محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥ من سورة يس في ٨٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥ من سورة يس

٨٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ﴾.


اختلف القرّاء في قراءة قوله : تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرّحِيمِ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة :«تَنْزِيلُ العَزِيز » برفع تنزيل، والرفع في ذلك يتجه من وجهين أحدهما : بأن يُجعل خبرا، فيكون معنى الكلام : إنه تنزيل العزيز الرحيم. والآخر : بالابتداء، فيكون معنى الكلام حينئذٍ : إنك لمن المرسلين، هذا تنزيل العزيز الرحيم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة وبعض أهل الشام : تَنْزِيلَ نصبا على المصدر من قوله : إنّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ لأنّ الإرسال إنما هو عن التنزيل، فكأنه قيل : لمنزل تنزيل العزيز الرحيم حقا.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. ومعنى الكلام : إنك لمن المرسلين يا محمد إرسال الربّ العزيز في انتقامه من أهل الكفر به، الرحيم بمن تاب إليه، وأناب من كفره وفسوقه أن يعاقبه على سالف جرمه بعد توبته له.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقال آخرون: بل هو اسم من أسماء القرآن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (يس) قال: كل هجاء في القرآن اسم من أسماء القرآن.
قال أبو جعفر، وقد بيَّنا القول فيما مضى في نظائر ذلك من حروف الهجاء بما أغنى عن إعادته وتكريره في هذا الموضع.
وقوله (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) يقول: والقرآن المحكم بما فيه من أحكامه، وبيِّنات حججه (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يقول تعالى ذكره مقسمًا بوحيه وتنزيله لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنك يا محمد لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) قسم كما تسمعون (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقول: على طريق لا اعوجاج فيه من الهدى وهو الإسلام.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) : أي على الإسلام.
وفي قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وجهان؛ أحدهما: أن يكون معناه: إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق، فيكون حينئذٍ "على" من قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) من صلة الإرسال. والآخر أن يكون خبرًا مبتدأ، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَ الْأَعْلَى عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» يَعْنِي يس «٢»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِهِ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا لَا تُقْرَأُ عِنْدَ أَمْرٍ عَسِيرٍ إلا يسره الله تعالى، وَكَأَنَّ قِرَاءَتَهَا عِنْدَ الْمَيِّتِ لِتُنْزِلَ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ، وليسهل عليه خروج الروح، والله تعالى أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ قَالَ: كَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ- يَعْنِي يس- عِنْدَ الْمَيِّتِ خفف الله عَنْهُ بِهَا. وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي» يَعْنِي يس.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَرُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالْحَسَنِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ يس بِمَعْنَى يَا إِنْسَانُ «٤». وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْحَبَشَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى:
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ أَيِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا من خلفه إِنَّكَ أي يَا مُحَمَّدُ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ عَلَى مَنْهَجٍ وَدِينٍ قَوِيمٍ وَشَرْعٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أَيْ هَذَا الصِّرَاطُ وَالْمَنْهَجُ والدين الذي جئت به تنزيل مِنْ رَبِّ الْعِزَّةِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشُّورَى: ٥٢- ٥٣].
(١) المسند ٥/ ٢٦، ٢٧.
(٢) أخرجه أبو داود في الجنائز باب ٢٠، وابن ماجة في الجنائز باب ٤.
(٣) المسند ٤/ ١٠٥.
(٤) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٤.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وهذا الصراط المستقيم ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين : العزيز. الرحيم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ١٢} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع (١) اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة.
ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال (٢) المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة.
ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم ﴿تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: العزيز. الرحيم.
فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين -[٦٩٣]- من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل الله إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة الله به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما. ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال الله فيهم ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: نفذ فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم.
وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا﴾ وهي جمع "غل" و "الغل" ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق (٣) عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي: رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي: حاجزا يحجزهم عن الإيمان، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وكيف يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا؟!
والقسم الثاني: الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي: إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [أي:] من قصده اتباع الحق وما ذكر به، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية الله تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا: ﴿من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة﴾ وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال والنيات وغيرها ﴿أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.
(١) في ب: في المحل.
(٢) كذا في ب، وفي أ: أصول.
(٣) كذا في ب، وفي أ: الأذقان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
تنزيل العزيز
أي الذي أنزل إليك العزيز

إعراب الآية ٥ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

مكسورة إلّا في قول الكسائي فإنّه يجيز فتحها لأن في الكلام معنى: أقسم.

[سورة يس (٣٦) : آية ٤]

عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
قال الضحاك: أي على طريقة مستقيمة. قال قتادة: أي على دين مستقيم. قال أبو إسحاق: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خبر بعد خبر، قال: ويجوز أن يكون من صلة المرسلين أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم.

[سورة يس (٣٦) : آية ٥]

تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)
هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون وعبد الله بن عامر اليحصبي تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» بالنصب وحكي الخفض. قال أبو جعفر: فالرفع على إضمار مبتدأ أي الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، والنصب على المصدر، والخفض على البدل من القرآن.

[سورة يس (٣٦) : آية ٦]

لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ما لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير لأنها نافية، وعلى قول عكرمة موضعها النصب لأنه قال: أي قد أنذر آباؤهم فتكون على هذا مثل قوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: ١٣] أي بصاعقة. فَهُمْ غافِلُونَ ابتداء وخبر.

[سورة يس (٣٦) : آية ٧]

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ أي حقّ القول عليهم بالعذاب لكفرهم، ومثله وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزمر: ٧١].

[سورة يس (٣٦) : آية ٨]

إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا عن ابن عباس أنه قال: إن أبا جهل أقسم لئن رأيت محمدا صلّى الله عليه وسلّم يصلّي لأدمغنّه فأخذ حجرا والنبي صلّى الله عليه وسلّم يصلّي ليرميه به. فلما أومأ به إليه جفّت يده على عنقه، والتصق الحجر بيده فهو على هذا تمثيل أي بمنزلة من غلّت يده إلى عنقه. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قرأ ابن عباس إنّا جعلنا في أيمانهم «٢» أغلالا فهي إلى الأذقان قال أبو إسحاق وقرئ إنّا جعلنا في أيديهم أغلالا قال أبو جعفر: هذه القراءة على التفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف، وفي
(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، ومختصر ابن خالويه ١٢٤.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥ من سورة يس

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

تَنزِيلَ

(تَنزِيلُ) برفع اللام

ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو قالون عن نافع شعبة عن عاصم روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

(تَنزِيلَ) بنصب اللام

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

آيات مشابهة للآية ٥ من سورة يس

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥ من سورة يس

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ * عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على الإسلام، ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قال: هو القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٠ مقتصرًا على شطره الأول. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿عَلى صِراطٍ﴾ على طريق ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ دين الإسلام؛ لأنّ غير دين الإسلام ليس بمستقيم. ثم قال: هذا القرآن هو ﴿تَنْزِيلَ﴾ من ﴿العَزِيزِ﴾ في مُلكه، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٣.
٣
قال يحيى بن سلّام: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على دين مستقيم، والصراط: الطريق المستقيم إلى الجنة، ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ يعني: القرآن هو تنزيل العزيز الرحيم، نزل مع جبريل على محمد ﷺ١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٩٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (١٩/٤٠٠): «وفي قوله: ﴿على صراط مستقيم﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون معناه: إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق. فيكون حينئذ ﴿على﴾ من قوله: ﴿على صراط مستقيم﴾ من صلة الإرسال. والآخر: أن يكون خبرًا مبتدأ، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم».
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥ من سورة يس

٤ وقفات في هذه الآية

  • (تنزيل العزيز الرحيم) رغم عزته وجبروته سبحانه فهو رحيم بنا أنزل قرآناً تلين له أفئدتنا وتخشع جوارحنا وتتقي وتطيع..

    — مجالس التدبر

  • (والقرآن الحكيم) قسم بالرسالة على حقيقة الرسول (إنك لمن المرسلين) وطبيعة الرسالة (على صراط مستقيم) مصدريتها (تنزيل العزيز الرحيم)

    — مجالس التدبر

  • برنامج لمسات بيانية (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) فكرة عامة عن الآية : لاحظ أن هذه الآية الكريمة وردت بعد القسم بالقرآن (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) . هو بعد أن عظّم القرآن بالقَسَم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) عادة أنت تُقسم بما هو معظّم إذن هو بعد هذا التعظيم بالقسم في القرآن ثم وصفه بالحكمة (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) إذن هو الآن عظّمه بالقسم وبوصفه بالحكمة. بعد هذا عظّمه بإضافته إلى نفسه، إلى ذاته العليا قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والكتاب يُعظّم من ناحيتين إما من حيث ما أُودع فيه (محتواه) هذا من حيث التعظيم لذاته ومن حيث مرسله، يأتي من جهتين. إما من حيث محتواه، ما هو فيه ومن حيث المرسل إن كان المرسل عظيماً فالكتاب يُعظم، قد يكون الكتاب ليس ذي قيمة لكن يعظم بسبب مرسِله وصاحبه، صاحبه يكون معظّماً لسببين إما أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره، أحد أمرين. جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) جمع بين الترغيب والترهيب، مصدر التعظيم. العزيز معناه نافذ الأمر مرهوب، الرحيم يعني ذو رحمة ليس متجبراً ولا عاتياً. إذن هو فخّم الكتاب وعظّمه من ناحيتين من حيث الذات باعتباره حكيم، ذات الله عز وجل وذات الكتاب لأنه قال الحكيم وصفه بالحكمة وهي أمر نفيس وعادل. إذن هو عظم الكتاب من ناحيتين من حيث ذات الكتاب لأنه قال عنه حكيم ومن حيث مرسله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) إذن هو من ناحيتين. وهناك تعظيم آخر للقرآن في السياق وهو المكان المحفوظ فيه قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) تنزيل يعني كان في مكان عالي قال (تنزيل) إذن كان في مكان عالي محفوظ ثم نُزّل إلى الرسول تنزيلاً. ثم هذا يدل على أمر آخر يدل على رفعة القرآن وعلو مكانته، التنزيل. إذن هو أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواحي القسم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم ثم وصفه بأنه حكيم (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم بذاته وأنه في مكان عالي وقد نُزّل، هذا تعظيم آخر، ثم أضافه إلى نفسه بصفتي الترهيب والترغيب يعني لم يترك جهة من جهات التعظيم إلا وأشار إليها وذكرها. آية (5): (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) فكرة عامة عن الآية : لاحظ أن هذه الآية الكريمة وردت بعد القسم بالقرآن (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) . هو بعد أن عظّم القرآن بالقَسَم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) عادة أنت تُقسم بما هو معظّم إذن هو بعد هذا التعظيم بالقسم في القرآن ثم وصفه بالحكمة (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) إذن هو الآن عظّمه بالقسم وبوصفه بالحكمة. بعد هذا عظّمه بإضافته إلى نفسه، إلى ذاته العليا قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والكتاب يُعظّم من ناحيتين إما من حيث ما أُودع فيه (محتواه) هذا من حيث التعظيم لذاته ومن حيث مرسله، يأتي من جهتين. إما من حيث محتواه، ما هو فيه ومن حيث المرسل إن كان المرسل عظيماً فالكتاب يُعظم، قد يكون الكتاب ليس ذي قيمة لكن يعظم بسبب مرسِله وصاحبه، صاحبه يكون معظّماً لسببين إما أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره، أحد أمرين. جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) جمع بين الترغيب والترهيب، مصدر التعظيم. العزيز معناه نافذ الأمر مرهوب، الرحيم يعني ذو رحمة ليس متجبراً ولا عاتياً. إذن هو فخّم الكتاب وعظّمه من ناحيتين من حيث الذات باعتباره حكيم، ذات الله عز وجل وذات الكتاب لأنه قال الحكيم وصفه بالحكمة وهي أمر نفيس وعادل. إذن هو عظم الكتاب من ناحيتين من حيث ذات الكتاب لأنه قال عنه حكيم ومن حيث مرسله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) إذن هو من ناحيتين. وهناك تعظيم آخر للقرآن في السياق وهو المكان المحفوظ فيه قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) تنزيل يعني كان في مكان عالي قال (تنزيل) إذن كان في مكان عالي محفوظ ثم نُزّل إلى الرسول تنزيلاً. ثم هذا يدل على أمر آخر يدل على رفعة القرآن وعلو مكانته، التنزيل. إذن هو أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواحي القسم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم ثم وصفه بأنه حكيم (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم بذاته وأنه في مكان عالي وقد نُزّل، هذا تعظيم آخر، ثم أضافه إلى نفسه بصفتي الترهيب والترغيب يعني لم يترك جهة من جهات التعظيم إلا وأشار إليها وذكرها. *ألا يعطي عدم الجمع بينهما نفس الدلالة؟ لا فالعزيز ليس بالضرورة رحيماً والرحيم ليس بالضرورة عزيزاً عنده مال وأشياء أخرى وليس بالضرورة أنه قوي أو أنه صاحب جيش. في الجمع بين العزيز الرحيم دلالة معينة القوة وهي مصدر الرهبة والنِعمة والخير والإفاضة على الآخرين مصدر الرحمة. وهناك أمر آخر وهو التعظيم بدليل كلمة (تنزيل) تنزيل أنه في مكان عالي محفوظ، التنزيل يكون من علو وإلا كيف تكون تنزيلاً؟ الكتاب إذا كان ثمين حُفِظ في مكان أمين لا تمسه الأيدي ولا يعبث به العابثون فأشار أنه نزل إلى رسوله تنزيلاً هو في مكان مرتفع في مكان عالي لا تمسه الأيدي (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) الشعراء) في مكان عالي إذن نزّله. القرآن عُظِّم من أكثر من ناحية أولاً القسم به (والقرآن) ووصفه بأنه حكيم وأنه في مكان عالي وأضافه الله إلى ذاته باسمي العزيز الرحيم والترغيب والرهيب. إذن جمع كل ما يفيد التعظيم من حيث دلالته ومن حيث صفاته ومن حيث مرسِله ومن حيث مكانه والقسم به، الذات والمرسِل والصفة والمكان جمع فيه كل أمور التعظيم. * هنا اختار ربنا تبارك وتعالى (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) هل لهذين الاسمين دلالة خاصة وما علاقتهما بالآية والسياق؟ هذان الاسمان اختيارهما له أكثر من دلالة في السورة وأيضاً في السياق، العزيز هو الغالب كما هو معروف وهذا كما قلنا ترهيب لعباده والرحيم الرحمة. نلاحظ هذه السورة مطبوعة بطابع هذين الاسمين الكريمين (العزة والرحمة). أولاً العزة تظهر بنصر أوليائه ومحق أعدائه فذكر أنه أهلك أصحاب القرية بصيحة واحدة (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)) وذكر أن آلهتهم التي يعبدونها لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا يتمكنون من إنقاذ من يريدون إنقاذه، إذن هذه الآلهة ليس لها وجاهة لأن لا تُغني الشفاعة والشفيع وجيه لا تغني شفاعته إذن ليس لها وجاهة ولا ينقذون إذن ليس لها قوة، إذن فآلهتهم ليس لها وجاهة ولا قوة (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)). وذكر أنه إن شاء أغرقهم فلا معين لهم ولا يتمكن أحد من إنقاذهم إلا إذا أراد هو (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43)) لا صريخ لهم يعني لا معين لهم لا أحد يُصرخهم. (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) الرحمة، ثم ذكر أنهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد وأنه يحييهم أيضاً بصيحة واحدة (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)) ثم قال (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)) كيف تكون العزة؟. ثم ذكر أنه لو شاء أن يطمس على أعينهم أو يمسخهم على مكانتهم لفعل ولا رادّ لمشيئته (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67)) ذكر أن أمره ينفذ بكلمة واحدة لا رادّ لها يكون ما يريد وأنه بيده ملكوت كل شيء وليس لأحد سواه شيء (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)) هل هناك أكبر من هذه العزة؟! كلها عزة، إذن السورة مطبوعة بطابع العزة من أولها إلى آخرها ثم الرحمة. (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) هذه العزة في السورة، الرحيم تردد ذكر الرحمة والرحيم أكثر من مرة قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ (11)) (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ (15)) (إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ (23)) (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)) (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)) (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ (52)) (سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (58)) هذه من ناحية الأسماء. ثم ذكر عدداً مبثوثاً من مظاهر الرحمة سبحانه، ذكر ما جعل في الأضر لعباده من جنات وأنهار وما أخرج لهم من حبّ يأكلون منه قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)) وأنه حمل ذريتهم في الفلك المشحون (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)) وأنه خلق لهم من مثله ما يركبون (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42)) وأنه خلق لهم أنعاماً فهم لها مالكون (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)) وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم وجعل لهم فيها منافع ومشارب تستوجب شكره أفلا يشكرون؟ وجعل لهم من الشجر الأخضر ناراً (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)) وأنه أرسل لهم رسلاً فحذّرهم من عبادة الشيطان وهداهم الصراط المستقيم وغير ذلك من مظاهر الرحمة أيضاً فمظاهر العزة مبثوثة. *إذن مظاهر الرحمة بها مصرَّح وبها ملمّح؟ وكذلك العزة؟ إذن تنزيل العزيز الرحيم تتناسب مع جو السورة على العموم . *لكن أليس هنالك تناقض بين العزة والرحمة في آن واحد؟ الجمع بينهما هذا من أحسن ما يكون . *مرة يخوّف ويرغِّب ويرهِّب هل في هذا دلالة معينة دكتور؟ سأذكرها بعد أن أبيّن أن العزة إذا لم تكن رحمة كانت وبالاً إذا كان الحاكم ليس رحيماً وكان متغطرساً سيكون متجبراً سيهلك الآخرين كلها عذاب فإن لم تكن فيها رحمة فهي وبال وهي صفة نقص. *العزة وحدها لا تكفي صفة مدح؟ لا، حتى تكون معها رحمة. ثم نلاحظ هنالك أمر في ارتباط هذين الاسمين الكبيرين بما بعده في السياق. أولاً نحن لاحظنا اجتماع هذين الإسمين في غير هذه السورة يعني يذكرهم بعد ذكر عدم إيمان الخلق يذكر (العزيز الرحيم)، نلاحظ أمراً هو قال بعد هذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) بعد أن قال (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) نلاحظ علاقة هذين الإسمين بهذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) من الأمور الواضحة الظاهرة في القرآن الكريم أنه يذكر هذين الإسمين بعد ذكر عدم إيمان الأكثرين، في سورة الشعراء مثلاً نلاحظ بعد قصة كل نبي مع قومه يقول (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)) ثماني مرات في سورة الشعراء كل مرة يذكر قوم نبي ثم بعد أن يذكر عدم إيمانهم يقول (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). ليس هذا فقط، وإنما ُُذكر هذان الاسمان تعقيباً على موقف أهل مكة من الرسول صلى الله عليه وسلم قال (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) الشعراء) إذن هي مرتبطة بسياقها ومرتبطة بجو السورة. حقيقة من أسرار هذا الذكر طبعاً من مقتضيات إسم العزيز أن ينصر المؤمنين ويعزّهم ويذل الكافرين ويهلكهم ويمحقهم، مقتضيات الرحمة أن يرحم المؤمنين ويكرمهم وينجيهم ويدخلهم الجنة، هذا من رحمته، ويرحم الكافرين بإلزامهم الحجة لا يعذبهم من غير حجة (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء) هذا من رحمته بهم بعد إقامة البينة عليهم لا يعذبهم من دون بينة، وإنذارهم وتبصيرهم بما سيكون لهم من عاقبة وأن عليهم أن يأمنوا عذابه ويتقوا ناره وأنه أبلغ هؤلاء الكفرة كما أبلغ المؤمنين هذه من رحمته وهم مع كل ذلك يرزقهم ويتقلبون في نعمته كيف يتكون الرحمة؟ هكذا. الحقيقة نأتي إلى السؤال الذي أثرته عن العزة والرحمة كيف تكون، ربنا ذكر ثلاثة أسماء واحداً بالتضمّن واثنان بالتصريح، التصريح (العزيز الرحيم) والتضمّن (الحكيم) لأنه لما قال (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) القرآن هو كلامه موصوف بالحكمة، أليس المتكلم بالحكمة حكيماً؟ بلى، إذن ذكر الحكيم بالتضمّن عندما قال (والقرآن الحكيم) وهو كلامه فيه إشارة إلى حكمته تبارك وتعالى، إذن ذكر إسمين تصريحاً (العزيز الرحيم) وذكر إسماً بالتضمن وهو (الحكيم)، كمال الاتصاف أن تكون هذه من حيث أن العزيز إذا لم يكن حكيماً كان متهوراً يعني تكون العزة من صفات نقصه، العزة تسيطر عليها حكمة، العزة من دون حكمة تهور، هذا نقص، من دون رحمة تسلّط ووبال على الآخرين وأيضاً نقص. الرحمة من دون عزّة ضعف ومن دون حكمة نقص لا يعرف أين يضعها. *من مقتضيات الحكمة أن يعرف كيف يضع عزته ورحمته في مكانها! يعني أن يرحم في مكان الرحمة أما أن يرحم في غير مكان الرحمة هذا لا يصح، ويعزّ في مكان العزة، كل واحد في مقتضاه، الرحمة من دون عزّة ضعف يسخرون منه ومن دون حكمة نقص لأن هناك مواطن ينبغي أن يكون فيها عقوبة. إذن هذه الصفات كلها يكمل بعضها بعضاً. الحُكم من الحكيم وقد تكون من الحُكم . * الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم؟ إذن لا تعيين ولا تخصيص دلالة معينة؟ الحكيم من الحكمة ومن الحُكم. لا تعيين ولا تخصيص هو يجمعهم لأن الحكيم في الحكمة والحكيم قال (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (48) المائدة) الكتاب. * هل المادة اللغوية واحدة (حَكَم)؟ نعم الأصل هو حَكَم وتأتي الحُكم والحكمة هذا من قبيل التوسع في المعنى. في القرآن حكيم وحاكم (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) هو الحاكم لأنه ناسخ وربنا حكيم وحاكم (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) الأنعام) (وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) هود) إذن الحكيم فيها حكمة وفيها حُكم والحُكم من دون عزة ولا رحمة لا يصح، هذا من مقتضيات الحكم العزة والرحمة والحكمة فإذن لاحظ هذه الصفات. * يعني بالحكمة تتواءم مع العزة والرحمة والحُكم مع العزة والرحمة والحكمة أيضاً ؟ والعزة معهما والرحمة معهما. * ولو أفرد واحدة دون الاثنتين الأخريين كان هنالك نقص حاشا لله؟ حاشا لله ، له صفات الكمال. * إذن هذه الكلمات مقصودة موضوعة في مكانها لدلالات معينة لا ينبغي أن نحذف كلمة أبداً ليس لأنه كلام الله سبحانه وتعالى لكن هذا سوف يُحدث خللاً في السياق. إذا نزعنا الحِكمة لا يصح العزيز الرحيم فقط ؟ لا يصح. في العقل، في أمور العقل والمنطق لا يصح.

    — فاضل السامرائي

  • (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) بعد أن عظم القرآن بأن أقسم به ووصفه بالحكمة عظمه بإضافته إلى ذاته العلية. فإن الكتاب يعظم من ناحيتين: 1- من حيث ما أودع فيه، وهو تعظيم لذاته. 2- ومن حيث مرسله. فقد يكون الكتاب ليس بذي قيمه في ذاته وإنما يعظم بسبب مرسله وصاحبه. ثم إن صاحبه يكون معظماً بسببين: أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره ويطمع في نعمته. وقد جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) فجمع بين الترغيب والترهيب وهما مصدر التعظيم للذات وما يتصل بها. فقوله (العزيز) يفيد أنه نافذ أمره. و(الرحيم) يفيد أنه ذو رحمة وليس متجبراً عاتياً. ففخم الكتاب وعظمه من الناحيتين: من حيث ذاته. ومن حيث مرسله. جاء في (روح المعاني): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ نصب على المدح أو على المصدرية لفعل محذوف أي نزل تنزيل ... وأيا كان ففيه إظهار لفخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة. وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة الكاملة والرحمة الفاضلة حث على الإيمان به ترهيباً وترغيباً وإشعاراً بأن تنزيله ناشئ عن غاية الرحمة حسبما أشار إليه قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1). وهناك تعظيم آخر للقرآن وهو مكانه المحفوظ فيه فإن الشيء إذا كان ثميناً حفظ في مكان أمين لا تمسه الأيدي ولا يعبث به العابثون. وقد أشار إلى مكانه المحفوظ فيه فذكر أنه في مكان عالٍ وقد نزل إلى الرسول تنزيلاً. فالتنزيل إنما يكون من المكان العالي المرتفع وهذا يدل على رفعة القرآن ورفعة مكانه. وعلى هذا يكون أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواح: 1- الإقسام به. 2- وصفه بأنه حكيم. 3- وأنه في مكان عالٍ وقد نزله العزيز الرحيم بأمره. 4- وأن الله أضافه إلى نفسه بوصفي الترهيب والترغيب فلم يترك جهة من جهة التعظيم إلا أشار إليها وذكرها. واختيار العزيز الرحيم له أكثر من دلاله في السورة. فإن العزيز هو الغالب وفى ذكره ترهيب للعباد، والرحيم هو المتصف بالرحمة على وجه الثبات وفى ذكره ترغيب لهم فجمع بين الترغيب والترهيب. وقد طبعت السورة بطابع هذين الاسمين الكريمين فإن جو السورة يشيع فيه العزة والرحمة. فقد تظهر العزة بنصر أوليائه ومحق أعدائه فقد أهلك أصحاب القرية بصيحة واحدة (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)  -(29). وذكر أن آلهتهم التي يعبدونها من دون الله لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا يتمكنون من إنقاذ من أراده الرحمن بضر فهي ليست لها وجاهة وليس لها قوة وهذا من أظهر الأمور على عزته سبحانه (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) (23). وقد ذكر أنه إن شاء أغرقهم فلا معين لهم ولا يتمكن أحد من إنقاذهم إلا إذا أراد هو (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) -(43-44). وذكر أنهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد وأنه يحييهم ويجمعهم بصيحة واحدة (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) -(49). )( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) -(53). وذكر أنه لو شاء أن يطمس على أعينهم أو يمسخهم على مكانتهم لفعل ولا راد لمشيئته (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ) -(66-67). وذكر أن أمره ينفذ بكلمة واحدة يفعل ما يشاء ويكون ما يريد وأنه بيده ملكوت كل شيء وليس لأحد سواه شيء (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)  -(83). فهل هناك أكبر من هذه العزة؟! وكذلك جو الرحمة فإنه يشيع في السورة أيضاً. فقد تردد ذكر الرحمة والرحمن في السورة أكثر من مرة وذلك نحو قوله: 1- تنزيل العزيز الرحيم 2- وخشى الرحمن بالغيب 3- وما أنزل الرحمن من شيء 4- إن يردن الرحمن بضر 5- ولا هم ينقذون إلا رحمة منا 6- لعلكم تُرحمون 7- هذا ما وعد الرحمن 8- سلام قولا من رب رحيم ثم ذكر عدداً من مظاهر رحمته سبحانه منها: 1- ما جعل في الأرض لعباده من جنات وأنهار وما أخرج لهم من حب يأكلون منه. 2- وأنه حمل ذريتهم في الفلك المشحون وخلق لهم من مثله ما يركبون. 3- وأنه خلق لهم أنعاماً فهم مالكون لها وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. وجعل لهم فيها منافع ومشارب تستوجب شكره سبحانه. 4- وأنه جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً يوقدون منه. 5- وأنه أرسل إليهم رسلاً حذرهم من عباده الشياطين وهداهم الصراط المستقيم. وغير ذلك من مظاهر رحمته التي ذكرها في السورة. وكما لاحظنا أن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطا بجو السورة فإن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطا بما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.) إذ من الملاحظ في مواطن عديدة من القرآن الكريم ذكر هذين الاسمين بعد ذكر عدم إيمان الأكثرين من الخلق. فقد عقب في سورة الشعراء بعد قصة كل نبي مع قومه بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) كما ذكرت تعقيباً على موقف أهل مكة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) وذلك قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). فقد تكرر ذكر هاتين الآيتين في هذه السورة ثماني مرات. ومن أسرار هذا الذكر في هذه السورة وفى سورة الشعراء أنه من مقتضيات اسمه العزيز أن يعز المؤمنين وينصرهم ويذل الكافرين ويهلكهم فتكون العزة في حق المؤمنين نصراً وتأييداً وفى حق الكافرين محقاً وإهلاكاً. ومن مقتضيات اسمه (الرحيم) أن يرحم المؤمنين ويكرمهم وينجيهم ويدخلهم الجنة ويرحم الكافرين بإلزامهم الحجة وإقامة البينة عليهم وإنذارهم الخوف ليتقوا ناره ويأمنوا عذابه، وأنه أبلغهم رسالته كما أبلغ المؤمنين وأنه لا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم وهذا من رحمته بهم. وهذا علاوة على أنه يرزقهم وأنهم يتقبلون في نعمه تعالى على محاربتهم له. وأنت إذا نظرت في هذا التعقيب وجدته يذكر بعد ذكر عقوبة الكافرين وإهلاكهم ورحمته بالمؤمنين وتنجيتهم وذلك بعد ذكر قصة كل نبي في سورة الشعراء، فكان ذكرهما أنسب شيء هنا والله اعلم. لقد ذكر ثلاث أسماء لربنا سبحانه واحداً بالتضمن واثنين تصريحاً. أما المذكور بالتضمن فهو قوله (الحكيم) فإنه وصف به القرآن وهو كلامه وإذا كان الكلام حكيماً فصاحبه حكيم أيضاً بكل معاني الوصف. وأما الاسمان المصرح بهما فهما العزيز الرحيم. وكمال الاتصاف بهما أن تكون الحكمة معهما فإن العزيز إذا لم يكن حكيماً كان متهوراً في عزه فتكون عزته من صفات نقصه. وإذا لم يكن رحيماً كانت عزته شدة وكانت وبالاً على عباده. والرحمة من دون عزة ضعف وهي من دون حكمة نقص لأنه لا يعلم كيف يضعها ولا أين يضعها. فهذه الصفات يكمل بعضها بعضاً ويزين بعضها بعضاً. فلا خير في رحمة من دون عزة ولا حكمة. ولا خير في عزة من دون حكمة ولا رحمة. ولا خير في حكم بلا عزة ولا رحمة. جاء في (التفسير الكبير): "(العزيز الرحيم) إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولاً فالمرسل إليهم إما أن يمانعوا المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم ألا إذا كان عزيزاً أو يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك. أو نقول: المرسل يكون معه في رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل على الرحمة" (2). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص10 ص14 1- روح المعاني 22/212 – 213. 2- التفسير الكبير 26/24.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٥ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(5) [This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال