«إنهم» كَانَ صوابًا عَلَى الابتداء. وكذلك قوله آمَنْتُ «١» أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وكسرها أصحابُ»
عبد الله عَلَى الابتداء.
وقوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى (٣٥) يقول: تعبدونَ ما لا يقدر عَلَى النُقْلة من مكانه، إِلا أن يحول وتنقلوه.
وقوله: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى (٣٧) المعنى- والله أعلم-: ما كَانَ ينبغي لمثل هَذَا القرآن أن يُفترى. وهو فِي معنى:
ما كَانَ هَذَا القرآن ليفترى. ومثله وَما كانَ «٣» الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أي ما كان ينبغى لَهُم أن ينفروا لانهم قد كانوا نَفَروا كافة، فدلّ المعنى عَلَى أَنَّهُ لا ينبغي لَهُم أن يفعلوا مرة أخرى. ومثله وَما كانَ «٤» لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي ما ينبغي لنبي أن يَغُلّ، ولا يُغَلَّ «٥». فجاءت (أنْ) عَلَى معنى ينبغي كما قال مَا لَكَ «٦» أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ والمعنى: منعك، فأدخلت (أن) فِي (مالك) إذ كَانَ معناها: ما منعك. ويدلّ عَلَى أن معناهما واحد أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي موضع: (ما منعك) «٧»، وَفِي موضع (مالك) وقصة إبليس واحدة.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ (٤٤) للعرب فِي (لكن) لغتان: تشديد النون وإسكانها. فمن شدّدها نصب بِهَا الاسماء، ولم يلها فَعَل ولا يَفْعَلُ. ومَنْ خفَّف نونها وأسكنها لم يعملها فى شىء اسم
(٢) وهى قراءة حمزة والكسائي وخلف.
(٣) آية ١٢٢ سورة التوبة.
(٤) آية ١٦١ سورة آل عمران.
(٥) يشير إلى القراءتين فى الآية. وانظر ص ٢٤٦ من هذا الجزء.
(٦) آية ٣٢ سورة الحجر.
(٧) كما فى الآية ١٢ من سورة الأعراف. [.....]
ولا فعل، وَكَانَ الَّذِي يعمل فِي الاسم الَّذِي بعدها ما معه، ينصبه أو يرفعه أو يخفضه من ذَلِكَ قوله وَلكِنَّ «١» النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَلكِنَّ «٢» اللَّهَ رَمى (وَلكِنَّ «٣» الشَّياطِينَ كَفَرُوا) رُفعِت هَذِه الأحرف بالأفاعيل التي بعدها. وأمّا قوله مَا كانَ «٤» مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ فإنك أضمرت (كَانَ) بعد (لكن) فنصبت بِهَا، ولو رفعته عَلَى أن تضمر (هُوَ) : ولكن هُوَ رسول الله كَانَ صوابًا. ومثله (وَما كانَ «٥» هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) و (تصديق). ومثله (مَا كانَ «٦» حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) (وتصديق).
فإذا ألقيت من (لكن) الواو التي فِي أولها آثرت العرب تَخفيف نونها.
وَإِذَا أدخلوا الواو آثروا تشديدها. وإِنَّما فعلوا ذَلِكَ لأنها رجوع عمّا أصاب أول الكلام، فشبِّهت ببل إذْ كَانَ رجوعًا مثلها ألا ترى أنك تَقُولُ: لَمْ يقم أخوك بَلْ أبوك ثُمَّ تَقُولُ: لَمْ يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما بِمعنى واحد، والواو لا تصلح فِي بَلْ، فإذا قالوا (ولكن) فأدخلوا الواو تباعدت من (بَلْ) إذ لَمْ تصلح الواو فِي (بَلْ)، فآثروا فيها تشديد النون، وجعلوا الواو كأنها واو دخلت لعطف لا لِمعنى بَلْ.
وإنّما نصبت العرب بِهَا إِذَا شُددت نونها لأن أصلها: إن عبد الله قائم، فزيدت عَلَى (إن) لام وكاف فصارتا جميعًا حرفًا واحدًا ألا ترى أن الشاعر قَالَ:
ولكنني من حبّها لكميد «٧»
(٢) آية ١٧ سورة الأنفال. وقراءة الرفع والتخفيف لابن عامر وحمزة والكسائىّ وخلف.
(٣) آية ١٠٢ سورة البقرة. والتخفيف والرفع للقرّاء الذين سلف ذكرهم آنفا.
(٤) آية ٤٠ سورة الأحزاب.
(٥) آية ٣٧ سورة يونس.
(٦) آية ١١١ سورة يوسف.
(٧) كميد وصف من كمد كفرح: أصابه الكمد وهو أشدّ الحزن. ويروى «لعميد»، وهو فعيل فى معنى مفعول من عمده المرض أو العشق إذا فدحه وهدّه.
معاني القرآن للفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء
أحمد يوسف نجاتي