلك ما ورد من أحاديث في أن أول ما نزل سورة المدثر، محمول على أن أول ما نزل بعد فترة الوحى. أما صدر سورة العلق فكان نزوله قبل ذلك.
قال الآلوسى- بعد أن ساق الأحاديث التي وردت في ذلك-: «وبالجملة فالصحيح- كما قال البعض وهو الذي أختاره- أن صدر هذه السورة الكريمة، هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق. وفي شرح مسلم: الصواب أن أول ما نزل «اقرأ»، أى: مطلقا، وأول ما نزل بعد فترة الوحى، «يا أيها المدثر»، وأما قول من قال من المفسرين، أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يذكر» «٢».
والذي نرجحه ونميل إليه أن أول ما نزل من قرآن على الإطلاق، هو صدر هذه السورة الكريمة إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. أما بقيتها فكان نزوله متأخرا.
قال الأستاذ الإمام «أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعا، وما فيه من ذكر أحوال المكذبين، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة، وظهور أمر النبوة، وتحرش قريش لإيذائه صلى الله عليه وسلم» «٣».
وقد افتتحت السورة الكريمة بطلب القراءة من النبي ﷺ مع أنه كان أميا لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه ﷺ من وحى... فقال- سبحانه-: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. أى: اقرأ- أيها الرسول الكريم- ما سنوحيه إليك من قرآن كريم، ولتكن قراءتك ملتبسة باسم ربك. وبقدرته وإرادته، لا باسم غيره، فهو- سبحانه- الذي خلق الأشياء جميعها، والذي لا يعجزه أن يجعلك قارئا، بعد كونك لم تكن كذلك.
وقال- سبحانه- بِاسْمِ رَبِّكَ بوصف الربوبية، لأن هذا الوصف ينبئ عن كمال الرأفة والرحمة والرعاية بشأن المربوب.
ووصف- سبحانه- ذاته بقوله: الَّذِي خَلَقَ للتذكير بهذه النعمة، لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه تترتب جميعها.
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٤٦٠.
(٢) تفسير الآلوسى ج ٣٠ ص ١٧٨.
(٣) تفسير جزء عم ص ٩٣.
(٢) تفسير الآلوسى ج ٣٠ ص ١٧٨.
(٣) تفسير جزء عم ص ٩٣.
— 453 —
وجملة خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ بدل من قوله الَّذِي خَلَقَ بدل بعض من كل، إذ خلق الإنسان يمثل جزءا من خلق المخلوقات التي لا يعلمها إلا الله.
و «العلق» الدم الجامد، وهو الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان.
وقيل: العلق: مجموعة من الخلايا التي نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة الملقحة، وسمى «علقا» لتعلقه بجدار الرحم «١».
والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته- تعالى- فكأنه- سبحانه- يقول:
وخص- سبحانه- خلق الإنسان بالذكر، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه.
وقوله- تعالى-: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أى: امض لما أمرتك به من القراءة، فإن ربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، والأعظم من كل عظيم.
قالوا: وإنما كرر- سبحانه- الأمر بالقراءة، لأنه من الملكات التي لا ترسخ في النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة فمرة.
وجملة وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ مستأنفة لقصد بيان أنه- تعالى- أكرم من كل من يلتمس منه العطاء، وأنه- سبحانه- قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة، بعد أن كان يجهلها.
وقوله- تعالى-: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أى: علم الإنسان الكتابة بالقلم، ولم يكن له علم بها، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره، وأن يضبط العلوم والمعارف، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة.
ومفعولا «علّم» محذوفان، دل عليهما قوله بِالْقَلَمِ أى: علم ناسا الكتابة بالقلم.
وتخصيص هذه الصفة بالذكر، للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله ﷺ من تعذر القراءة بالنسبة له، لجهله بالكتابة، فكأنه- تعالى- يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك، وكفاك بالعلم في الأمى معجزة.
وجملة عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ خبر عن قوله- تعالى-: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ وما بينهما اعتراض، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو قوله عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أى:
و «العلق» الدم الجامد، وهو الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان.
وقيل: العلق: مجموعة من الخلايا التي نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة الملقحة، وسمى «علقا» لتعلقه بجدار الرحم «١».
والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته- تعالى- فكأنه- سبحانه- يقول:
| إن من كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانا يسمع ويرى ويعقل | قادر- أيضا- على أن يجعل منك- أيها الرسول الكريم- قارئا، وإن لم تسبق لك القراءة. |
وقوله- تعالى-: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أى: امض لما أمرتك به من القراءة، فإن ربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، والأعظم من كل عظيم.
قالوا: وإنما كرر- سبحانه- الأمر بالقراءة، لأنه من الملكات التي لا ترسخ في النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة فمرة.
وجملة وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ مستأنفة لقصد بيان أنه- تعالى- أكرم من كل من يلتمس منه العطاء، وأنه- سبحانه- قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة، بعد أن كان يجهلها.
وقوله- تعالى-: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أى: علم الإنسان الكتابة بالقلم، ولم يكن له علم بها، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره، وأن يضبط العلوم والمعارف، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة.
ومفعولا «علّم» محذوفان، دل عليهما قوله بِالْقَلَمِ أى: علم ناسا الكتابة بالقلم.
وتخصيص هذه الصفة بالذكر، للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله ﷺ من تعذر القراءة بالنسبة له، لجهله بالكتابة، فكأنه- تعالى- يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك، وكفاك بالعلم في الأمى معجزة.
وجملة عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ خبر عن قوله- تعالى-: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ وما بينهما اعتراض، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو قوله عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أى:
(١) راجع كتاب «بحوث في تفسير القرآن» (سورة العلق) لجمال عياد.
— 454 —
علم الإنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور على اختلافها، والمراد بالإنسان في هذه الآيات جنسه.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية، كالوجود، والوحدانية، والقدرة والعلم، والكرم.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: فأول شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهو أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه- تعالى- أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة... «١».
وقال المرحوم الشيخ محمد عبده: ثم إنه لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحى، بهذه الآيات الباهرات، فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض، وإلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم... وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع... فلا أرشدهم الله... «٢».
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الأسباب التي تحمل الإنسان على الطغيان فقال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
و «كلا» حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد... فهو زجر عما تضمنه ما بعدها، لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع، ويصح أن تكون «كلا» هنا بمعنى حقا. وقوله:
لَيَطْغى من الطغيان، وهو تجاوز الحق في التكبر والتمرد. والضمير في قوله رَآهُ يعود على الإنسان الطاغي، والجملة متعلقة بقوله لَيَطْغى بحذف لام التعليل، والرؤية بمعنى العلم.
والمعنى: حقا إن الإنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق، لأنه رأى نفسه ذا غنى في المال والجاه والعشيرة، ورآها- لغروره وبطره- ليست في حاجة إلى غيره.
والمراد بالإنسان هنا: جنسه لأن من طبع الإنسان أن يطغى، إذا ما كثرت النعم بين يديه، إلا من عصمه الله- تعالى- من هذا الخلق الذميم، بأن شكره- سبحانه- على نعمه، واستعملها في طاعته.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية، كالوجود، والوحدانية، والقدرة والعلم، والكرم.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: فأول شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهو أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه- تعالى- أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة... «١».
وقال المرحوم الشيخ محمد عبده: ثم إنه لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحى، بهذه الآيات الباهرات، فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض، وإلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم... وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع... فلا أرشدهم الله... «٢».
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الأسباب التي تحمل الإنسان على الطغيان فقال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
و «كلا» حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد... فهو زجر عما تضمنه ما بعدها، لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع، ويصح أن تكون «كلا» هنا بمعنى حقا. وقوله:
لَيَطْغى من الطغيان، وهو تجاوز الحق في التكبر والتمرد. والضمير في قوله رَآهُ يعود على الإنسان الطاغي، والجملة متعلقة بقوله لَيَطْغى بحذف لام التعليل، والرؤية بمعنى العلم.
والمعنى: حقا إن الإنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق، لأنه رأى نفسه ذا غنى في المال والجاه والعشيرة، ورآها- لغروره وبطره- ليست في حاجة إلى غيره.
والمراد بالإنسان هنا: جنسه لأن من طبع الإنسان أن يطغى، إذا ما كثرت النعم بين يديه، إلا من عصمه الله- تعالى- من هذا الخلق الذميم، بأن شكره- سبحانه- على نعمه، واستعملها في طاعته.
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٤٥٩.
(٢) راجع تفسير جزء عم ص ٩٤.
(٢) راجع تفسير جزء عم ص ٩٤.
— 455 —
وقيل المراد بالإنسان هنا: أبو جهل، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر السورة قد نزلت في أبى جهل، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة، لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لئن فعل لأخذته الملائكة».. «١». ونزول هذه الآيات في شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها، ويدخل في هذا الحكم دخولا أوليا أبو جهل، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله- تعالى-: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
تهديد ووعيد لهذا الطاغي، والرّجعى:
مصدر بمعنى الرجوع. تقول: رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعي بمعنى واحد.
والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- مما تفوه به هذا الطاغي وأمثاله، فإن إلى ربك وحده مرجعهم، وسيشاهدون بأعينهم ما أعددناه لهم من عذاب مهين، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال، لن يغنى عنهم من عذاب الله شيئا يوم القيامة.
ثم عجّب- سبحانه- نبيه ﷺ من حال هذا الشقي وأمثاله، فقال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى. فالاستفهام في قوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ... للتعجيب من جهالة هذا الطاغي، وانطماس بصيرته، حيث نهى عن الخير، وأمر بالشر، والمراد بالعبد: رسول الله ﷺ وتنكيره للتفخيم والتعظيم.
أى: أرأيت وعلمت- أيها الرسول الكريم- حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغي الأحمق، الذي ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذي خلقك وخلقه.
وقوله- سبحانه-: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى خطاب آخر للنبي ﷺ أى:
فالمراد بالهدى: اهتداؤه إلى الصراط المستقيم، والمراد بالتقوى: صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله- تعالى-، وأمره غيره بذلك.
وقوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى.
وقوله- تعالى-: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
تهديد ووعيد لهذا الطاغي، والرّجعى:
مصدر بمعنى الرجوع. تقول: رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعي بمعنى واحد.
والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- مما تفوه به هذا الطاغي وأمثاله، فإن إلى ربك وحده مرجعهم، وسيشاهدون بأعينهم ما أعددناه لهم من عذاب مهين، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال، لن يغنى عنهم من عذاب الله شيئا يوم القيامة.
ثم عجّب- سبحانه- نبيه ﷺ من حال هذا الشقي وأمثاله، فقال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى. فالاستفهام في قوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ... للتعجيب من جهالة هذا الطاغي، وانطماس بصيرته، حيث نهى عن الخير، وأمر بالشر، والمراد بالعبد: رسول الله ﷺ وتنكيره للتفخيم والتعظيم.
أى: أرأيت وعلمت- أيها الرسول الكريم- حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغي الأحمق، الذي ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذي خلقك وخلقه.
وقوله- سبحانه-: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى خطاب آخر للنبي ﷺ أى:
| أرأيت- أيها الرسول الكريم- إن صار هذا الإنسان- الطاغي الكافر- على الهدى، فاتبع الحق، ودعا إلى البر والتقوى | أما كان ذلك خيرا له من الإصرار على الكفر، ومن نهيه إياك عن الصلاة، فجواب الشرط محذوف للعلم به. |
وقوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى.
(١) راجع تفسير ابن كثير ص ٧ ص ٤٦٠.
— 456 —
أى: أرأيت- أيها الرسول الكريم- إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين. أرأيت إن فعل ذلك، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين؟.
فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التي تكرر فيها لفظ «أرأيت» ثلاث مرات: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم. وتعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغي الشقي، الذي أصر على كفره.
وآثر الغي على الرشد. والشرك على الإيمان.. وتهديد هذا الكافر الطاغي بسوء المصير، لأن الله- تعالى- مطلع على أعماله القبيحة... وسيعاقبه العقاب الأكبر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأين جواب الشرط- أى في قوله- تعالى-:
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى؟ قلت: هو محذوف تقديره: إن كان على الهدى، ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: فكيف صح أن يكون «ألم يعلم» جوابا للشرط؟ قلت: كما صح في قولك:
إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟... «١».
وقوله- سبحانه-: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ردع وزجر لهذا الكافر الطاغي الناهي عن الخير، ولكل من يحاول أن يفعل فعله.
والسفع: الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة، تقول: سفعت بالشيء، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب... وقيل: هو الاحتراق، من قولهم: فلان سفعته النار، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده. والناصية: الشعر الذي يكون في مقدمة الرأس.
أى: كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإنسان الطاغي، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور، لنقهرنه، ولنذلنه، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة.
والتعبير بقوله- تعالى-: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ يشعر بالأخذ الشديد، والإذلال المهين، لأنه كان من المعروف عند العرب، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إنسان وعقابه، سحبوه من شعر رأسه.
والتعريف في الناصية، للعهد التقديري. أى: بناصية ذلك الإنسان الطاغي، الذي كذب وتولى، ونهى عن إقامة الصلاة.
وقوله- تعالى-: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ بدل من الناصية، وجاز إبدال النكرة من المعرفة، لأن النكرة قد وصفت. فاستقلت بالفائدة.
فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التي تكرر فيها لفظ «أرأيت» ثلاث مرات: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم. وتعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغي الشقي، الذي أصر على كفره.
وآثر الغي على الرشد. والشرك على الإيمان.. وتهديد هذا الكافر الطاغي بسوء المصير، لأن الله- تعالى- مطلع على أعماله القبيحة... وسيعاقبه العقاب الأكبر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأين جواب الشرط- أى في قوله- تعالى-:
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى؟ قلت: هو محذوف تقديره: إن كان على الهدى، ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: فكيف صح أن يكون «ألم يعلم» جوابا للشرط؟ قلت: كما صح في قولك:
إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟... «١».
وقوله- سبحانه-: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ردع وزجر لهذا الكافر الطاغي الناهي عن الخير، ولكل من يحاول أن يفعل فعله.
والسفع: الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة، تقول: سفعت بالشيء، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب... وقيل: هو الاحتراق، من قولهم: فلان سفعته النار، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده. والناصية: الشعر الذي يكون في مقدمة الرأس.
أى: كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإنسان الطاغي، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور، لنقهرنه، ولنذلنه، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة.
والتعبير بقوله- تعالى-: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ يشعر بالأخذ الشديد، والإذلال المهين، لأنه كان من المعروف عند العرب، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إنسان وعقابه، سحبوه من شعر رأسه.
والتعريف في الناصية، للعهد التقديري. أى: بناصية ذلك الإنسان الطاغي، الذي كذب وتولى، ونهى عن إقامة الصلاة.
وقوله- تعالى-: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ بدل من الناصية، وجاز إبدال النكرة من المعرفة، لأن النكرة قد وصفت. فاستقلت بالفائدة.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٧٧٨.
— 457 —
وخاطئة: اسم فاعل من خطئ فلان- كعلم- فهو خاطئ وهو الذي يأتى الذنب متعمدا، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة في تعمد هذا الإنسان لارتكاب المنكر، على حد قولهم: نهار صائم، أى: صائم صاحبه، ولأن الناصية هي مظهر الغرور والكبرياء.
أى: لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره... لنذلنه إذلالا شديدا... ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التي طالما كذبت بالحق، وتعمدت ارتكاب المنكر...
وقوله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عند ما نهى النبي ﷺ عن الصلاة، نهره النبي ﷺ وزجره وأغلظ له القول... فقال أبو جهل: أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادي ناديا، فأنزل الله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.
وأصل النادي: المكان الذي يجتمع فيه الناس للحديث، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة، وهي دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم، وسمى بذلك لأن الناس يندون إليه، أى: يذهبون إليه، أو ينتدون فيه، أى: يجتمعون للحديث فيه. يقال: ندا القوم ندوا- من باب غزا- إذا اجتمعوا.
والأمر في قوله- تعالى-: فَلْيَدْعُ للتعجيز، والكلام على حذف مضاف. أى:
فليدع هذا الشقي المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك، فنحن من جانبنا سندع الزبانية، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله.
ولفظ الزبانية في كلام العرب: يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أى:
يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زبنيّة، وأصل اشتقاقه من الزّبن، وهو الدفع الشديد، ومنه قولهم: حرب زبون، إذا اشتد الدفع والقتال فيها، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها.
والمقصود بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله- تعالى- عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم.
وقوله- تعالى-: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول ﷺ عن الصلاة.
أى: كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى
أى: لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره... لنذلنه إذلالا شديدا... ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التي طالما كذبت بالحق، وتعمدت ارتكاب المنكر...
وقوله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عند ما نهى النبي ﷺ عن الصلاة، نهره النبي ﷺ وزجره وأغلظ له القول... فقال أبو جهل: أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادي ناديا، فأنزل الله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.
وأصل النادي: المكان الذي يجتمع فيه الناس للحديث، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة، وهي دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم، وسمى بذلك لأن الناس يندون إليه، أى: يذهبون إليه، أو ينتدون فيه، أى: يجتمعون للحديث فيه. يقال: ندا القوم ندوا- من باب غزا- إذا اجتمعوا.
والأمر في قوله- تعالى-: فَلْيَدْعُ للتعجيز، والكلام على حذف مضاف. أى:
فليدع هذا الشقي المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك، فنحن من جانبنا سندع الزبانية، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله.
ولفظ الزبانية في كلام العرب: يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أى:
يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زبنيّة، وأصل اشتقاقه من الزّبن، وهو الدفع الشديد، ومنه قولهم: حرب زبون، إذا اشتد الدفع والقتال فيها، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها.
والمقصود بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله- تعالى- عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم.
وقوله- تعالى-: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول ﷺ عن الصلاة.
أى: كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى
— 458 —
جانبه في منعك أيها الرسول الكريم- من الصلاة، فإنهم وغيرهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وعليك- أيها الرسول الكريم- أن تمضى في طريقك وأن تواظب على أداء الصلاة في المكان الذي تختاره، ولا تطع هذا الشقي، فإنه جاهل مغرور، واسجد لربك وتقرب إليه- تعالى- بالعبادة والطاعة، وداوم على ذلك.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة، حض النبي ﷺ على المداومة على الصلاة في الكعبة، وعدم المبالاة بنهي الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئا...
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة، حض النبي ﷺ على المداومة على الصلاة في الكعبة، وعدم المبالاة بنهي الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئا...
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
— 459 —
بسم الله الرّحمن الرّحيم
تفسير سورة القدرمقدمة وتمهيد
١- سورة «القدر» من السور المكية عند أكثر المفسرين، وكان نزولها بعد سورة «عبس»، وقبل سورة «الشمس»، فهي السورة الخامسة والعشرون في ترتيب النزول، ويرى بعض المفسرين أنها من السور المدنية، وأنها أول سورة نزلت بالمدينة.
قال الآلوسى: قال أبو حيان: مدنية في قول الأكثر. وحكى الماوردي عكسه. وذكر الواحدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة. وقال الجلال في الإتقان:
| فيها قولان، والأكثر أنها مكية | «١» وعدد آياتها خمس آيات، ومنهم من عدها ست آيات. والأول أصح وأرجح. |
(١) تفسير الآلوسى ج ٣٠ ص ١٨٨.
— 461 —
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
1 مقطع من التفسير