السورة كلها - كما أسلفنا في تقديمها - لحمة واحدة، يصعب تقسيمها إلى مقاطع : شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها في الجزء السابع - مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص - فهي تتدفق في هيئة موجات متوالية ؛ تنصب بمؤثراتها الموحية على القلب البشري، وتخاطبه بإيقاعات منوعة.. من التعجيب من أمر المشركين في استقبالهم للوحي والقرآن. إلى عرض المشاهد الكونية التي تتجلي فيها ألوهية الله سبحانه.. إلى عرض مشاهد القيامة. إلى عرض أحوال البشر في مواجهة الأحداث التي تمر بهم. إلى عرض مصارع الغابرين.. إلى آخر ما سبقت الإشارة إليه من الموضوعات والمؤثرات التي تحتويها السورة.
وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة. فإن أكثر من نصفها الأول يعد مقطعا واحدا يتدفق بهذه الموجات المتتابعة. ثم تجيء قصة نوح - ومن بعده في اختصار - وقصة موسى والإشارة إلى قصة يونس ؛ فتؤلف مقطعا آخر. ثم تجيء الإيقاعات الأخيرة في السورة فتؤلف المقطع الأخير.
ونظرا لطبيعة السورة هذه فسنحاول عرضها موجة موجة - أو مجموعة من الموجات المتناسقة - كما هي طبيعتها المتميزة..
أما هذا الدرس الأول منها فيبدأ بحروف ثلاثة. ( ألف. لام. را )كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف بحروف ذكرنا الرأي الذي اخترناه في تفسيرها هناك. يبدأ بهذه الأحرف مبتدأ خبره :( تلك آيات الكتاب الحكيم )..
ثم يأخذ السياق في عرض عدة أمور تبدو فيها الحكمة التي أشير إليها في وصف الكتاب. من الوحي إلى الرسول [ ص ] لينذر الناس ويبشر المؤمنين، والرد على المعترضين أن يوحي الله إلى بشر.. إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما.. إلى جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وتقدير منازل القمر ليعلموا عدد السنين والحساب.. إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من حكمة وتدبير..
ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها، الذين لا يرتقبون لقاء الله مدبر كل شيء، وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير ؛ وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم. ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود، وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال.
ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير. وضراعتهم إلى الله عند مس الأذى، ونسيانهم له عند كشف الضر. ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه، دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته، ولقيت مصارعها في ذلك الطريق !
ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول [ ص ] فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه. غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند الله، وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل. وهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم دون استناد إلى شيء، ويتركون عبادة الله وحده وهي تستند إلى وحي من الله. ثم يطلبون خارقة من الخوارق غير ناظرين إلى آية الله الواضحة في القرآن، غافلين عن آياته المعجزة في تضاعيف الكون.
ثم عودة إلى طبيعة البشر في تلقي الرحمة والضر. وعرض نموذج حي من هذه الطبيعة، في مشهد من المشاهدالنابضة المتحركة المؤثرة. في ركوب البحر عندما تسير الفلك في أول الأمر رخاء، ثم تعصف بها الريح ويأتيها الموج من كل مكان.
ومشهد آخر يمثل غرور هذه الحياة الدنيا، وبريقها ولألاءها الذي ينطفئ في لحظة، وأهلها مأخوذون بزخرفها غافلون عن المصير الخاطف المرهوب.. ذلك والله يدعو إلى دار السلام. دار الأمن والاطمئنان. الدار التي لا خوف من أخذها على حين غرة.. ( كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ).. ويدركون حكمة الله في الخلق والتدبير.
وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج، وتهدأ الأنفاس اللاهثة، وتسكن القلوب الطائرة، وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ، ويوقن الناس بالحياة، وأرجلهم مستقرة على اليابسة. فماذا ؟
( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ! )..
هكذا بغتة ومفاجأة !
إنه مشهد كامل، لم تفتنا منه حركة ولا خالجة.. مشهد حادث. ولكنه مشهد نفس، ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل. ومن ثم يجيء التعقيب تحذيرا للناس أجمعين :
( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم )..
سواء كان بغيا على النفس خاصة، بإيرادها موارد التهلكة، والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية ؛ أو كان بغيا على الناس فالناس نفس واحدة. على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة
والبغي لا يتمثل في أبشع ولا أشنع من البغي على ألوهية الله سبحانه، واغتصاب الربوبية والقوامة والحاكمية ومزاولتها في عباده.
والناس حين يبغون هذا البغي يذوقون عاقبته في حياتهم الدينا، قبل أن يذوقوا جزاءه في الدار الآخرة.
يذوقون هذه العاقبة فسادا في الحياة كلها لا يبقى أحد لا يشقى به، ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا حرية ولا فضيلة لا تضار به.
إن الناس إما أن يخلصوا دينونتهم لله. وإما أن يتعبدهم الطغاة. والكفاح لتقرير ألوهية الله وحدها في الأرض، وربوبية الله وحدها في حياة البشر، هو كفاح للإنسانية وللحرية وللكرامة وللفضيلة، ولكل معنى كريم يرتفع به الإنسان على ذل القيد، ودنس المستنقع، وامتهان الكرامة، وفساد المجتمع، ودناءة الحياة !
( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم.. متاع الحياة الدنيا )..
لا تزيدون عليه !
( ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون )..
فهو حساب الآخرة وجزاؤها كذلك، بعد شقوة الدنيا وعذابها ابتداء.
السورة كلها - كما أسلفنا في تقديمها - لحمة واحدة، يصعب تقسيمها إلى مقاطع : شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها في الجزء السابع - مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص - فهي تتدفق في هيئة موجات متوالية ؛ تنصب بمؤثراتها الموحية على القلب البشري، وتخاطبه بإيقاعات منوعة.. من التعجيب من أمر المشركين في استقبالهم للوحي والقرآن. إلى عرض المشاهد الكونية التي تتجلي فيها ألوهية الله سبحانه.. إلى عرض مشاهد القيامة. إلى عرض أحوال البشر في مواجهة الأحداث التي تمر بهم. إلى عرض مصارع الغابرين.. إلى آخر ما سبقت الإشارة إليه من الموضوعات والمؤثرات التي تحتويها السورة.
وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة. فإن أكثر من نصفها الأول يعد مقطعا واحدا يتدفق بهذه الموجات المتتابعة. ثم تجيء قصة نوح - ومن بعده في اختصار - وقصة موسى والإشارة إلى قصة يونس ؛ فتؤلف مقطعا آخر. ثم تجيء الإيقاعات الأخيرة في السورة فتؤلف المقطع الأخير.
ونظرا لطبيعة السورة هذه فسنحاول عرضها موجة موجة - أو مجموعة من الموجات المتناسقة - كما هي طبيعتها المتميزة..
أما هذا الدرس الأول منها فيبدأ بحروف ثلاثة. ( ألف. لام. را )كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف بحروف ذكرنا الرأي الذي اخترناه في تفسيرها هناك. يبدأ بهذه الأحرف مبتدأ خبره :( تلك آيات الكتاب الحكيم )..
ثم يأخذ السياق في عرض عدة أمور تبدو فيها الحكمة التي أشير إليها في وصف الكتاب. من الوحي إلى الرسول [ ص ] لينذر الناس ويبشر المؤمنين، والرد على المعترضين أن يوحي الله إلى بشر.. إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما.. إلى جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وتقدير منازل القمر ليعلموا عدد السنين والحساب.. إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من حكمة وتدبير..
ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها، الذين لا يرتقبون لقاء الله مدبر كل شيء، وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير ؛ وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم. ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود، وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال.
ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير. وضراعتهم إلى الله عند مس الأذى، ونسيانهم له عند كشف الضر. ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه، دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته، ولقيت مصارعها في ذلك الطريق !
ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول [ ص ] فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه. غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند الله، وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل. وهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم دون استناد إلى شيء، ويتركون عبادة الله وحده وهي تستند إلى وحي من الله. ثم يطلبون خارقة من الخوارق غير ناظرين إلى آية الله الواضحة في القرآن، غافلين عن آياته المعجزة في تضاعيف الكون.
ثم عودة إلى طبيعة البشر في تلقي الرحمة والضر. وعرض نموذج حي من هذه الطبيعة، في مشهد من المشاهدالنابضة المتحركة المؤثرة. في ركوب البحر عندما تسير الفلك في أول الأمر رخاء، ثم تعصف بها الريح ويأتيها الموج من كل مكان.
ومشهد آخر يمثل غرور هذه الحياة الدنيا، وبريقها ولألاءها الذي ينطفئ في لحظة، وأهلها مأخوذون بزخرفها غافلون عن المصير الخاطف المرهوب.. ذلك والله يدعو إلى دار السلام. دار الأمن والاطمئنان. الدار التي لا خوف من أخذها على حين غرة.. ( كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ).. ويدركون حكمة الله في الخلق والتدبير.
وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج، وتهدأ الأنفاس اللاهثة، وتسكن القلوب الطائرة، وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ، ويوقن الناس بالحياة، وأرجلهم مستقرة على اليابسة. فماذا ؟
( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ! )..
هكذا بغتة ومفاجأة !
إنه مشهد كامل، لم تفتنا منه حركة ولا خالجة.. مشهد حادث. ولكنه مشهد نفس، ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل. ومن ثم يجيء التعقيب تحذيرا للناس أجمعين :
( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم )..
سواء كان بغيا على النفس خاصة، بإيرادها موارد التهلكة، والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية ؛ أو كان بغيا على الناس فالناس نفس واحدة. على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة
والبغي لا يتمثل في أبشع ولا أشنع من البغي على ألوهية الله سبحانه، واغتصاب الربوبية والقوامة والحاكمية ومزاولتها في عباده.
والناس حين يبغون هذا البغي يذوقون عاقبته في حياتهم الدينا، قبل أن يذوقوا جزاءه في الدار الآخرة.
يذوقون هذه العاقبة فسادا في الحياة كلها لا يبقى أحد لا يشقى به، ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا حرية ولا فضيلة لا تضار به.
إن الناس إما أن يخلصوا دينونتهم لله. وإما أن يتعبدهم الطغاة. والكفاح لتقرير ألوهية الله وحدها في الأرض، وربوبية الله وحدها في حياة البشر، هو كفاح للإنسانية وللحرية وللكرامة وللفضيلة، ولكل معنى كريم يرتفع به الإنسان على ذل القيد، ودنس المستنقع، وامتهان الكرامة، وفساد المجتمع، ودناءة الحياة !
( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم.. متاع الحياة الدنيا )..
لا تزيدون عليه !
( ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون )..
فهو حساب الآخرة وجزاؤها كذلك، بعد شقوة الدنيا وعذابها ابتداء.