إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ( ٣ ) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ( يونس : ٣-٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن افتتح سبحانه السورة بذكر آيات الكتاب، وأنكر على الناس عجبهم أنه يوحى إلى رجل منهم يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وينذرهم على الكفر والمعاصي بالعقاب- قفى على ذلك بذكر أمرين :
إثبات أن لهذا العالم إلها قادرا نافذ الحكم بالأمر والنهي يفعل ما يشاء وهو العليم الخبير.
إثبات البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال من ثواب وعقاب وهما اللذان أخبر بهما الأنبياء.
تفسير المفردات :
والقسط : العدل. والحميم : الماء الشديد الحرارة.
الإيضاح :
إليه مرجعكم جميعا أي إلى ربكم وحده دون غيره من معبوداتكم وشفعائكم وأوليائكم ترجعون جميعا بعد الموت وفناء هذا العالم الذي أنتم فيه لا يتخلف منكم أحد.
وعد الله حقا أي وعد الله ذلك وعدا حقا لا خلف فيه.
إنه يبدؤوا الخلق ثم يعيده أي إن شأنه تعالى أن يبدأ الخلق وينشئه حين التكوين، ثم يعيده في نشأة أخرى بعد انحلاله وفنائه.
وقد اتفق العلماء جميعا ماديّهم وروحيهم على أن الأرض وجميع الأجرام السماوية قد وجدت بعد أن لم تكن وإن كانوا لا يزالون يبحثون عن كيفية تلك النشأة والقوة المتصرفة في أصل مادتها.
وهم جميعا متفقون على توقع خراب هذه الأرض والكواكب المرتبطة بها في هذا النظام الشمسي الجامع لها بأن تصيب الأرض قارعة من الأجرام السماوية تَبُسُّها بسّا فتكون هباء منبثا.
وها هو ذا قد حصل البدء بالفعل والإعادة أهون من البدء، فمن قدَر على البدء يكون أقدر على الإعادة كما قال في سورة الروم : وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( الروم : ٢٧ ).
ومما يقرّب ذلك : أن علماء الطبيعة أثبتوا أن هذه الأجساد الحية في انحلال وتجدد دائمين فما ينحل منها ويبْخَر في الهواء أو يموت في داخل الجسم ثم يخرج منه تحلّ محله مواد حية جديدة حتى يفنى جسد كل حيوان في سنين قليلة ويتجدد غيره.
ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط أي إنه تعالى يعيدهم لأجل جزائهم بالعدل، فيعطي كل عامل حقه من الثواب الذي جعله لعمله، وهذا المعنى قد جاء في آيات كثيرة كقوله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ( الأنبياء : ٤٧ ) وقوله : وقضي بينهم بالقسط ( يونس : ٥٤ ).
والعدل في الأمور كلها مما يتطلبه الإيمان كما قال : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ( الحديد : ٢٥ ) وقال : قل أمر ربي بالقسط ( الأعراف : ٢٩ ).
والجزاء بالعدل لا يمنع أن يزيدهم ربهم شيئا من فضله ويضاعف لهم كما وعد على ذلك في آيات أخرى، منها قوله : ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ( فاطر : ٣٠ ) وقوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( يونس : ٢٦ ).
والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون أي إن الكافرين لهم من الجزاء شراب من حميم يُقَطع أمعاءهم وعذاب شديد الألم بسبب ما كانوا يعملون من أعمال الكفر المستمرة إلى الموت كدعاء غير الله من الأوثان والأصنام، وسائر المعاصي التي يزينها لهم الشيطان ويصدهم بها عن الإيمان.
وتعليل الرجوع إليه تعالى بأنه لجزاء المؤمنين الصالحين، بيان منه بأنه المقصود بالذات، إذ هو الذي يكون به منتهى كمال الارتقاء البشري للذين زكّوا أنفسهم وطهروا قلوبهم وأخبتوا إلى ربهم فيلقى من عمل الصالحات من النعيم المادي ما هو خال من الشوائب التي تخالطه في نعيم الدنيا، ومن النعيم الروحي- وهو رضوان الله الأكبر- مما لا يعلم كنهه في هذه الحياة أحد كما قال : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ( السجدة : ١٧ ) وجاء في الحديث القدسي :( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ) رواه البخاري.
وأما جزاء الكافرين الظالمين لأنفسهم وللناس على تدسيتهم لأنفسهم بالكفر والخطايا، فليس من المقاصد التي اقتضتها الحكمة الإلهية في خلق الإنسان، ولكنها مقتضى العدل مشيئته تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات والعلل بالمعلولات.
تفسير المراغي
المراغي