ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون( ٣٥ ) :
وهذا أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسألهم سؤالا جديدا، لا إجابة له إلا ما يفرضه الواقع، والواقع يؤكد أن الهداية لا تكون إلا للحق ؛ لأن كل كائن مخلوق لغاية، فلا شيء يخلق عبثا( ١ ).
ونحن بقدرتنا المحدودة نصنع ( الميكرفون ) و( التليفزيون ) أو الثلاجة أو السرير وغيرها، كل منها له غاية، وكل له قوانين صيانته الخاصة به، والذي يحدد الغاية من هذا المصنع أو ذاك هو صانعه، ويضع لها قوانين صيانتها ؛ لتؤدي غايتها، فالغاية من أي شيء توجد قبل الشيء نفسه ؛ ليوجد الشيء على مقتضى الغاية منه.
وآفة العالم الآن أنهم يعلمون أن الله سبحانه خلق الإنسان، ولكنهم يصنعون من عندهم قوانين لصيانة الإنسان وحركة الإنسان، وهذا غباء وغفلة من الذين يفعلون ذلك، كان عليهم أن يتركوا أمر صيانة الإنسان للقوانين التي وضعها خالق الإنسان سبحانه.
فالحق سبحانه تعالى قد حدد الغاية من خلق الإنسان وحدد قوانين صيانته، والشر الموجود حاليا بسبب الجهل بغاية الإنسان، والعدول عن المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان، فقال الحق سبحانه : قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق.. ( ٣٥ ) : أي : هل من هؤلاء الشركاء من يهدي الإنسان على غايته ؟ هل قالت الشمس-مثلا-غايتها ؟ هل قالت الملائكة غايتها ؟ هل قالت الأشجار أو الأحجار أو الرسل الذين عبدتموهم شيئا غير مراد الله تعالى ؟ إنهم آلهة لا يعرفون الغاية من العابد لهم، ولا يعرفون الطريق الموصل إلى تلك الغاية.
ولذلك يأتي القول الفصل : قل الله يهدي للحق.. ( ٣٥ ) : فالله هداك أيها الإنسان إلى الحق في كل حركة تتحركها بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه مكتملا على رسوله صلى الله عليه وسلم من بدء " لا إله إلا الله " إلى إماطة الأذى عن الطريق( ٢ )، وهو منهج مستوعب مستوف لكل حركات الإنسان.
وجاءت الإجابة من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم انبهروا بالسؤال وتلجلجوا ولم يوجد عند أي منهم قدرة على المعارضة، فالغاية من خلق الإنسان وغيره يوجزها قول الحق سبحانه : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( ٥٦ ) [ الذاريات ] : والعبادة ليست أركان الإسلام فقط، بل هي عمارة الكون كبنيان حي للإسلام، والذي حدد الغاية هو الخالق سبحانه، وهو سبحانه الذي يحدد طريق الوصول إليها.
ونحن حين نرغب في الوصول إلى مكان في الصحراء مثلا، إنما نحدد أولا المكان، ونختار طريق الوصول، فإن كان الطريق المستقيم مليئا بالعقبات والجبال، فإنك ستضطر للانحراف عن هذا الطريق وصولا إلى غايتك، فهذا الطريق المعوج هو الطريق المستقيم ؛ لأنه الطريق الذي يجنبنا العقبات.
ومثال ذلك : السيول التي تنزل على هضاب الحبشة، فاختارت لنفسها المجرى السهل فكان نهر النيل، فلا أحد قد حفر النيل مثلما حفرنا الرياحات أو قناة السويس، بل نزل السيل واختار لنفسه الطريق السهل فسار فيه بين التعاريج والرمال والصخور.
ولذلك أنت تجد كل ما لا دخل للبشرية به قد يتعرج لينفذ، أما ما صنعه البشر فلا يستطيع ذلك.
وكل خلق لا بد له من غاية ؛ لذلك نجد سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام يقول : الذي خلقني فهو يهدين( ٧٨ ) [ الشعراء ] : فمن خلق هو الذي يحدد الغاية ؛ لأن هذه الغاية توجد عنده أولا ليخلق، وتتجلى الدقة في قول القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام، فلم يقل : الذي خلقني يهديني، بل قال : الذي خلقني فهو يهدين مما يدل على أن هذه القضية ستخالف، وبعد أن يخلق الإنسان سيقوم بعض الناس-حماية لمصالحهم-بوضع طريق أخرى تخالف الغاية ؛ فتوصل إلى الضلال.
أما الحق سبحانه فقد أنزل القرآن فيه الهداية الحقة، فالذي خلق هو الذي يقنن، ولذلك يذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام : والذي هو يطعمني ويسقين( ٧٩ ) [ الشعراء ] : وبهذا القول وصل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى أن الذي رزق الآباء قدرة استنباط الرزق مطعما ومشربا هو الله سبحانه.
وذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام : والذي يميتني ثم يحيين( ٨١ ) [ الشعراء ] : فالإماتة والإحياء هما من الحق سبحانه، فلا أحد يسأل عمن يملك الإماتة والإحياء، أما عن شفاء المرض فقال : وإذا مرضت فهو يشفين( ٣ ) ( ٨٠ ) [ الشعراء ] : فأنت قد تذهب إلى الطبيب وتظن أنه هو الذي يشفيك ؛ بل هو يعالج، ولكن الله هو الذي يشفي.
وهكذا نعلم أن قول سيدنا إبراهيم عليه السلام : الذي خلقني فهو يهدين( ٧٨ ) [ الشعراء ]أولاالهداية، ثم الخلق، ثم توضيح الطريق موصل إلى تلك الغاية، فإذا خولف في شيء من ذلك فلا صلاح لكون أبدا.
وتجد في القرآن على لسان سيدنا موسى عليه السلام : قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدا( ٥٠ ) [ طه ]، فما دام الحق سبحانه قد خلق فهو يهدي إلى السبيل الموصل إلى الغاية، ويقول القرآن أيضا : سبح اسم ربك الأعلى( ١ ) الذي خلق فسوى( ٢ ) والذي قدر فهدى( ٤ ) ( ٣ ) [ الأعلى ] : وهكذا يتأكد لنا أنه ما دامت هناك غاية، فلا بد من وجود طريق يهدينا إليه من خلقنا.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه : قل الله يهدي للحق.. ( ٣٥ ) لأنه سبحانه هو الذي خلق ؛ ولذلك فمن المنطقي أن يأتي بعد ذلك التساؤل : أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى.. ( ٣٥ ) ؟
وسبب وجود اللام في قوله : يهدي للحق هو النظرة إلى الغاية، وسبب وجود : إلى الحق هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضي طريقا، فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معا.
ونحن نعلم أن هذه الآية قد نزلت في الذين اتخذوا لله شركاء، فهم يعترفون بالله تعالى ولكنهم يشركون به غيره، فالله سبحانه وتعالى تفرد بالألوهية بربوبيته للخلق ؛ لأنه خلق من عدم، ورزق من عدم، وخلق لنا وسائل العلم ودبر لنا الأمر، وأخرج الحي من الميت، وأخرج الميت من الحي، وهدى للحق.
فأين-إذن-هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم مع الله تعالى ؟ وهل صنع واحد منهم أو كلهم مجتمعين شيئا واحدا من تلك الأشياء( ٥ ) ؟
لذلك قال سبحانه : هل من شركائكم من يهدي على الحق.. ( ٣٥ ) [ يونس ] : إذن : فالذي يهدي هو الذي خلق، وهؤلاء الذين أشركوا اعترفوا بالله خالقا بشهاداتهم حين قال الحق سبحانه : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. ( ٨٧ ) [ الزخرف ] :
إذن : فالذين أشركوا قد ارتكبوا الإثم العظيم، وهؤلاء الشركاء إما أن يكونوا من الملائكة، أو من الأنبياء والرسل الذين فتن بهم بعض الناس، وهناك من اتخذ وسائط أخرى مثل : الشمس والقمر والنجوم ؛ وهذه أشياء علوية، وبعض الناس اتخذوا وسائط سفلية كالأشجار والأحجار، فهل أي شيء من كل ذلك يهدي إلى الحق ؟ وما منهج أي منهم إذن ؟ وكيف بلغوكم به ؟
إن كل هؤلاء يعلمون أن أيا منهم لا يستطيع أن يهدي، بل هو يهدى من الله سبحانه وتعالى، فمن أين قلتم إن الملائكة ستهديكم ؟ أو من أين جاء الذين فتنوا برسولهم واتخذوه إلها ؟ ومن أين جاء هذا الرسول بمنهجه ؟
إن كل كائن لا يهدى على بعد أن يهدى من الله أولا، وإن كانت الأشياء-المتخذة شركاء-لا هداية لها، ولا منهج، ولا عقل، ولا تفكير، كالشمس والقمر والنجوم في العلويات، والأشجار والأحجار في السفليات، فماذا قالت هذه الأشياء ؟ إنها لم تقل شيئا.
وهكذا لا يستقيم أمر اتخاذهم شركاء مع الله، حتى الملائكة، فالله هو الذي يختار منهم الملك الذي يبلغ عن الله سبحانه، وكذلك الرسل عليهم السلام : أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى.. ( ٣٥ ) [ يونس ] :
لا يهدي تقرأ هكذا، وللغة فيها عملية تخفيف جرس لسلامة نطقها واستقامة اللغة العربية، فنحن نعرف أن يهدي يعني : يهتدي.. أصلها يهتدي.. ويهتدي فيها هاء ساكنة وتاء ودال وياء.. وفيها تقارب لمخارج الحروف، وهذا التقارب يجعل المعنى غائما، والنطق ثقيلا، فتقوم اللغة بعملية إبدال وإدغام، وتخلص من التقاء الساكنين فتصل إلى مسامعنا كما أنزلها الله تعالى لسلامة النطق وجمال المعنى ؛ لأن القرآن أدب اللغة بكلام السماء ؛ لتكون خالدة اللفظ والمعنى. فإذا كنتم على طريق هداية، فالأصل في الهداية هو الله تعالى.
وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله : فما لكم كيف تحكمون.. ( ٣٥ ) [ يونس ] :
أي : ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم ؛ فتشركوا بالله ما لا منهج له، أو له منهج ولكنه موصول بالله تعالى جاء ليبلغه لهم ؟
وساعة تسمع كيف فهي للاستفسار عن عملية عجيبة ما كان-في عرف العاقل-أن تحدث. كأن تقول :" كيف ضربت أباك ؟ " أو " كيف سببت أمك ؟ "، وهذا كله من الأمور التي تأباها الفطرة ويأباه الطبع والدين.
وقوله سبحانه : فما لكم كيف تحكمون كأنه أمر عجيب ما كان يصح أن يحدث ؛ لأن الحق سبحانه وحده هو الإله، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير غاية وطريقا. والله سبحانه وحده هو الذي حدد لنا الغاية والطريق الموصل إليها، وهو سبحانه القائل : والله يدعو إلى دار السلام.. ( ٢٥ ) [ يونس ]. والمنهج هو الطريق الذي يوصل إلى دار السلام من آفة الأغيار( ٦ ) ؛ لأن الدنيا كلها أغيار، فأنت قد تكون قويا ثم تضعف أو صحيحا فيصيبك المرض، أو غنيا فتفتقر، أو مبصرا فيضيع منك بصرك، أو تكون صحيح الأذن سميعا فتصير أصم بعد ذلك( ٧ ).
إذن : فهي دنيا أغيار، وهب أن إنسانا أخذ من دنياه كل نصيبه عافية وأمنا وسلامة وغنى وكل شيء ؛ سنجده في قلق من جهتين : الجهة الأولى أنه يخاف أن يفارقه كل هذا النعيم، أو يخاف أن يترك هو هذا النعيم، هذا ما نراه في حياتنا.
إذن : فالدنيا بما فيها من أغيار لا أمان لها ؛ لنفهم أن كل عطاءات المخلوق إنما هي هبة من الخالق سبحانه وتعالى ؛ لأنها لو كانت من ذاتك لاستطعت الحفاظ عليها، ولكنها هبات من الحق الأعلى سبحانه. والأمر الموهوب قد يصبح مسلوبا.
٢ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة. فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". لأخرجه البخاري في صحيحه(٩)، ومسلم في صحيحه(٣٥)..
٣ عن أبي رمثة رضي الله قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ذو وفرة، بها ردع حناء وعليه بردان أخضران فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك فإني رجل طبيب. قال:"الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها"..
٤ الذي خلق فسوى..(٢)[الأعلى] أي: خلق الخليفة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات. وقوله تعالى:والذي قدر فهدى..(٣)[الأعلى]. قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها.[تفسير ابن كثير: ٤/٥٠٠]..
٥ ويقول سبحانه في سورة الروم:الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون(٤٠)[الروم]..
٦ أي: أن أحوال الدنيا تتغير وتتبدل ولا تثبت على حال واحدة..
٧ ولأن الدنيا دنيا أغيار أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا وهو يعظه:"اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/٣٠٦) وصححه على شرط الشيخ من ابن عباس، وأقره الذهبي..
تفسير الشعراوي
الشعراوي