فذلكم الله ربكم الحقُّ أي : المتولي لهذه الأمور هو ربكم، الذي يستحق أن تعبدوه، الثابت ربوبيته، لأنه هو الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم، دون من تعبدونه من الأوثان. فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال أي : ليس بعد الحق إلا الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله وقع في الضلال.
قال ابن عطية : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحقّ فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال تعالى فيها : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [ المائدة : ٤٨ ]. ه.
فأَنَّى تُصرَفُون عن الحق إلى الضلال.
قال صلى الله عليه وسلم :" أَصْدَقُ كَلِمَةُ قَالَها الشاعِرُ كَلَِمَةُ لَبيدٍ : أَلا كُلُ شيءٍ... " الخ٣. فكل من صُرف عن شهود الحق إلى نظر السِّوى فهو في ضلال. قال تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ، لكن من حقت عليه كلمة الشقاء لا يُؤمن بأهل الفناء والبقاء، فلا يزال في تعب وشقاء ؛ إذ لا طريق إلى شهود الحق وإفراده بالوجود إلا بصحبة أهل الفناء والبقاء، الموصوفين بالكرم والجود، واعلم أن كل من لم يصل إلى مقام الشهود، فهو ضال عندهم في مذهبهم، وبالله التوفيق. ألا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللًّه بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي