جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتنّ أيديكنّ، هو الذي لمتنني في حبي إياه وشغف فؤادي به، فقلتنّ : قد شغف امرأة العزيز فتاها حبّا ﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾. ثم أقرّت لهنّ بأنها قد راودته عن نفسه، وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حقّ، فقالت :﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾، مما راودته عليه من ذلك. كما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ، قالت :﴿فَذَلِكُنّ الّذِي لُمْتُنّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾، تقول : بعد ما حلّ السراويل استعصى، لا أدري ما بدا له.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿فاسْتَعْصَمَ﴾، أي : فاستعصى.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿فاسْتَعْصَمَ﴾، يقول : فامتنع.
وقوله :﴿لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَننّ وَلَيَكُونا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾، تقول : ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه ﴿ليسجننّ﴾، تقول : ليحبسنّ في السجن، وليكونا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهيننه. والوقف على قوله :﴿ليسجننّ﴾، بالنون لأنها مشددة، كما قيل :﴿لَيُبَطّئَنّ﴾.
وأما قوله :﴿وَلَيَكُونا﴾، فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة، وهي شبيهة نون الإعراب في الأسماء، في قول القائل : رأيت رجلاً عندك، فإذا وقف على الرجل قيل : رأيت رجلاً، فصارت النون ألفا، فكذلك ذلك في :﴿وليكونا﴾، ومثله قوله :﴿لَنَسْفَعا بالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ﴾، الوقف عليه بالألف لما ذكرت، ومنه قول الأعشى :
| وَصَلّ على حِينِ العَشِيّاتِ وَالضّحَى | وَلا تعْبُدِ الشّيْطانَ وَاللّهَ فاعْبُدَا |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
لَشَتَّانَ مَا أَنْوِي وَيَنْوِي بَنُو أَبِي... جَمِيعًا، فَمَا هَذَانِ مُسْتَوِيَانِ... تَمَنَّوْا لِيَ المَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى... وَكُلُّ فَتًى وَالمَوْتُ يَلْتَقِيَانِ (٢)
وأما القرآن، فجاء بالنصب في كل ذلك، لأنه نزل بلغة أهل الحجاز.
* * *
وقوله: (إن هذا إلا مَلَك كريمٌ)، يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة، كما: -
١٩٢٤٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (إن هذا إلا ملك كريم)، قال: قلن: ملك من الملائكة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وعُزوب الفهم وَلَهًا، ألِهتُنّ حتى قطعتن أيديكن، (٣) هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حُبًّا، إنا لنراها في ضلال مبين! ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه،
(٢) رواهما الفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية.
(٣) في المطبوعة:" وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتن.."، وأثبت الصواب من المخطوطة. و" عزوب الفهم"، ذهابه. يقال:" عزب عنه حلمه يعزب عزوبًا"، ذهب. وقوله:" ألهتن" من" أله يأله ألهًا"، إذا تحير، وأصله" وله، يوله، ولهًا"، بمعنى واحد، وإنما قلبت الواو همزة.
١٩٢٤٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قالت: (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) : ، تقول: بعد ما حلّ السراويل استعصى، لا أدري ما بَدَا له.
١٩٢٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (فاستعصم)، أي: فاستعصى.
١٩٢٤٥ - حدثني علي بن داود، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (فاستعصم)، يقول: فامتنع.
* * *
وقوله: (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونًا من الصاغرين)، تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه = (ليسجنن)، تقول: ليحبسن (٣) = وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهينَنَّه (٤)
* * *
والوقف على قوله:"ليسجنن"، بالنون، لأنها مشددة، كما قيل: (لَيُبَطِّئَنَّ)، [سورة النساء: ٧٢]
* * *
وأما قوله: (وليكونًا) فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة، وهي شبيهةُ نون الإعراب في الأسماء في قول القائل:"رأيت رجلا عندك"، فإذا وقف على"الرجل" قيل:"رأيتُ رجلا"، فصارت النون ألفًا. فكذلك ذلك في:"وليكونًا"، ومثله قوله: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ)، [سورة العلق: ١٥، ١٦] الوقف عليه بالألف لما ذكرت ; ومنه قول الأعشى:
(٢) انظر تفسير" العصمة" فيما سلف ١٥: ٣٣١، تعليق ٢: ، ولمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير" السجن" فما سلف ص: ٥٢."
(٤) انظر تفسير" الصغار" فيما سلف ١٤: ٢٠٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.