قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( ٣٤ ) قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( ٣٥ ) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ( يونس : ٣٤-٣٦ ).
المعنى الجملي : هذا ضرب آخر من الحجة أقامه سبحانه دليلا على توحيده وبطلان الإشراك به جاء بطريق السؤال للتوبيخ وإلزام الخصم، فإن الكلام إذا كان ظاهرا جليا، ثم ذكر على سبيل الاستفهام وفوّض الجواب إلى المسؤول، يكون أوقع في النفس وأبلغ في الدلالة على الغرض.
الإيضاح :
قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق أي قل لهم أيها الرسول : هل من أولئك الشركاء من يهدي إلى الحق بوجه من وجوه الهداية التي بها تتم حكمة الخلق. كما يدل على ذلك قوله : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( طه : ٥٠ ).
والهداية أنواع : هداية الغريزة والفطرة التي أودعها الله في الإنسان والحيوان، وهداية الحواس من سمع وبصر ونحو ذلك، وهداية التفكير والاستدلال بوساطة هذه الوسائل، وهداية الدين، وهو للنوع البشري في جملته بمثابة العقل للأفراد، وهداية التوفيق الموصل بالفعل إلى الغاية بتوجيه النفس إلى طلب الحق وتسهيل سبله ومنع الصوارف عنه.
ولما كانوا لا يستطيعون أن يدّعوا أن أحدا من أولئك الشركاء يهدي إلى الحق لا من ناحية الخَلْق ولا من ناحية التشريع، لقن الله رسوله الجواب فقال :
قل الله يهدي للحق أي قل هو الله سبحانه الذي يهدي إلى الحق دون غيره بنا نَصَب من الأدلة والحجج، وأرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، وهدى إلى النظر والتدبّر، وأعطى من الحواس.
أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى قرأ يعقوب وحفص يهدي بكسر الهاء، وتشديد الدال وأصله يهتدي، أي أفمن يهدي إلى الحق وهو الله أحق أن يُتّبع فيما يشرّعه، أم من لا يهدي غيره ولا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره وهو الله تعالى، إذ لا هادي غيره.
ويدخل فيمن نفي عنهم الهداية ممن اتخذوا شركاء- المسيح عيسى ابن مريم وعُزَير والملائكة وهؤلاء كانوا يهدون إلى الحق بهداية الله ووحيه كما قال تعالى في سورة الأنبياء : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ( الأنبياء : ٧٣ ).
فما لكم كيف تحكمون أي أيّ شيء أصابكم وماذا حلّ بكم حتى اتخذتم هؤلاء شركاء وجعلتموهم وسطاء بينكم وبين ربكم الذي لا خالق ولا رازق ولا هادي لكم سواه، كيف تحكمون بجواز عبادتهم وشفاعتهم عنده بدون إذنه.
وفي هذا تعجيب من حالهم وسوء صنيعهم وقبيح فعلهم.
تفسير المراغي
المراغي