ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً الآية.
لمَّا ذكر الدَّلائل الدَّالة على إثبات المبدأ، أردفه بما يدلُّ على صحَّة القول بالمعاد فقوله " إليه مرجعكم " الرجع بمعنى الرجوع و " جميعها " نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع وهذا يدل على أن المراد بالرجوع القيامة لا الموت.
وقوله :" وعْدَ اللهِ " منصوبٌ على المصدر المؤكَّدِ ؛ لأنَّ معنى " إلَيْهِ مرْجِعكُمْ " : وعدكم بذلك.
وقوله :" حَقّاً " مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبه مضمر، أي : أحَق ذلك حقّاً.
وقيل : انتصب " حَقّاً " ب " وَعْدَ " على تقدير " في "، أي : وَعْدَ الله في حق، يعني على التَّشْبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير : التقدير : وقت حق ؛ وأنشد :[ الطويل ]
أحَقّاً عِبَادَ الله أنْ لَسْتُ ذَاهِباً *** وَلاَ وَالِجاً إِلاَّ عليَّ رَقيبُ١
" إنَّهُ يَبْدَؤا " الجمهور على كسر الهمزة للاستئناف، وقرأ عبد الله، وابن٢٣ القعقاع، والأعمش، وسهيل بن شعيب بفتحها، وفيها تأويلاتٌ :
أحدها : أن تكون فاعلاً بما نصب " حَقّاً " أي : حقَّ بدءُ الخَلْقِ، ثُمَّ إعادته ؛ كقوله :[ الطويل ]
أَحَقّاً عبادَ اللهِ أنْ لَسْتُ جَائِياً ***. . .
البيت.
وهو مذهبُ الفرَّاء، فإنَّه قال " والتقدير : يحقُّ أنَّه يبدأ الخَلْق ".
والثاني : أنه منصوبٌ بالفعل الذي نصب " وَعْدَ اللهِ "، أي : وعد الله تعالى بدء الخلق ثم إعادته، والمعنى : إعادةُ الخلْقِ بعد بدئه.
الثالث : أنه على حذفِ لام الجرِّ، أي : لأنَّهُ ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري وغيره.
الرابع : أنَّهُ بدلٌ من " وَعْدَ اللهِ " قالهُ ابن عطية٤.
الخامس : أنه مرفوعٌ بنفس " حَقّاً " أي : بالمصدر المنون، وهذا إنَّما يتأتَّى على جَعْل " حَقّاً " غير مؤكدٍ، لأنَّ المؤكَّدَ لا عمل له إلاَّ إذا نَابَ عن فعله، وفيه بحث.
السادس : أن يكون " حَقّاً " مشبهاً بالظَّرف خبراً مقدماً، و " إنَّه " في محلِّ رفع مبتدأ مؤخراً، كقولهم : أحقاً أنَّك ذاهبُ، قالوا : تقديره : أفي حقٍّ ذهابك.
وقرأ ابن أبي٥ عبلة " حَقٌّ أنَّه " برفع حق وفتح " أنّ " على الابتداء والخبر، قال أبو حيَّان : وكون " حق " خبر مبتدأ، و " أنه " هو المبتدأ هو الوجه في الإعراب، كما تقول : صحيحٌ أنك مخرج ؛ لأنَّ اسم " أن " معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة، فظاهرُ هذه العبارة يُشْعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب " إنَّ " ؛ كقوله :[ الطويل ]
وإنَّ حراماً أنْ أسُبَّ مُجَاشِعاً *** بآبَائِيَ الشُّمِّ الكِرَامِ الخَضَارِمِ٦
وقوله :[ الطويل ]
وإنَّ شفَاءً عبْرَةٌ أنْ سَفَحْتُهَا *** وهَلْ عندَ رسْمٍ دارٍ مِنْ مُعَوَّلِ٧
على جَعْلِ " أنْ سَفَحْتُهَا " بدلاً من " عَبْرَة "، وقد أخبر في " كان " عن نكرةٍ بمعرفةٍ، كقوله :[ الوافر ]
. . . *** ولا يَكُ موقِفٌ مِنْكِ الوَدَاعَا٨
وقوله :[ الوافر ]
. . . *** يكُونُ مِزاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ٩
قال مكِّي١٠ :" وأجاز الفرَّاء رفع " وَعْد "، بجعله خبراً ل " مَرْجِعُكُمْ ". وأجاز رفعَ " وَعْد " و " حَقّ " على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد ".
قال شهابُ الدِّين : نعم لم يرفع " وَعْد "، و " حَقّ " معاً أحد، وأمَّا رفعُ " حَقٌّ " وحده فقط تقدَّم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهه، ولا يجوز أن يكون " وعْد الله " عاملاً في " أنَّه " لأنه قد وُصِفَ بقوله " حَقّاً " قاله أبو الفتح، وقرئ١١ " وعَدَ اللهُ " بلفظ الفعل الماضي ورفع الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون " إنَّه يَبْدأ " معمولاً له إنْ كان هذا القارئ يفتح " أنه "، والجمهُور على يَبْدَأ بفتح الياء من بَدَأ، وابنُ أبي طلحة١٢ " يُبْدِئ " مِنْ أبْدَأ، وبَدَأ وأبْدَأ بمعنى واحد.

فصل


في هذه الآية إضمار، تقديره : إنَّه يبدأ الخلق ؛ ليأمرهم بالعبادة، ثم يُميتُهُم ثم يعيدهم، كقوله في البقرة : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ البقرة : ٢٨ ].
إلاَّ أنَّه - تعالى - حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا ؛ لأنَّه - تعالى - قال من قبله ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه وحذف ذكر الإماتة، لأنَّ ذكر الإعادة يدلُّ عليها. وهذه الآية تدلُّ على أنَّه تعالى يعيد جميع المخلوقات، وإعادتها لا يمكن إلاَّ بعد إعدامها، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محالٌ، ونظيره قوله تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [ الأنبياء : ١٠٤ ] فحكم بأنَّ الإعادة تكون مثل الابتداء.
قوله :" ليَجْزِي " متعلِّق بقوله " ثُمَّ يُعِيدُهُ "، و " بالقِسْطِ " متعلقٌ ب " يَجْزِيَ " ويجوز أن يكون حالاً : إمَّا من الفاعل أو المفعول، أي : يَجْزيهُم مُلْتَبِساً بالقِسْطِ أو ملتبسين به، والقِسْطُ : العدل.

فصل


قال الكعبيُّ :" اللاَّم في قوله " ليَجْزِيَ الذينَ آمَنُوا " تدل على أنَّه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة، وأيضاً فإنَّه أدخل " لام " التعليل على الثواب، ولم يدخلها على العقاب، بل قال : والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ فدل على أنَّه خلق الخلق للرَّحمةِ لا للعقاب، وذلك يدلُّ على أنَّه - تعالى - ما أراد منهم الكفر، ولم يخلق الكفر فيهم ".
والجواب : أنَّ لامَ التعليل في أفعال الله - تعالى - محالٌ ؛ لأنه - تعالى - لو فعل فعلاً لعلَّةٍ لكانت تلك العِلَّة، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة فيلزم التسلسل، وهو محال.

فصل


في تفسير " القِسْط " وجهان :
الأول : أنَّه العدل، كما تقدم ؛ والعدلُ هو الذي يكون لا زائداً ولا ناقصاً، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى لا يزيدهُم على ما يستحقونه بأعمالهم، ولا يتفضَّل عليهم بشيء.
فالجواب : أنَّ الثواب أيضاً محضُ التَّفضُّل، وأيضاً فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق إلا أنَّ لفظ " القِسْطِ " يدلُّ على توفية الأجْرِ، فأمَّا المنع من الزِّيادة فلفظ " القِسْط " لا يدلُّ عليه، فإن قيل : لِمَ خصَّ المؤمنين بالقسطِ مع أنَّه - تعالى - يجازي الكافرين أيضاً بالقسطِ ؟
فالجواب : أنَّ تخصيصَ المؤمنين يدلُّ على مزيد العناية في حقِّهم، وعلى كونهم مخصوصين بمزيد الإحسان.
الوجه الثاني - في تفسير القِسْطِ - : أن المعنى : ليجزي الذين آمنُوا بقسطهم، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حين آمنُوا وعملوا الصَّالحات، لأنَّ الشِّركَ ظلمٌ، قال تعالى إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : ١٣ ]، والعصاة أيضاً قد ظلموا أنفسهم، قال تعالى : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ [ فاطر : ٣٢ ] وهذا أقوى ؛ لأنه في مقابلة قوله : بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ .
قوله : والذين كَفَرُواْ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون مرفوعاً بالابتداءِ، والجملة بعده خبره.
والثاني : أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبله، وتكونُ الجملةُ بعده مُبَيِّنَة لجزائهم. و " شَرابٌ " يجُوزُ أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، والأولُ أولَى.
قوله :" بِمَا كَانُوا " الظَّاهرُ تعلُّقه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير : استقرَّ لهم شرابٌ من حميم وعذاب أليمٌ بما كانُوا. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما :
الأول : أن يكون صفة أخرى ل " عَذاب ".
والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له، ولا حاجة إلى العدول عن الأوَّل. قال الواحدي : الحَميمُ : الذي أسخنَ بالنَّار حتى انتهى حرُّه، يقال : حَمَمْتُ الماءَ، أي : أسْخَنْتُهُ، أحْمِيهِ، فهو حميمٌ، ومنه الحَمَّام.

فصل


دلَّت الآية على أنَّه لا واسطة بين أن يكون المكلَّف مُؤمناً، وبين أن يكون كافراً، لأنَّه اقتصر في الآية على ذكر هذين القسمين.
وأجاب القاضي : بأنَّ ذكر هذين القسمين لا ينفي القسم الثالث ؛ لأنَّ قوله تعالى : والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ
[ النور : ٤٥ ] ولم يدلَّ على نفي القسم الرابع، بل ربما ذكر المقصود أو الأكثر، وترك ما عداه، إذا كان قد بيِّن في موضع آخر، وقد بيَّن الله حال القسم الثالث في سائر الآيات.
وجوابه : إنَّما يترك القسمُ الذي يجري مجرى النَّادر، ومعلوم أنَّ الفسَّاق أكثر من أهل الطَّاعةِ، فكيف يجُوز ترك ذكرهم في هذا الباب ؟ وأما قوله تعالى والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ [ النور : ٤٥ ] فإنَّما ترك ذكر القسم الرابع، لأنَّ أقسام دواب الأرض كثيرة، فكان ذكرها بأسرها يوجبُ الإطناب، بخلاف مسألتنا، فإنه ليس هنا إلاَّ القسم الثَّالث، وهو الفاسقُ الذي يزعم الخصمُ أنَّه لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، فظهر الفرق.
١ البيت لابن الدمينة ورواية الديوان:
أحقا عباد الله أن لست صادرا *** ولا واردا إلا علي رقيب
ينظر: ديوانه (٩) والبحر المحيط ٥/١٢٩ والأشموني ٢/٢٣٥ والطبري ١٥/١٢ والكشاف ٢/٣٢٩ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٦٤ والدر المصون ٤/٦..

٢ ينظر: إتحاف ٢/١٠٤، الكشاف ٢/٣٢٨-٣٢٩، المحرر الوجيز ٣/١٠٤، البحر المحيط ٥/١٢٩، الدر المصون ٤/٦..
٣ تقدم تقريبا..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٠٤..
٥ ينظر: الكشاف ٢/٣٢٩، المحرر الوجيز ٣/١٠٤-١٠٥، البحر المحيط ٥/١٢٩، الدر المصون ٤/٦..
٦ تقدم..
٧ تقدم..
٨ عجز بيت للقطامي وصدره:
قضى قبل التفرق يا ضباعا
ينظر: ديوانه (٣٧) والكتاب ٢/٢٤٣ والمقتضب ٤/٩٤ وشرح المفصل لابن يعيش ٧/٩١ والخزانة ٩/٢٨٤ والمغني ٢/٤٥٣ والهمع ١/١١٩ والدرر ١/٨٨ والتهذيب ٣/١٣٩ واللسان (ودع) والدر المصون ٤/٦ والأشموني ٣/١٧٣..

٩ تقدم..
١٠ ينظر: المشكل ١/٣٧٤..
١١ ينظر: الكشاف ٢/٣٢٩، المحرر الوجيز ٣/٥٠٤-١٠٥، البحر المحيط ٥/١٢٩، الدر المصون ٤/٦..
١٢ ينظر: المصدر السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية