جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ﴾.
اختلف القرّاء في قراءة قوله : تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرّحِيمِ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة :«تَنْزِيلُ العَزِيز » برفع تنزيل، والرفع في ذلك يتجه من وجهين أحدهما : بأن يُجعل خبرا، فيكون معنى الكلام : إنه تنزيل العزيز الرحيم. والآخر : بالابتداء، فيكون معنى الكلام حينئذٍ : إنك لمن المرسلين، هذا تنزيل العزيز الرحيم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة وبعض أهل الشام : تَنْزِيلَ نصبا على المصدر من قوله : إنّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ لأنّ الإرسال إنما هو عن التنزيل، فكأنه قيل : لمنزل تنزيل العزيز الرحيم حقا.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. ومعنى الكلام : إنك لمن المرسلين يا محمد إرسال الربّ العزيز في انتقامه من أهل الكفر به، الرحيم بمن تاب إليه، وأناب من كفره وفسوقه أن يعاقبه على سالف جرمه بعد توبته له.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (يس) قال: كل هجاء في القرآن اسم من أسماء القرآن.
قال أبو جعفر، وقد بيَّنا القول فيما مضى في نظائر ذلك من حروف الهجاء بما أغنى عن إعادته وتكريره في هذا الموضع.
وقوله (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) يقول: والقرآن المحكم بما فيه من أحكامه، وبيِّنات حججه (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يقول تعالى ذكره مقسمًا بوحيه وتنزيله لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنك يا محمد لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) قسم كما تسمعون (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقول: على طريق لا اعوجاج فيه من الهدى وهو الإسلام.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) : أي على الإسلام.
وفي قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وجهان؛ أحدهما: أن يكون معناه: إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق، فيكون حينئذٍ "على" من قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) من صلة الإرسال. والآخر أن يكون خبرًا مبتدأ، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم.