جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وقيل : إن الأرض التي أُمر أيوب أن يركضها برجله : الجابية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قلا : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ. . . ) الآية، قال : ضرب برجله الأرض، أرضا يقال لها الجابية.
وقوله :( هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرَابٌ ) : ذُكر أنه نبعت له حين ضرب برجله الأرض عينان، فشرب من إحداهما، واغتسل من الأخرى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ضرب برجله الأرض، فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما، واغتسل من الأخرى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه :( ارْكُضْ برِجْلكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ) قال : فركض برجله، فانفجرت له عين، فدخل فيها واغتسل، فأذهب الله عنه كلّ ما كان من البلاء.
حدثني بشر بن آدم، قال : حدثنا أبو قُتيبة، قال : حدثنا أبو هلال، قال : سمعت الحسن، في قول الله :( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ) فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من أربَعين ذراعا، ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها، فذلك قوله :( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ).
وعنى بقوله : مُغْتَسَلٌ : ما يُغْتَسل به من الماء، يقال منه : هذا مُغْتَسل، وغَسُول للذي يُغتسل به من الماء. وقوله : وَشَرابٌ يعني : ويشرب منه، والموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلاً.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (وَاذْكُرْ) أيضا يا محمد عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ) مستغيثا به فيما نزل به من البلاء: يا ربّ (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ) فاختلفت القرّاء في قراءة قوله (بِنُصْبٍ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارئ: (بِنُصْبٍ) بضم النون وسكون الصاد، وقرأ ذلك أبو جعفر: بضم النون والصاد كليهما، وقد حُكي عنه بفتح النون والصاد; والنُّصْب والنَّصَب بمنزلة الحُزْن والحَزَن، والعُدم والعَدَم، والرُّشْد والرَّشَد، والصُّلْب والصَّلَب. وكان الفرّاء يقول: إذا ضُمّ أوّله لم يثقل، لأنهم جعلوهما على سِمَتين: إذا فتحوا أوّله ثقّلوا، وإذا ضمّوا أوّله خففوا. قال: وأنشدني بعض العرب:
| لَئِنْ بَعَثَتْ أُمُّ الحُمَيْدَيْنِ مائِرًا | لَقَدْ غَنِيَتْ في غَيرِ بُؤْسٍ ولا جُحدِ (١) |
وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين: النَّصُب من العذاب. وقال: العرب تقول: أنصبني: عذّبني وبرّح بي. قال: وبعضهم يقول: نَصَبَني، واستشهد لقيله ذلك بقول بشر بن أبي خازم:
| تَعَنَّاكَ نَصْب مِن أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ | كَذِي الشَّجْوِ لَمَّا يَسْلُه وسيَذْهَبُ (١) |
| كِلِيني لِهَمّ يا أمَيْمَةَ ناصِبِ | وَلَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطيءِ الكَوَاكِب (٢) |
وعنى بقوله (مُغْتَسَلٌ) : ما يُغْتَسل به من الماء، يقال منه: هذا مُغْتَسل، وغسول للذي يَغْتسل به من الماء. وقوله (وَشَرَابٌ) يعني: ويشرب منه، والموضع
(٢) البيت للنابغة الذبياني (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحبلي ص ١٥٩) قال شارحه: كليني: دعيني. وأميمة بالفتح (والأحسن بالضم) : منادى. قال الخليل: من عادة العرب أن تنادى المؤنت بالترخيم، فلما لم يرخم هنا (بسبب الوزن) : أجراها على لفظها مرخمة، وأتى بها بالفتح. وناصب: متعب. وبطيء الكواكب: أى لا تغور كواكبه، وهي كناية عن الطول، لأن الشاعر كان قلقا. أهـ. وقد تقدم ذكر البيت في شرح الشاهد الذي قبله، عن أبي عبيدة لأن موضع الشاهد فيهما مشترك.