محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥ من سورة الإسراء في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥ من سورة الإسراء

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مّنِ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.
يقول تعالى ذكره : من استقام على طريق الحقّ فاتبعه، وذلك دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ عليه وسلم فإنّما يَهتَدي لِنَفسِهِ يقول : فليس ينفع بلزومه الاستقامة، وإيمانه بالله ورسوله غير نفسه وَمَنْ ضَلّ يقول : ومن جار عن قصد السبيل، فأخذ على غير هدى، وكفر بالله وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند الله من الحقّ، فليس يضرّ بضلاله وجوره عن الهدى غير نفسه، لأنه يوجب لها بذلك غضب الله وأليم عذابه. . وإنما عنى بقوله فإنّمَا يَضِلّ عَلَيها فإنما يكسب إثم ضلاله عليها لا على غيرها. وقوله : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى يعني تعالى ذكره : ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام. وقال : وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى لأن معناها : ولا تزر نفس وازرة وزر نفس أخرى. يقال منه : وزرت كذا أزره وزرا، والوزر : هو الإثم، يجمع أوزارا، كما قال تعالى : وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزَارا مِنْ زِينَةِ القَوْمِ وكأن معنى الكلام : ولا تأثم آثمة إثم أخرى، ولكن على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى : والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ إلا بعمله.
وقوله : وَما كُنّا مَعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً يقول تعالى ذكره : وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما كُنّا مُعَذّبِينَ حتى نَبَعَثَ رَسُولاً : إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، أو يأتيه من الله بيّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي هريرة، قال : إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولاً، أن ادخلوا النار، فيقولون : كيف ولم يأتنا رسول، وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم وَما كُنا مُعَذّبِينَ حتى نَبعَثَ رَسُولاً.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة نحوه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: طائره: عمله، ونخرج له بذلك العمل كتابا يلقاه منشورا.
وقد كان بعض أهل العربية يتأوّل قوله (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) : أي حظه من قولهم: طار سهم فلان بكذا: إذا خرج سهمه على نصيب من الأنصباء، وذلك وإن كان قولا له وجه، فإن تأويل أهل التأويل على ما قد بينت، وغير جائز أن يتجاوز في تأويل القرآن ما قالوه إلى غيره، على أن ما قاله هذا القائل، إن كان عنى بقوله حظه من العمل والشقاء والسعادة، فلم يبعد معنى قوله من معنى قولهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾


يقول تعالى ذكره: (ونُخرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابا يَلقاهُ مَنْشُورًا) فيقال له (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) فترك ذكر قوله: فنقول له، اكتفاء بدلالة الكلام عليه. وعنى بقوله (اقرأْ كِتابَكَ) : اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا، الذي كان كاتبانا يكتبانه، ونحصيه عليك (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) يقول: حسبك اليوم نفسك عليك حاسبا يحسب عليك أعمالك، فيحصيها عليك، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها، ولا نطلب عليك محصيا سواها.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (١٥)﴾
يقول تعالى ذكره: من استقام على طريق الحقّ فاتبعه، وذلك دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ عليه وسلم (فإِنَّمَا يهتَدِي لِنَفسِهِ) يقول: فليس ينفع بلزومه الاستقامة، وإيمانه بالله ورسوله غير نفسه (وَمَنْ ضَلَّ) يقول: ومن جار عن قصد السبيل، فأخذ على غير هدى، وكفر بالله وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند الله من الحقّ، فليس يضرّ بضلاله وجوره عن الهدى غير نفسه، لأنه يوجب لها بذلك غضب الله وأليم عذابه.. وإنما عنى بقوله (فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) فإنما يكسب إثم ضلاله عليها لا على غيرها، وقوله (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) يعني تعالى ذكره: ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام. وقال (وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) لأن معناها: ولا تزر نفس وازرة وزر نفس أخرى يقال منه: وزرت كذا أزره وزرا، والوزر: هو الإثم، يجمع أوزارا، كما قال تعالى (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) وكأن معنى الكلام: ولا تأثم آثمة إثم أخرى، ولكن على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ إلا بعمله.
وقوله (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) : إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، أو يأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي هريرة، قال: إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول، وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ثم يرسل إليهم، فيطيعه

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة(١) لنفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي : عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه.
ثم قال :﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي : لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه، كما قال تعالى :﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨].
ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى :﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله [ تعالى ](٢) ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئًا. وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.
وكذا قوله تعالى :﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى :﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، وكذا قوله [ تعالى ](٣) :﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، وقال تعالى :﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى :﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كَيْسَان، عن الأعرج بإسناده إلى(٤) أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال :" اختصمت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال :" وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها، فتقول : هل من مزيد ؟(٥) ثلاثا، وذكر تمام الحديث(٦).
فإن هذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة(٧) وقالوا : لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق(٨) عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة قال : قال النبي(٩) ﷺ :" تحاجت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال :" فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول : قط، قط، فهنالك تمتلئ ويزوي(١٠) بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فينشئ الله لها خلقًا " (١١).
بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة(١٢) رحمهم الله تعالى، فيها(١٣) قديمًا وحديثًا وهي : الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم ؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفَتْرة ولم تبلغه(١٤) الدعوة. وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله [ تعالى ](١٥) وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصًا من كلام الأئمة في ذلك، والله(١٦) المستعان.
فالحديث الأول : عن الأسود بن سَريع :
قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع [ رضي الله عنه ](١٧) أن نبي الله ﷺ قال :" أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول : رب، قد(١٨) جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول : رب، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني(١٩) بالبعر، وأما الهَرَمُ فيقول : رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا،
وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليُطِعنّه(٢٠) فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا " (٢١).
وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبى هريرة، مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره :" من(٢٢) دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها " (٢٣).
وكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد، من حديث حنبل(٢٤) بن إسحاق، عن علي بن عبد الله المديني، به(٢٥) وقال : هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" أربعة كلهم يدلي على الله بحجة " فذكر نحوه(٢٦).
ورواه ابن جرير، من حديث مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم :﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾(٢٧).
وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا.
الحديث الثاني : عن أنس بن مالك :
قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الربيع، عن يزيد بن أبان(٢٨) قال : قلنا لأنس : يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين ؟ فقال : قال رسول الله ﷺ :" لم يكن لهم سيئات فيعذبوا(٢٩) بها فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم من خدم أهل الجنة " (٣٠).
الحديث الثالث : عن أنس أيضًا :
قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خَيْثَمَةَ، حدثنا جرير، عن لَيْث، عن عبد الوارث، عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفَتْرَة، والشيخ الفاني الهرم، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار : أبرز. ويقول لهم : إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه. قال : فيقول من كتب عليه الشقاء : يا رب، أنى ندخلها ومنها كنا نفر ؟ قال : ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، قال : فيقول الله تعالى : أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار ".
وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، بإسناده مثله(٣١).
الحديث الرابع : عن البراء بن عازب، رضي الله عنه :
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا : حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله.
- يعني ابن داود - عن عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية، عن البراء قال : سُئل رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين قال :" هم مع آبائهم ". وسئل عن أولاد المشركين فقال :" هم مع آبائهم ". فقيل : يا رسول الله، ما يعملون ؟ قال :" الله أعلم بهم " (٣٢).
ورواه عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية، عن رجل، عن البراء، عن عائشة، فذكره(٣٣).
الحديث الخامس : عن ثوبان :
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان ؛ أن النبي ﷺ عظَّم شأن المسألة، قال :" إذا كان يوم القيامة، جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم، فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون : نعم، فيأمرهم(٣٤) أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون : ربنا أخرجنا - أو : أجرنا - منها، فيقول لهم : ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم. فيقول : اعمدوا إليها، فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها فَرِقوا ورجعوا، فقالوا : ربنا فَرِقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها فيقول : ادخلوها داخرين ". فقال نبي الله ﷺ :" لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا ". ثم قال البزار : ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد(٣٥).
قلت : وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي : لا بأس به، ولم يرضه أبو داود. وقال أبو حاتم : شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به.
الحديث السادس : عن أبي سعيد - سعد بن مالك بن سنان الخدري :
قال الإمام محمد بن يحيى الذُّهَلي : حدثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :" الهالك في الفترة والمعتوه والمولود : يقول الهالك
في الفترة : لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه : رب، لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود : رب لم أدرك العقل فترفع(٣٦) لهم نار فيقال لهم(٣٧) : ردوها "، قال : فيردها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل، فيقول : إياي عصيتم، فكيف لو أن رسلي أتتكم ؟ ".
وكذا رواه البزار، عن محمد بن عمر بن هَيَّاج الكوفي، عن عبيد الله(٣٨) بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، به(٣٩) ثم قال : لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه، عن عطية عنه، وقال في آخره :" فيقول الله : إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب ؟ "
الحديث السابع : عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه :
قال هشام بن عَمَّار ومحمد بن المبارك الصوري(٤٠) حدثنا عمر بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس(٤١) الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله ﷺ قال :" يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا. فيقول الممسوخ : يا رب، لو آتيتني عقلا ما كان(٤٢) من آتيته عقلا بأسعد مني - وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك - فيقول الرب عز وجل : إني آمركم بأمر فتطيعوني ؟ فيقولون : نعم، فيقول : اذهبوا فادخلوا النار - قال : ولو دخلوها ما ضرّتهم - فتخرج عليهم قوابص، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب عزّ وجل : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فت
١ في ف: "الحمد"..
٢ زيادة من ت..
٣ زيادة من ت.
.

٤ في ت، ف، أ: "عن"..
٥ في ت، ف، أ: "هل من مزيد؟ ويلقون فيها فتقول: هل من مزيد"..
٦ صحيح البخاري برقم (٧٤٤٩).
٧ في ت: "الفظلة" وهو خطأ..
٨ في ت: "وعبد الرزاق"..
٩ في ف: "قال رسول الله"..
١٠ في ف: "وينزوي"..
١١ صحيح البخاري برقم (٤٨٥٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٦)..
١٢ في أ: "العلماء"..
١٣ في ف: "اختلف العلماء فيها"..
١٤ في ت: "ومن لم تبلغه"..
١٥ زيادة من ت، ف..
١٦ في ت، ف، أ: "وبالله"..
١٧ زيادة من ف، أ..
١٨ في ف: "لقد"..
١٩ في ت: "يقذفوني".
.

٢٠ في ت، ف: "لتطيعنه"..
٢١ المسند (٤/٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦): "رجاله رجال الصحيح"..
٢٢ في ف: "فمن"..
٢٣ المسند (٤/٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦): "رجاله رجال الصحيح"..
٢٤ في ف، أ: "أحمد"..
٢٥ الاعتقاد (ص١٦٩)..
٢٦ رواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٤٠٤) من طريق الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة به..
٢٧ تفسير الطبري (١٥/٤١)..
٢٨ في ف: "زيد هو أبان"..
٢٩ في ت: "ليعذبوا"..
٣٠ رواه أبو نعيم في الحلية (٦/٣٠٨) من طريق سفيان الثوري، عن الربيع بن صبيح به، وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/٢٤٦) وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وسمرة بن جندب رضي الله عنهما. وكأن في متن الحديث نكارة لمخالفته ما ورد في الصحيحين أولا، ولأن الله وصف خدم أهل الجنة بالخلود فقال: (ويطوف عليهم ولدان مخلدان) [الإنسان: ١٩] وسيأتي تضعيف الحافظ ابن كثير له، والله تعالى أعلم.
.

٣١ مسند أبي يعلى (٧/٢٢٥) ومسند البزار برقم (٢١٧٧) "كشف الأستار" وليث بن أبي سليم ضعيف، وعبد الوارث قال عنه البخاري: "منكر الحديث"..
٣٢ وذكره المؤلف في جامع المسانيد والسنن (٣٧/٨٧) من مسند أبي يعلى، ولم أقع عليه في المطبوع من المسند..
٣٣ لم أقع على هذا الطريق، ولعلي أستدركه فيما بعد - إن شاء الله. وروى الإمام أحمد في مسنده (٦/٨٤) من طريق بهية عن عائشة نحوه..
٣٤ في ت: "فأمرهم"..
٣٥ مسند البزار برقم (٣٤٣٣) "كشف الأستار"..
٣٦ في ف: "فرفع"..
٣٧ في ت: "فيقول لهم"..
٣٨ في ت: "عبد الله"..
٣٩ مسند البزار برقم (٢١٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦) "فيه عطية وهو ضعيف"..
٤٠ في ت: "الغوري"..
٤١ في ت: "عن أبي ذر"..
٤٢ في ت: "ما مات"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قَالَ: عَمَلَهُ. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ: نُخْرِجُ ذَلِكَ الْعَمَلَ ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ قَالَ مَعْمَرٌ: وَتَلَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] يَا ابْنَ آدَمَ، بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَتَكَ (١) وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ، فَاعْمَلْ (٢) مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ، حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا تَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ قَدْ عَدَلَ -وَاللَّهِ (٣) -عَلَيْكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
هَذَا مِنْ حُسْنِ (٤) كَلَامِ الْحَسَنِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (١٥)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَنِ اهْتَدَى وَاتَّبَعَ الْحَقَّ وَاقْتَفَى آثَارَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّمَا يُحَصِّلُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ الْحَمِيدَةَ (٥) لِنَفْسِهِ ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، وَزَاغَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ، فَإِنَّمَا يَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ ذَنْبَ أَحَدٍ، وَلَا يَجْنِي جانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فَاطِرٍ: ١٨].
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣]، وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] (٦) ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النَّحْلِ: ٢٥]، فَإِنَّ الدُّعَاةَ عَلَيْهِمْ إِثْمُ ضَلَالِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَإِثْمٌ آخَرُ بِسَبَبِ مَا أَضَلُّوا مَنْ أَضَلُّوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِ أُولَئِكَ، وَلَا يَحْمِلُوا عَنْهُمْ شَيْئًا. وَهَذَا مِنْ عَدْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ إِخْبَارٌ عَنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الْمُلْكِ: ٨، ٩]، وَكَذَا قَوْلُهُ [تَعَالَى] (٧) :﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]
(١) في ت، ف، أ: "صحيفة".
(٢) في ت، ف، أ: "فاملك".
(٣) في ت، ف، أ: "الله".
(٤) في ف: "أحسن".
(٥) في ف: "الحمد".
(٦) زيادة من ت.
(٧) زيادة من ت.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُدْخِلُ أَحَدًا النَّارَ إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ طَعَنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي اللَّفْظَةِ الَّتِي جَاءَتْ مُقْحِمَةً فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٦].
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَان، عَنِ الْأَعْرَجِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى (١) أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: "وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلْقًا فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ (٢) ثَلَاثًا، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ (٣).
فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا جَاءَ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا دَارُ فَضْلٍ، وَأَمَّا النَّارُ فَإِنَّهَا دَارُ عَدْلٍ، لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ (٤) وَقَالُوا: لَعَلَّهُ انْقَلَبَ عَلَى الرَّاوِي بِدَلِيلِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٥) عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٦) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: "فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولَ: قَطٍ، قَطٍ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي (٧) بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا" (٨).
بَقِيَ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ قَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ (٩) رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فِيهَا (١٠) قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَهِيَ: الْوِلْدَانُ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ صِغَارٌ وَآبَاؤُهُمْ كُفَّارٌ، مَاذَا حُكْمُهُمْ؟ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالْأَصَمُّ وَالشَّيْخُ الْخَرِفُ، وَمَنْ مَاتَ فِي الفَتْرة وَلَمْ تَبْلُغْهُ (١١) الدَّعْوَةُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي شَأْنِهِمْ أَحَادِيثُ أَنَا ذَاكِرُهَا لَكَ بِعَوْنِ اللَّهِ [تَعَالَى] (١٢) وَتَوْفِيقِهِ ثُمَّ نَذْكُرُ فَصْلًا مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ (١٣) الْمُسْتَعَانُ.
فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَريع:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (١٤) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ (١٥) جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي (١٦) بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا،
(١) في ت، ف، أ: "عن".
(٢) في ت، ف، أ: "هل من مزيد؟ ويلقون فيها فتقول: هل من مزيد".
(٣) صحيح البخاري برقم (٧٤٤٩)
(٤) في ت: "الفظلة" وهو خطأ.
(٥) في ت: "وعبد الرزاق".
(٦) في ف: "قال رسول الله".
(٧) في ف: "وينزوي".
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٨٥٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٦).
(٩) في أ: "العلماء".
(١٠) في ف: "اختلف العلماء فيها".
(١١) في ت: "ومن لم تبلغه".
(١٢) زيادة من ت، ف.
(١٣) في ت، ف، أ: "وبالله".
(١٤) زيادة من ف، أ.
(١٥) في ف: "لقد".
(١٦) في ت: "يقذفوني".
وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ ليُطِعنّه (١) فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا" (٢).
وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: "مَنْ (٣) دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا" (٤).
وَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ، مِنْ حَدِيثِ حَنْبَلِ (٥) بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ، بِهِ (٦) وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ يُدْلِي عَلَى اللَّهِ بِحُجَّةٍ" فَذَكَرَ نَحْوَهْ (٧).
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (٨).
وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانٍ (٩) قَالَ: قُلْنَا لِأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا تَقُولُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ فَيُعَذَّبُوا (١٠) بِهَا فَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَسَنَاتٌ فَيُجَازُوا بِهَا فَيَكُونُوا مَنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُمْ مَنْ خَدَمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (١١).
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْث، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بِالْمَوْلُودِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَمَنْ مَاتَ فِي الفَتْرَة، وَالشَّيْخِ الْفَانِي الْهَرِمِ، كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعُنُقٍ مِنَ النَّارِ: ابْرُزْ. وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيْكُمُ ادْخُلُوا هَذِهِ. قَالَ: فَيَقُولُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ: يَا رَبِّ، أَنَّى نَدْخُلُهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ؟ قَالَ: وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ يَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيهَا مُسْرِعًا، قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً، فَيُدْخِلُ هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار".
(١) في ت، ف: "لتطيعنه".
(٢) المسند (٤/٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦) :"رجاله رجال الصحيح".
(٣) في ف: "فمن".
(٤) المسند (٤/٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦) :"رجاله رجال الصحيح".
(٥) في ف، أ: "أحمد".
(٦) الاعتقاد (ص١٦٩).
(٧) رواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٤٠٤) من طريق الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة به.
(٨) تفسير الطبري (١٥/٤١).
(٩) في ف: "زيد هو أبان".
(١٠) في ت: "ليعذبوا".
(١١) رواه أبو نعيم في الحلية (٦/٣٠٨) من طريق سفيان الثوري، عن الربيع بن صبيح به، وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/٢٤٦) وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وسمرة بن جندب رضي الله عنهما. وكأن في متن الحديث نكاره لمخالفته ما ورد في الصحيحين أولا، ولأن الله وصف خدم أهل الجنة بالخلود فقال: (ويطوف عليهم ولدان مخلدان) [الإنسان: ١٩] وسيأتي تضعيف الحافظ ابن كثير له، والله تعالى أعلم.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهَ (١).
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ.
-يَعْنِي ابْنَ دَاوُدَ-عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: "هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ". وَسُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَعْمَلُونَ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ" (٢).
وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ (٣).
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ ثَوْبَانَ:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عظَّم شَأْنَ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، جَاءَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْمِلُونَ أَوْثَانَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ تُرْسِلْ إِلَيْنَا رَسُولًا وَلَمْ يَأْتِنَا لَكَ أَمْرٌ، وَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا لَكُنَّا أَطْوَعَ عِبَادِكَ، فَيَقُولُ لَهُمْ رَبُّهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَأْمُرُهُمْ (٤) أَنْ يَعْمِدُوا إِلَى جَهَنَّمَ فَيَدْخُلُوهَا، فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَجَدُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، فَرَجَعُوا إِلَى رَبِّهِمْ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا -أَوْ: أَجِرْنَا-مِنْهَا، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَلَمْ تَزْعُمُوا أَنِّي إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونِي؟ فَيَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقَهُمْ. فَيَقُولُ: اعْمَدُوا إِلَيْهَا، فَادْخُلُوهَا.
فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا فَرِقوا وَرَجَعُوا، فَقَالُوا: رَبَّنَا فَرِقنا مِنْهَا، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَدْخُلَهَا فَيَقُولُ: ادْخُلُوهَا دَاخِرِينَ". فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ دَخَلُوهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا". ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: وَمَتْنُ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَيُّوبَ إِلَّا عَبَّادٌ، وَلَا عَنْ عَبَّادٍ إِلَّا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ (٥).
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَمْ يَرْضَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَيْخٌ لَا بَأْسَ بِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ-سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيُّ:
قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهَلي: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهُ والمولود: يقول الهالك
(١) مسند أبي يعلى (٧/٢٢٥) ومسند البزار برقم (٢١٧٧) "كشف الأستار" وليث بن أبي سليم ضعيف، وعبد الوارث قال عنه البخاري: "منكر الحديث".
(٢) وذكره المؤلف في جامع المسانيد والسنن (٣٧/٨٧) من مسند أبي يعلى، ولم أقع عليه في المطبوع من المسند.
(٣) لم أقع على هذا الطريق، ولعلي أستدركه فيما بعد -إن شاء الله. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (٦/٨٤) مِنْ طَرِيقِ بهية عن عائشة نحوه.
(٤) في ت: "فأمرهم".
(٥) مسند البزار برقم (٣٤٣٣) "كشف الأستار".
فِي الْفَتْرَةِ: لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ: رَبِّ، لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا، وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ: رَبِّ لَمْ أُدْرِكِ الْعَقْلَ فَتُرْفَعُ (١) لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ لَهُمْ (٢) : رِدُوهَا"، قَالَ: فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ، فَيَقُولُ: إِيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ لَوْ أَنَّ رُسُلِي أَتَتْكُمْ؟ ".
وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ هَيَّاج الْكُوفِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (٣) بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، بِهِ (٤) ثُمَّ قَالَ: لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنْهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "فَيَقُولُ اللَّهُ: إِيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرُسُلِي بِالْغَيْبِ؟ "
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّار وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ (٥) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَلْبَسٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ (٦) الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَمْسُوخِ عَقْلًا وَبِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ، وَبِالْهَالِكِ صَغِيرًا. فَيَقُولُ الْمَمْسُوخُ: يَا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا مَا كَانَ (٧) مَنْ آتَيْتُهُ عَقْلًا بِأَسْعَدَ مِنِّي -وَذَكَرَ فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالصَّغِيرِ نَحْوَ ذَلِكَ-فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنِّي آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ فَتُطِيعُونِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَادْخُلُوا النَّارَ -قَالَ: وَلَوْ دَخَلُوهَا مَا ضَرَّتْهُمْ-فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوَابِصُ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا قَدْ أَهْلَكَتْ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، فَيَرْجِعُونَ سِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ الثَّانِيَةَ فَيَرْجِعُونَ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكُمْ عَلِمْتُ مَا أَنْتُمْ عَامِلُونَ، وَعَلَى عِلْمِي خَلَقْتُكُمْ، وَإِلَى عِلْمِي تَصِيرُونَ، ضُمِّيهِمْ، فَتَأْخُذُهُمُ النَّارُ" (٨).
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَتُهُ مُنْدَرِجَةٌ مَعَ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانه ويُنَصِّرَانه ويُمَجِّسانه، كَمَا تُنْتِجُ (٩) الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " (١٠).
وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (١١).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِيمَا أَعْلَمُ، شَكَّ مُوسَى-قَالَ:
(١) في ف: "فرفع".
(٢) في ت: "فيقول لهم".
(٣) في ت: "عبد الله".
(٤) مسند البزار برقم (٢١٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦) "فيه عطية وهو ضعيف".
(٥) في ت: "الغوري".
(٦) في ت: "عن أبي ذر".
(٧) في ت: "ما مات".
(٨) ورواه ابن عدي في الكامل (٥/١١٨) من طريق عبد الصمد بن عبد الله، عن هشام بن عمار، عن عمرو بن واقد به. وقال بعد أن ساق أحاديث عمرو بن واقد عن يونس: "كلها غير محفوظة إلا من رواية عمرو بن واقد عن يونس، عن أبي إدريس، عن معاذ ابن جبل وهو من الشاميين ممن يكتب حديثه ولا يحتج به".
(٩) في ت، ف: "تولد".
(١٠) صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨).
(١١) الرواية في صحيح مسلم برقم (٢٦٥٨).
"ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ، يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (١) " (٢).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ" (٣) وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ "مُسْلِمِينَ".
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ سَمُرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الْبُخَارِيِّ" مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ سَمُرَة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ" فَنَادَاهُ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: "وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ" (٤).
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الضَّبِّي، عَنْ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَجَاء، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (٥).
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ عَمِّ حَسْنَاءَ (٦).
قَالَ [الْإِمَامُ] (٧) أَحْمَدُ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، يَعْنِي الْأَزْرَقَ] (٨)، أَخْبَرَنَا رَوْح، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ حَسْنَاءَ (٩) بِنْتِ مُعَاوِيَةَ مَنْ بَنِي صَرِيمٍ قَالَتْ: حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ" (١٠).
فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّوَقُّفِ (١١) فِيهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، لِحَدِيثِ سَمُرَة بْنِ جُنْدُبٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (١٢) قَالَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ الْمَنَامِ، حِينَ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَحَوْلَهُ وِلْدَانٌ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟. قَالَ "نَعَمْ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ" (١٣).
وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ لَهُمْ بِالنَّارِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٤) :"هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ".
وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي العَرَصَات، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِمْ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق (١٥) الشقاوة.
(١) في ت: "عليه الصلاة والسلام".
(٢) المسند (٢/٣٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٩) :"فيه عبد الرحمن بن ثابت وثقه ابن المديني وجماعة، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات".
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥).
(٤) أصله في صحيح البخاري برقم (٧٠٤٧) من طريق عوف به نحوه.
(٥) المعجم الكبير (٧/٢٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٩) :"وفيه عبادة بن منصور وثقة يحيى القطان وفيه ضعف".
(٦) في ت، ف، أ: "خنساء".
(٧) زيادة من ت، أ.
(٨) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٩) في ت، ف، أ: "خنساء".
(١٠) المسند (٥/٥٨) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/٢٤٦) :"إسناده حسن".
(١١) في ت، ف، أ: "الوقف".
(١٢) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(١٣) صحيح البخاري برقم (٧٠٤٧).
(١٤) في ت: "عليه الصلاة والسلام"، وفي ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(١٥) في ت، ف، أ: "بتقدم".
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الِاعْتِقَادِ" وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ النُّقَّادِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَري بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحَادِيثِ الِامْتِحَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، وَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَهَا؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ وَلَا ابْتِلَاءٍ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ دُخُولَ النَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ، وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؟!
وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ: أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ يَقْوَى (١) بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ. وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ الْوَاحِدِ مُتَعَاضِدَةً عَلَى هَذَا النَّمَطِ، أَفَادَتِ الْحُجَّةَ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ". فَلَا شَكَّ أَنَّهَا دَارُ جَزَاءٍ، وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ فِي عَرَصَاتِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، مِنَ امْتِحَانِ الْأَطْفَالِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [ن: ٤٢] وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ فِي الصِّحَاحِ (٢) وَغَيْرِهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا كُلَّمَا أَرَادَ السُّجُودَ (٣) خَرَّ لِقَفَاهُ (٤).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ (٥).
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ (٦) دُخُولَ النَّارَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ؟ " فَلَيْسَ هَذَا بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ، كَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَمِنْهُمُ السَّاعِي وَمِنْهُمُ الْمَاشِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا، وَمِنْهُمُ الْمَكْدُوشُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ مَا وَرَدَ فِي أُولَئِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ هَذَا بَلْ هَذَا أَطَمُّ وَأَعْظَمُ، وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الدَّجَّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أَنْ يَشْرَبَ أَحَدُهُمْ مِنَ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ نَارٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَهَذَا نَظِيرُ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى [قَدْ] (٧) أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قَتَلُوا فِيمَا قِيلَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ وَهُمْ فِي عَمَايَةٍ غَمَامَةٍ أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَهَذَا أَيْضًا شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا لَا يَتَقَاصَرُ (٨) عَمَّا ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.
(١) في ف، أ: "يتقوى".
(٢) في ت: "والصحاح".
(٣) في ف: "سجودا".
(٤) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩١٩) من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(٥) صحيح البخاري برقم (٨٠٦) وصحيح مسلم برقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
(٦) في ت، ف: "كلفهم الله"، وفي أ: "يكفهم الله النار".
(٧) زيادة من ت، ف، أ.
(٨) في ف: "لا تتقاصر".
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وِلْدَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَمُرَة أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (١) رَأَى مَعَ إِبْرَاهِيمَ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ وَبِمَا تَقَدَّمَ فِي (٢) رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ حَسْنَاءَ (٣) عَنْ عَمِّهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ". وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ أَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ أَخَصُّ مِنْهُ. فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٤) مِنْهُ أَنَّهُ يُطِيعُ جَعَلَ (٥) رُوحَهُ فِي الْبَرْزَخِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ فِي النَّارِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ، وَنَقَلَهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ [وَالْجَمَاعَةِ] (٦) ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ مُسْتَقِلِّينَ فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُمْ خَدَمًا لَهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ (٧) وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ فِي النَّارِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ ضَمْرَةَ (٨) بْنِ حَبِيبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَى قَيْسٍ مَوْلَى غُطَيْف، أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَرَارِيِّ الْكُفَّارِ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِلَا عَمَلٍ؟ فَقَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (٩).
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ سَمِعْتُ، عَائِشَةَ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ (١٠) :"هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ". قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: "هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ" قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (١١).
وَرَوَاهُ [الْإِمَامُ] (١٢) أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِي عَقِيل يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ -وَهُوَ مَتْرُوكٌ-عَنْ مَوْلَاتِهِ بُهَيَّة عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ" (١٣).
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ (١٤) غَزْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَلَدَيْنِ لَهَا مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: "هُمَا فِي النَّارِ". قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهَا [قَالَ] (١٥) لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا". قَالَتْ: فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: [قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله
(١) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(٢) في ت، ف: "من".
(٣) في ت، ف، أ: "خنساء".
(٤) زيادة من ف، أ.
(٥) في ت، ف، أ: "جعل الله".
(٦) زيادة من ف، أ.
(٧) سبق الحديث والكلام عليه عند هذه الآية.
(٨) في ف: "حمزة".
(٩) المسند (٦/٨٤).
(١٠) في ف، أ: "فقال".
(١١) سنن أبي داود برقم (٤٧١٢).
(١٢) زيادة من ف، أ.
(١٣) المسند (٦/٢٠٨).
(١٤) في ت: "عن".
(١٥) زيادة من ف، أ، والمسند.
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (١).
"إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ [أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] (٢)﴾ [الطُّورِ: ٢١] (٣).
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ هَذَا مَجْهُولُ الْحَالِ، وَشَيْخَهُ زَاذَانُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ". ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي بِهِ عَلْقَمَةُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٤).
وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عن علقمة، عن سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَا وَأَخِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: إِنَّ أُمَّنَا مَاتَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ تُقْرِي الضَّيْفَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَأَنَّهَا وَأَدَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلُغِ الْحِنْثَ. فَقَالَ: "الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلَامَ، فَتُسْلِمَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ (٥).
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: التَّوَقُّفُ فِيهِمْ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ (٦) : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (٧) وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (٨).
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَافَ لَيْسَ دَارَ قَرَارٍ، وَمَآلَ أَهْلِهَا إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا وِلْدَانُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُخْتَلَفُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي نَقْطَعُ (٩) بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الولدان كلهم تحت شيئة (١٠) اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ (١١). قَالَ أَبُو عُمَرَ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ والحديث
(١) زيادة من ف، أ
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) زوائد المسند (١/١٣٤).
(٤) سنن أبي داود برقم (٤٧١٧).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٣/٤٧٨) من طريق ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هند به.
(٦) في ت، ف: "فقال".
(٧) صحيح البخاري برقم (١٣٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٦٠).
(٨) صحيح البخاري برقم (١٣٨٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٩)
(٩) في ف: "يقطع".
(١٠) في ت، ف، أ: "مشيئة".
(١١) في أ: "تعالى".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٥ } ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
أي : هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة.
وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه.
واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٥} ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾.
أي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة.
وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه.
واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَلَا تَزِرُ
لَا تَحْمِلُ.
وَازِرَةٌ
نَفْسٌ آثِمَةٌ.

إعراب الآية ١٥ من سورة الإسراء

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٢ الى ١٣]

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ مفعولان وكلّ واحد منهما يأتي في إثر صاحبه وينصرف عند مجيئه فهما آيتان دالتان على مدبر لهما. فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي لم نجعل لها ضياء ونورا كنور النهار، والشيء الممحو هو الذي لا يتبيّن. وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً وهي الشّمس وضوؤها لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وفي الكلام حذف أي ولتسكنوا في الليل وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي جعلنا بين الآية والآية فصلا لتستدلّوا بدلائل الله جلّ وعزّ ونصب (كل شيء) بإضمار فعل، وكذا وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً من نعت كتاب، وإن شئت على الحال، وقد ذكرنا الآية وما فيها من القراءات.

[سورة الإسراء (١٧) : آية ١٤]

اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤)
اقْرَأْ كِتابَكَ علامة الجزم والبناء حذف الضمّة من الهمزة، وحكي عن العرب:
أقر يا هذا، على إبدال الهمزة، ومنه وقول زهير: [الطويل] ٢٦٧-
وإلّا يبد بالظّلم يظلم «١»
كَفى بِنَفْسِكَ في موضع رفع والباء زائدة للتوكيد. حَسِيباً على البيان، وإن شئت على الحال. قال أبو إسحاق: ويجوز في غير القرآن حسيبة.

[سورة الإسراء (١٧) : آية ١٥]

مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)
مَنِ اهْتَدى شرط، والجواب فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وكذا وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي عمله له، ويدلّ على هذا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وفي معناه قولان: أحدهما لا يؤخذ أحد بذنب أحد، والآخر أنّ المعنى لا ينبغي لأحد أن يقتدي بأحد ويقلّده في الشر، كما قال جلّ وعزّ إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] ويقال وزر يزر والأصل يوزر حذفت الواو عند البصريين لوقوعها بين ياء وكسرة، والمصدر وزر ووزر ووزرة وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فيه قولان: أحدهما أن المعنى وما كنا معذّبين العذاب الذي يكون عقوبة على مخالفة الشيء الذي لا يعرف إلا بالإخبار حتى نبعث رسولا، والآخر أنه عذاب الاستئصال.
(١) مرّ الشاهد رقم (١٦).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥ من سورة الإسراء

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٨ أقوال
١
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ سُئِل عن أولاد المشركين. فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملين»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٠٠ (١٣٨٤)، ٨‏/‏١٢٣ (٦٥٩٨)، ومسلم ٤‏/‏٢٠٤٩ (٢٦٥٩)، ويحيى بن سلام في تفسيره ٢‏/‏٦٥٧.
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: كنت أقول في أطفال المشركين: هم مع آبائهم. حتى حدثني رجل مِن أصحاب النَّبي ﷺ، عن النَّبي ﷺ، أنّه سُئل عنهم، فقال: «ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بهم وبما كانوا عاملين». فأمسكت عن قولي١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٤‏/‏٣٠٥ (٢٠٦٩٧)، ٣٨‏/‏٤٦٩ (٢٣٤٨٤). قال ابن عبد البر في التمهيد ١٨‏/‏١٢٦بعد ذكره لعدد من الأحاديث منها هذا: «أحاديث هذا الباب من جهة الإسناد صحاح ثابتة عند جميع أهل العلم بالنقل». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١٨ (١١٩٤٤): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٢‏/‏٥٢١ (٢٠٢٧): «رواه أبو داود الطيالسي وأحمد بن حنبل بسند صحيح».
٣
عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني الصَّعب بن جَثّامة، قال: قلتُ: يا رسول الله، إنّا نُصيبُ في البَيات١ مِن ذراري المشركين؟ قال: «هم منهم»٢
التخريج
  1. ١بيات العدو وتبييتهم: هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة. النهاية (بيت).
  2. ٢أخرجه البخاري ٤‏/‏٦١ (٣٠١٢، ٣٠١٣)، ومسلم ٣‏/‏١٣٦٥ (١٧٤٥).
٤
عن حسناء -ويقال: خنساء- بنت معاوية الصُّرَيمية، عن عمها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «النَّبيُّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد١ في الجنة»٢
التخريج
  1. ١الوَئِيدُ: الموءود، فعيل بمعنى مفعول. النهاية ٥‏/‏١٤٣.
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٤‏/‏١٩٠ (٢٠٥٨٣)، ٣٤‏/‏١٩٢ (٢٠٥٨٥)، ٣٨‏/‏٤٥٩ (٢٣٤٧٦)، وأبو داود ٤‏/‏١٧٥ (٢٥٢١). قال المزي في تهذيب الكمال ٣٥‏/‏١٥١ (٧٨١٤): «حسناء بنت معاوية بن سليم الصريمية، ويقال: خنساء». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٢٤٦: «إسناده حسن». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧‏/‏٢٨٠ (٢٢٧٦): «حديث صحيح».
٥
عن أنس بن مالك، قال: سألنا رسولَ الله ﷺ عن أولاد المشركين. فقال: «هم خَدَم أهل الجنة»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البزار في مسنده ١٤‏/‏٣٩ (٧٤٦٦)، والطبراني في الأوسط ٣‏/‏٢٢٠ (٢٩٧٢)، ٥‏/‏٢٩٤ (٥٣٥٥). قال الطبراني في الموضع الأول: «لم يروه عن قتادة إلا مقاتل». وقال في الموضع الآخر: «لم يرو هذا الحديثَ عن مبارك بن فضالة إلا الحر بن مالك». وقال أبو نعيم في معرفة الصحابة ٦‏/‏٣٠٠٧ (٦٩٨١): «المشهور عن يزيد بن سنان عن أنس بن مالك». وقال القرطبي في التذكرة ص١٠٤٤: «ليس بالقوي». وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٤‏/‏٢٧٩: «لا أصل لهذا القول». وقال ابن كثير في تفسيره ٥‏/‏٥٩: «ضعيف». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٢٤٦: «ضعيف». وقال المناوي في التيسير ١‏/‏٣٩٤: «بإسناد حسن». وقال الرباعي في فتح الغفار ٣‏/‏١٧٢٩ (٥٠٩٣): «إن كانت ضعيفة فبعضها يقوي بعضًا... وما في معناها وما تواتر وشهدت به فطرة العقول من سعة رحمة الله تزداد قوة». وقال الألباني في الصحيحة ٣‏/‏٤٥٢-٤٥٣ (١٤٦٨): «الحديث صحيح عندي بمجموع هذه الطرق والشواهد».
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف فيمن مات من أولاد المشركين صغيرًا على أربعة أقوال: الأول: أنهم في الجَنَّة؛ لحديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال في جملة ذلك المنام حين مرَّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، «فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه السلام، وهؤلاء أولاد المسلمين، وأولاد المشركين». والثاني: أنهم في النار؛ لقوله ﷺ: «هم مع آبائهم». والثالث: التوقف في أمرهم. والرابع: أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات؛ فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومَن عصى دخل النار، وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة. ومالَ ابنُ كثير (٨/٤٥٥) إلى القول الرابع، فقال: «وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد».
٦
عن أنس بن مالك، قال: رسول الله ﷺ: «سألتُ ربي اللّاهِين١ مِن ذرية البشر ألّا يُعذبهم، فأعطانيهم»٢
التخريج
  1. ١قال ابن عبد البر: إنما قيل للأطفال: اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب، من غير عقد ولا عزم، من قولهم: لهيت عن الشيء، أي: لم أعتمده، كقوله: ﴿لاهية قلوبهم﴾ [الأنبياء:٣].
  2. ٢أخرجه أبو يعلى في مسنده ٦‏/‏٢٦٧ (٣٥٧٠)، ٦‏/‏٣١٦ (٣٦٣٦)، ٧‏/‏١٣٨ (٤١٠١)، والطبراني في الأوسط ٦‏/‏١١١ (٥٩٥٧). قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا عبد الرحمن بن إسحاق، ولا عن عبد الرحمن إلا فضيل بن سليمان، تفرد به عبد الرحمن بن المتوكل». وقال البيهقي في القضاء والقدر ص٣٥٥ (٦٢٩): «تفرد به يزيد الرقاشي، ويزيد لا يحتج به، وروي أيضًا عن عثمان بن مقسم عن قتادة عن أنس، وإسناده ضعيف لا يحتج به». وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٣‏/‏١٤٥٠-١٤٥١ (٣١٨٨): «وهذا لا يرويه بهذا الإسناد غير فضيل، وهو ضعيف. أورده في ذكر عمرو بن مالك النكري... وعمرو ضعيف». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢‏/‏٤٤٤ (١٥٤٥): «هذا حديث لا يثبت، ويزيد لا يعول عليه». وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة ٢‏/‏١١٢٧: «وهذا الحديث ضعيف؛ فإن يزيد الرقاشي واه». وقال في حادي الأرواح ص ٢١٥: «وهذه الطرق ضعيفة؛ فيزيد واهٍ، وفضيل بن سليمان متكلم فيه، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١٩ (١١٩٥٤): «رواه أبو يعلى من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن المتوكل، وهو ثقة». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٢٤٦: «إسناده حسن». وقال العيني في عمدة القاري ٨‏/‏٢١١: «إسناده حسن». وقال السيوطي في الخصائص الكبرى ٢‏/‏٣٨٦: «بسند صحيح». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٤٨: «وله طرق بعضها صحيح». وأورده الألباني في الصحيحة ٤‏/‏٥٠٢ (١٨٨١).
٧
عن سلمان الفارسي، قال: أطفال المشركين خَدَم أهل الجنة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.
٨
عن عائشة، قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين، أين هم؟ قال: «في الجنة». وسألته عن ولدان المشركين، أين هم؟ قال: «في النار». قلت: يا رسول الله، لم يُدركِوا الأعمالَ، ولم تجرِ عليهم الأقلام! قال: «ربكِ أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده، لئن شئتُ أسمعتُكِ تَضاغِيَهم١ في النار»٢
التخريج
  1. ١تضاغيهم: صياحهم وبكاؤهم. النهاية (ضغا).
  2. ٢أخرجه أحمد ٤٢‏/‏٤٨٤ (٢٥٧٤٣) مختصرًا، والحارث في مسنده ٢‏/‏٧٥٧ (٧٥٣) واللفظ له، والثعلبي ١٠‏/‏٧٧. قال ابن عدي في الكامل ٢‏/‏٢٥٨-٢٥٩ (٣٠١) في ترجمة بهية مولاة القاسم: «ولبهية هذه عن عائشة غير هذا الحديث، ولم يرو عن بهية غير أبي عقيل يحيى بن المتوكل، وليس أحاديثه بالكثيرة، وإنما يروي مقدار خمسة أو ستة أو سبعة، وأحاديثه ليست منكرة». وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٣‏/‏١١٢: «أبو عقيل ضعيف متروك». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢‏/‏٤٤١-٤٤٢ (١٥٤١): «هذا حديث لا يصح، قال أحمد بن حنبل: يحيى بن المتوكل يروي عن بهية أحاديث منكرة». وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة ٢‏/‏١٠٩٣: «هذا الحديث قد ضعّفه جماعة من الحفاظ». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١٧ (١١٩٤١): «رواه أحمد، وفيه أبو عقيل يحيى بن المتوكل، ضعفه جمهور الأئمة أحمد وغيره، ويحيى بن معين، ونقل عنه توثيقه في رواية من ثلاثة». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٢٤٦: «وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية، وهو متروك». وقال الألباني في الضعيفة ٨‏/‏٣٦٧ (٣٨٩٨): «موضوع».

تفسير

١٢ قولًا
١
عن أبي هريرة -من طريق معمر، عن قتادة- قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة؛ المعتوه، والأصم، والأبكم، والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولًا: أن ادخُلوا النار. فيقولون: كيف ولم تأتنا رُسُل؟ قال: وايمُ الله، لو دخَلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا. ثم يُرسِلُ إليهم، فيُطِيعُه مَن كان يريد أن يطيعه. قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وما كُنّا مُعذبين حتى نبعث رسولًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٣٧٤، وابن جرير ١٤‏/‏٥٢٦-٥٢٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
تفسير الحسن البصري قوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾: لا يُعَذِّب قومًا بالاستئصال حتى يحتج عليهم بالرسول١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏١٢٣.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾: إنّ الله -تبارك وتعالى- ليس يعذب أحدًا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو يأتيه من الله بينة، وليس معذبًا أحدًا إلا بذنبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٥٢٦.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كنا معذبين﴾ في الدنيا أحدًا ﴿حتى نبعث رسولا﴾ لينذرهم بالعذاب في الدنيا بأنّه نازل بهم، كقوله سبحانه: ﴿وما أهلكنا﴾ في الدنيا ﴿من قرية إلا لها منذرون﴾ [الشعرء:٢٠٨]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢٥.
٥
قال يحيى بن سلّام: كقوله: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا﴾ [القصص:٥٩]، وكقوله: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر:٢٤]، يعني: الأمم التي أهلك الله بالعذاب١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ تيمية (٤/٢٠٤-٢٠٥) في معرض تعليقه على احتجاج الأشاعرة على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾: «وهو حُجَّة عليهم أيضًا في نفي العذاب مطلقًا إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل. فأولئك يقولون: يعذِّب مَن لم يبعث إليه رسولًا؛ لأنه فَعَلَ القبائحَ العقلية. وهؤلاء يقولون: بل يعذب مَن لم يفعل قبيحًا قط كالأطفال. وهذا مخالف للكتاب والسُّنَّة، والعقل أيضًا، قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك:٨]، فقد أخبر سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما ألقي فوج سألهم الخزنة: هل جاءهم نذير؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير، فلم يبق فوج يدخل النار إلا وقد جاءهم نذير، فمن لم يأته نذير لم يدخل النار». وقال (٤/٢٠٦بتصرف): «لكن الله لا يعذّب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يفرّق سبحانه بين نوعٍ ونوعٍ، وذكرنا أنّ هذه الآية يحتجّ بها الأشعريّ وأصحابه ومَن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهم يُجَوِّزون أنّ الله يُعذّب في الآخرة بلا ذنب، حتى قالوا: يعذب أطفال الآخرة. فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجّة على الطائفتين». وبنحوه قال ابن كثير (٨/٤٤٦-٤٤٧). وقال ابنُ عطية (٥/٤٥٢-٤٥٣بتصرف) مستندًا إلى السياق، والنظائر، ودلالة العقل: «مقصد الآية في هذا الموضع: الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد هذا ما يجيء بعدُ مِن وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومِن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون، ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومِن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى﴾ [الملك:٨-٩]، وظاهر ﴿كلما﴾ الحصر، وكقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر:٢٤]، وأما مِن جهة النظر فإنّ بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد، وبث المعتقدات في نبيه، ونصب الأدلة الدالة على الصانع، مع سلامة [الفطر]؛ يوجب على كل أحد من العالم الإيمان، واتباع شريعة الله، ثم تجدَّد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضًا يُعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة، ومنهم أهل الفترات الذين قد قدَّر وجودَهم بعضُ أهل العلم». ثم قال: «وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة، وإلى المجانين، والأطفال؛ فحديث لم يصحَّ، ولا يقتضيه ما تقضيه الشريعة مِن أن الآخرة ليست دار تكليف». وردَّ ابن كثير (٨/٤٥٥-٤٥٦) كلامًا لابن عبد البر يشبه كلام ابن عطية الأخير، فقال: «الجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء. فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم:٤٢]. وقد ثبتت السُّنَّة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خرَّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك. ثم يأذن له في دخول الجنة».
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه﴾ الخير، ﴿ومن ضل﴾ عن الهدى ﴿فإنما يضل عليها﴾ أي: على نفسه. يقول: فعلى نفسه إثم ضلالته١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢٥.
٧
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾: على نفسه١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٢٣.
٨
عن عائشة، قالت: سألتْ خديجةُ رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين. فقال: «هم مع آبائهم». ثم سألته بعد ذلك. فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ثم سألته بعدما استحكم الإسلام؛ فنزلت: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فقال: «هم على الفطرة». أو قال: «في الجنة»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٨‏/‏١١٧. قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية ٢‏/‏٣٠٦: «وهذا الحديث كذب موضوع عند أهل الحديث». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٢٤٧: «وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو صحَّ هذا لكان قاطِعًا للنزاع، رافعًا لكثير من الإشكال». وقال السيوطي: «بسند ضعيف».
٩
عن أبي رِمْثَة، قال: انطلقتُ مع أبي نحو النبي ﷺ، ثم إنّ رسول الله ﷺ قال لأبي: «ابنك هذا؟». قال: إي، وربِّ الكعبة. قال: «حقًّا؟». قال: أشهد به. قال: فتبسَّم رسول الله ﷺ ضاحكًا مِن ثَبْت شبهي في أبي، ومِن حَلِف أبي عليَّ، ثم قال: «أما إنّه لا يجني عليك، ولا تجني عليه». وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١١‏/‏٦٧٩-٦٨٠ (٧١٠٩)، ١١‏/‏٦٨٥-٦٨٦ (٧١١٤)، ١١‏/‏٦٨٧- ٦٨٩ (٧١١٦)، وأبو داود ٦‏/‏٥٤٦ (٤٤٩٥)، وابن حبان ١٣‏/‏٣٣٧ (٥٩٩٥)، والحاكم ٢‏/‏٤٦١ (٣٥٩٠)، والثعلبي ٩‏/‏١٥٣. قال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال أبو نعيم في حلية الأولياء ٧‏/‏١١٨: «مشهور من حديث الثوري». وقال أيضًا ٧‏/‏٢٣١: «مشهور من حديث إياد، عن أبي رمثة، واسمه رفاعة بن يثربي، غريب من حديث مسعر، لم نكتبه إلا من هذا الوجه». وقال ابن حزم في المحلى ١١‏/‏٢٦٠ بعد ذكره أحاديث: «إن كان في أسانيدها معترض فإن معناها صحيح». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٨‏/‏٤٧٢ (٥٦): «هذا الحديث صحيح». وقال الألباني في الإرواء ٧‏/‏٣٣٢-٣٣٣ (٢٣٠٣): «صحيح».
١٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾: واللهِ، ما يحمل الله على عبدٍ ذنبَ غيره، ولا يؤاخذ إلا بعمله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٥٢٦.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، يقول: لا تحمل نفسٌ خطيئةَ نفسٍ أخرى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢٥.
١٢
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾: لا يحمل أحدٌ ذنبَ أحد١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٥/٤٥٢): «وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الرد على مَن قال: إنّ الميت يعذب ببكاء الحي عليه. ونكتة ذلك المعنى: إنما هي أن التعذيب إنما يقع إذا كان البكاء مِن سُنَّة الميت وتَسَبُّبِه، كما كانت العرب تفعل». وقال ابنُ كثير (٨/٤٤٥)، فقال: «لا منافاة بين هذا وبين قوله: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت:١٣]، وقوله: ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل:٢٥]؛ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا مَن أضلوا مِن غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده».

أحكام متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ، قال: «يؤتى يوم القيامة بالممسُوخ عقلًا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ عقلًا: يا ربِّ، لو آتيتني عقلًا ما كان مَن آتيتَه عقلًا بأسعَدَ بعقلِه مني. ويقول الهالك في الفترة: يا ربِّ، لو أتاني منك عهد ما كان مَن أتاه منك عهدٌ بأسعد بعهدك مني. ويقول الهالك صغيرًا: يا رب، لو آتيتني عُمُرًا ما كان مَن أتيتَه عُمُرًا بأسعد بعُمُرِه مني. فيقول الرب -تبارك وتعالى-: فإني آمُرُكم بأمر، أفتُطيعوني؟ فيقولون: نعم، وعِزَّتِك. فيقول: اذهبوا، فادخلوا جهنم. ولو دَخَلوها ما ضَرَّتهم شيئًا، فيَخرُجُ عليهم قَوابِص١ مِن نار، يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا، ويقولون: يا ربنا، خرجنا -وعِزَّتك- نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص من نار، ظننّا أن قد أهلكت ما خلق الله من شيء. ثم يأمُرُهم ثانية، فيرجعون كذلك، ويقولون كذلك، فيقول الرب: خلقتُكم على علمي، وإلى علمي تصيرون، ضُمِّيهم. فتأخُذُهم النار»٢
التخريج
  1. ١القوابص: هي الطوائف والجماعات، واحدها قابصة. النهاية (قبص).
  2. ٢أخرجه الطبراني في الأوسط ٨‏/‏٥٧-٥٨ (٧٩٥٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٥‏/‏١٢٧. قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن يونس بن ميسرة إلا عمرو بن واقد، ولا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد». وقال أبو نعيم: «لا يعرف هذا الحديث مسندًا مُتَّصلًا عن النبي ﷺ من حديث أبي إدريس عن معاذ، إلا من حديث يونس بن ميسرة، تفرد به عنه عمرو بن واقد». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢‏/‏٤٤١ (١٥٤٠): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وفي إسناده عمرو بن واقد، قال ابن مسهر: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير؛ فاستحق الترك». وقال ابن القيم في طريق الهجرتين ص٣٩٨: «إن كان عمرو بن واقد لا يحتج به فله أصل وشواهد، والأُصول تشهد له». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١٦-٢١٧ (١١٩٣٩): «رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك عند البخاري وغيره، ورمي بالكذب، وقال محمد بن المبارك الصوري: كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا، وبقية رجال الكبير رجال الصحيح». وأورده الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٦٠٤-٦٠٥.
٢
عن الأسود بن سريع، أن النَّبي ﷺ قال: «أربعة يَحتَجُّون يوم القيامة؛ رجلٌ أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في الفترة، فأمّا الأصم فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: ربِّ، جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبَعْر. وأما الهَرِم فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربِّ، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعُنَّه، فيرسل إليهم رسولًا: أن ادخلوا النار». قال: «فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا، ومَن لم يدخلها سُحِب إليها»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٦‏/‏٢٢٨ (١٦٣٠١)، وابن حبان ١٦‏/‏٣٥٦-٣٥٧ (٧٣٥٧). قال البيهقي في كتاب الاعتقاد ص١٦٩: «إسناد صحيح». وقال ابن الخراط في العاقبة في ذكر الموت ص٣١٧: «صحيح». وقال ابن القيم في طريق الهجرتين ص٣٩٩: «إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١٥-٢١٦ (١١٩٣٦): «ورجاله -أحمد- في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال الصحيح، وكذلك رجال البزار فيهما». وأورده الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٦٠٣ (٢٤٦٨).
٣
عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: «فمَن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن لم يدخُلها سُحِب إليها»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٦‏/‏٢٣٠ (١٦٣٠٢). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٤٠-٤١. قال البيهقي في القضاء والقدر ص٣٦١ (٦٤٥): «إسناد صحيح وروي بإسناد آخر فيه ضعف». وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة ٢‏/‏١١٤٩: «وحديث أبي هريرة إسناده صحيح متصل». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٨‏/‏١٧٨ (٧٧٣١): «رواه أبو يعلى الموصلي بسند ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان، ورواه أحمد بن حنبل من وجه آخر». وأورده الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٦٠٣ (٢٤٦٨).
٤
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى يوم القيامة بأربعة؛ بالمولود، والمعتوه، ومَن مات في الفترة، والشيخ الهَرِم الفاني، كلُّهم يتكلم بحُجته، فيقول الربُّ -تبارك وتعالى- لِعُنُقٍ من جهنم: ابرُزِي. ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم. فيقول لهم: ادخلوا هذه. فيقول مَن كُتِب عليه الشقاء: يا ربِّ، أتُدخِلُناها ومنها كُنّا نَفِرُّ؟! قال: وأما مَن كتب له السعادة فيمضي، فيقتحم فيها، فيقول الربُّ تعالى: قد عايَنتُموني فعصيتُموني، فأنتم لرُسِلي أشدُّ تكذيبًا ومعصية. فيُدخِلُ هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار»١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار ١٤‏/‏١٠٤ (٧٥٩٤)، وأبو يعلى ٧‏/‏٢٢٥ (٤٢٢٤). قال القرطبي في التذكرة ص١٠٤١: «يضعفه من جهة المعنى: أن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء ثواب وعقاب. قال الحليمي: وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين». وقال ابن القيم في طريق الهجرتين ص٣٩٩: «هذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في المقالات وغيرها». وقال ابن كثير في تفسيره ٥‏/‏٥٨: «أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١٦ (١١٩٣٧): «رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٢٤٦: «وقد صحّت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة». وأورده الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٦٠٣ (٢٤٦٨).
٥
عن عبد الله بن شدّاد: أنّ رسول الله ﷺ أتاه رجل، فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغارًا، فوضع رأسه ساعة، ثم قال: «أين السائل؟». فقال: هأنذا، يا رسول الله. فقال: «إن الله -تبارك وتعالى- إذا قضى بين أهل الجنة والنار لم يبق غيرهم، عجُّوا، فقالوا: اللهم ربنا، لم تأتِنا رُسُلك، ولم نعلم شيئًا. فأرسل إليهم ملَكًا، والله أعلم بما كانوا عاملين، فقال: إني رسول ربكم إليكم. فانطلقوا، فاتَّبَعوا حتى أتوا النار، فقال: إنّ الله يأمركُم أن تقتحموا فيها. فاقتحمت طائفة منهم، ثم أُخرِجوا من حيث لا يشعر أصحابهم، فجُعِلوا في السابقين المقربين، ثم جاءهم الرسول، فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار. فاقتحمت طائفة أخرى، ثم أُخرِجوا من حيث لا يشعرون، فجُعِلوا في أصحاب اليمين، ثم جاء الرسول، فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار. فقالوا: ربَّنا، لا طاقة لنا بعذابك. فأمر بهم، فجُمِعَت نَواصِيهم وأقدامُهم، ثم أُلقُوا في النار، واللهِ»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١‏/‏٣١٣ مرسلًا.
٦
عن أبي صالح باذام -من طريق عمرو بن ميمون- قال: يُحاسَبُ يوم القيامة الذين أُرسِل إليهم الرسل، فيُدخِلُ الله الجنة مَن أطاعه، ويدخل النار مَن عصاه، ويبقى قومٌ من الولدان والذين هلَكوا في الفترة ومَن غُلب على عقله، فيقول الربُّ -تبارك وتعالى- لهم: قد رأيتم، إنما أدخلت الجنةَ من أطاعني، وادخلت النار من عصاني، وإني آمُرُكم أن تدخلوا هذه النار. فيخرج لهم عُنُق منها، فمن دخلها كانت نجاتُه، ومَن نَكَصَ فلم يدخلها كانت هلكته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٧٣، ٤٥٥.
التفسير بالمأثور لسورة الإسراء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥ من سورة الإسراء

١٢ وقفةً في هذه الآية

  • (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)، (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) (الإسراء:١٥)، (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) (فاطر:١٨)، (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) (العنكبوت:٦)، أي شيء أبلغ من هذا الحشد من الآيات في تربية القرآن لأهله ليعتنوا بتربية نفوسهم، وتعبيدها لرب العالمين؟

    — عبدالعزيز العويد

  • {ومن ضل فإنما يضل عليها} ابتعادك عن منهج الله... شرٌ لك ، وعليك ، وعلى مجتمعك .. فسارع إلى الإنابة والهداية.

    — مجالس التدبر

  • ( وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) احذر أن تجور على أهل من ظلمك فحقك ليس عندهم

    — مجالس التدبر

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة الإسراء آية 15

    — حازم شومان

  • ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) لا تتحدث كثيراً عن المسؤولية الفردية ، تكفيك هذه الآية .

    — ماجد الغامدي

  • *‏تأمل كلام الحق جل وعلا :- (فمن أبصر فلنفسه) (من عمل صالحًا فلنفسه) (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه) ‏"الآيات السابقة تحدثت عن المسؤولية الفردية وبينت تحمل الفرد نتائج أفعاله في أوضح صورة وأقوى عبارة " فنجاتك يوم القيامة مشروع شخصي لن تعذر بتقصير الناس وانحراف المشاهير والمغمورين وخذلان الأقربين والأبعدين، بل ولا حتى تفريط الوالدين. فتلك الحيل والألاعيب التي تخادع بها نفسك، تنكشف وتبقى الحسرات. *دنياك اختبار لك وحدك* فاعمل لنفسك واجتهد لنجاتها ولو استطاب كل الناس التقصير والقعود " لذا سمي يوم القيامة يوم الحسرة والندامة. ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حسرتي علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ اللهم إنا نسألك النجاة والفلاح.

    — بدون مصدر

  • (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) أنت أسعد الناس بمشعل هدايتك ، والأشقى بظلمة ضلالك.

    — أم حسان الحلو

  • ::: رحلة التدبر:::

    — خالد الخليوي

  • مسألة: قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) ظاهره جواز عذابهم بما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل، وقد قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) ؟ . جوابه: أن جواب لولا مقدر محذوف تقديره: لولا أنا إذا عذبناهم بمعاصيهم قبل الرسل يقولون ذلك لعذبناهم بها قبل الرسالة لكن يؤخر العذاب إلى ما بعد إرسال الرسل لأن لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقوله تعالى: (لولا أرسلت إلينا رسولا) أي: بعد إبراهيم كما أرسلت إلى بنى إسرائيل وفرعون، فألزمهم الحجة بقوله: أو لم يكفر الذين أرسل إليهم موسى به، وقالوا ساحران والله أعلم.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (15): * ما الفرق بين البعث والإرسال (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) الإسراء) (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا (44) المؤمنون)؟(د.فاضل السامرائي) بعث فيه معنى الإرسال تقول بعثت شخصاً فيه معنى الإرسال لكن في بعث أيضاً معاني غير الإرسال. الإرسال أن ترسل رسولاً تحمّله رسالة لطرف آخر. البعث قد يكون فيه إرسال وفيه معاني أخرى غير الإرسال أي فيه إرسال وزيادة. تبعث بارِك أي الجمل، تبعث الموتى ليس بمعنى إرسال ولكن يقيمهم، فيه إثارة وإقامتهم (إن للفتنة بعثات) أي إثارات، فيها تهييج. (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا (247) البقرة) أي أقامه منكم. ولذلك عموماً أن البعث يستعمل فيما هو أشد. حتى لما يتكلم عن الرسول  (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) الجمعة) (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) التوبة) لم يذكر شيئاً آخر الله تعالى يظهر على الدين كله، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) الفتح) انتهت، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) الصف) أما آية(2)(الجمعة) فيها عمل للرسول . فالبعث هو أشد وفيه حركة أما الإرسال فلا، فالبعث هو الإرسال وزيادة ولهذا قال تعالى (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) الإسراء)) فيه قوة وقسوة وعمل.

    — فاضل السامرائي

  • وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

    — احمد الثويني

  • إقامة الحجة سورة الإسراء أية 15

    — عبدالواحد المزروع

فتاوى متعلقة بالآية ١٥ من سورة الإسراء

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥ من سورة الإسراء

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(15) Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال