ويقول سبحانه بعد ذلك : إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم١ وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ( ٤ ) .
وحين يقول سبحانه : إليه مرجعكم فهذا إعلام لكل الخلق أن كل الأمور معلومة له سبحانه، فقد أنزل التكليف الذي قد يطاع، وقد يعصى. فمن أطاع يفرح بقوله سبحانه : إليه مرجعكم جميعا ، ومن عصى يحزن، لأنه سيلقى عقاب العصاة حين يرجع إلى الله٢.
ونجد القرآن يقول مرة :" يرجعون " ومرة يقول :" يرجعون " ٣، فمن عمل صالحا، فهو يفرح بالرجوع إلى الله، ومن عصى وكفر ؛ فهو يحزن ويخاف ويتردد ويحاول ألا يرجع، لكنه يرجع رغم أنفه، والحق سبحانه يقول : يوم يدعون٤ إلى نار جهنم دعا ( ١٣ ) ( الطور )، وقوله سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : إليه مرجعكم جميعا... ( ٤ ) ( يونس ). وسمي هذا المرجع في نفس الآية : وعد الله حقا... ( ٤ ) ( يونس ).
ولقائل أن يقول : ولكن الوعد يطلق على الأمر الذي سيأتي بخبر، فإن كان المرجع للطائع فهذا هو الخير، ولكن العاصي لن يرى في الرجوع خيرا، فلماذا لم يقل الله : إن المرجع للعاصي وعيد ؟
وأقول : إن الحق سبحانه إنما ينبه الإنسان لما ينتظر في المستقبل، ويعظه، وترك له الاختيار، وهذا تقديم للخير، وهكذا تصبح المسألة كلها وعدا. والصيغة التي يقدم فيها المجرور رغم أن من حقه التأخير، فهي تعني تفرد الجمع، فكلنا نرجع إليه سبحانه، مثل قوله سبحانه : إياك نعبد... ( ٥ ) ( الفاتحة ).
إذن : فالطائع فرح بجزاء الله له، وعلى العاصي أن يراجع نفسه قبل أن يرجع إلى الله. وأضرب هذا المثل-ولله المثل الأعلى- أنت تنبه التلاميذ إلى أن يذاكروا، فالذي يذاكر فعلا، يفرح بالامتحان ؛ لأنه سوف ينجح فيه. والذي يذاكر قد يراجع نفسه ويقبل على المذاكرة خوفا من الرسوب، والتذكير لون من ألوان الإنذار، ليتهيب الموقف ويرتدع، وهكذا يصير التذكر وعدا لا وعيدا.
ويضيف الحق سبحانه لوصف وعده بأنه حق فيقول : وعد الله حقا ولقائل أن يقول : أليس كل وعد من الله حقّا ؟ ونقول : نعم. كل وعد من الله حق، وشاء الحق سبحانه هنا أن يصف وعده بأنه حق ليذكرنا بأن الحق هو الشيء الثابت، فإن خيل إليك في بعض الأوقات أن الباطل هو السائد والسيد، فلتعلم أن الباطل لا ثبات له لا سيادة.
وسبحانه يقول : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا٥ رابيا٦ ومما يقودون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء٧ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ( ١٧ ) . ( الرعد ).
فحين ينزل المطر نجد كل واد يأخذ من الماء على قدر حاجته، وساعة ينزل المطر ويتجمع، نجد القش يطفو ومعه الحشائش والأشياء التي لا فائدة منها، لأن الماء في لحظة النزول إنما ينظف المكان الذي ينزل عليه، لذلك تطفو الأشياء الخفيفة وغير المفيدة.
كذلك الباطل إنما يطفو على السطح لكنه لا يفيد ولا يزعزع الحق الذي يستقر وينفع الأرض والناس، وطفو الباطل إنما هو تنبيه لجنود الحق، والباطل مثله مثل الألم الذي ينبه للمرض، وأخطر الأمراض هو الذي لا ألم فيه، فيستفحل إلى الدرجة التي يصبح علاجه صعبا ومستحيلا.
إذن : فالألم كالباطل ينبه جنود الحق، ولذلك أنت تلحظ أنه إذا ما أهيج الإسلام من أي عدو، تجد الحماسة وقد دبت في الناس جميعا، حركة وتعاونا، ونسيانا للأحقاد، للدفاع عن الإسلام.
وفي الأمراض التي تنتقل ببعض الفيروسات، نجد الأطباء وهم يطعمون الناس من نفس ميكروبات وفيروسات المرض بجرعات ضعيفة لتستثير مقاومة الجسم، إذن : فالباطل جندي من جنود الحق، كما أم الألم جندي من جنود العافية.
وإذا كان الحق هو القائل : إليه مرجعكم٨ جميعا فلا بد أنه الوعد الحق، لأنه سبحانه يملك كل يعد به، وسبحانه منزه عن الكذب وعن الخديعة، لأنه القائل : ومن أصدق من الله قيلا ( ١٢٢ ) ( النساء ).
ولأنه أقوى مما خلق، وممن خلق. ولا تخونه إمكاناته، لأنه يملك الكون كله.
وكلمة " الرجوع " في قوله تعالى : إليه مرجعكم جميعا تفيد أن تكون على شيء ثم تفارق هذا الشيء وبعد ذلك ترجع له، فهي وجود أولا، ثم خروج عن الوجود، ثم عودة إلى الوجود الأول. فإن كنت في مكان، ثم ذهبت إلى مكان آخر، وترجع إلى المكان الأول، فهذا هو الرجوع.
والقول هنا يفيد أننا سنموت جميع، مصداقا لقوله الحق : كل من عليها فان( ٢٦ ) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام( ٢٧ ) ( الرحمان ).
وقد قال الكافرون ما ذكره القرآن : أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد( ٣ ) ( ق ).
كأنه قد استبعدوا فكرة البعث، وقالوا أيضا : أئذا ضللنا٩ في الأرض أئنا لفي خلق جديد... ( ١٠ ) ( السجدة ) : أي : أنهم تساءلوا : هل بعد الموت والدفن وتحلل الجثمان١٠ إلى عناصر تمتزج بعناصر الأرض، أبعد كل ذلك بعث و نشور١١ ؟
وجاء هنا قوله سبحانه : إليه مرجعكم جميعا ليفيد أن الخروج إلى الوجود بالميلاد إلى الحياة، ثم بعد الخروج على الحياة إلى مقابلها وهو الموت، ومن بعد ذلك البعث.
وقد وقف الكافرون عند هذه النقطة واستبعدوها، فأراد الله لأن يبين لنا هذه المسألة، لأنها تتمة التمسك بالمنهج، وكأنه يقول لنا : إياكم أن تظنوا أنكم أخذتم الحياة، وأفلتم بها وتمتعتم، ثم ينتهي الأمر١٢ ؟ لا، إن هناك بعثا وحسابا. ولذلك قال : إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا... ( ٤ ) : فإن قال قائل : كيف يكون ذلك ؟ يأتي القول الحق : إنه يبدأ الخلق ثم يعيده فالذي قدر على أن يخلق من عدم أيعجز أن يعيد من وجود ؟ إنه الحق القائل : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا( ٩ ) ( مريم ).
فإذا شاء أن يعيدكم فلا تتساءلوا كيف ؟ لأن ذراتكم موجودة، والحق سبحانه يقول :
أفعيينا١٣ بالخلق بل هم في لبس١٤ من خلق جديد ( ١٥ ) ( ق ) : هكذا يستدل الحق سبحانه بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني، فإن كنتم تتعجبون من أنكم بعد أن أوجد الحق أجزاءكم وذراتكم ومواصفاتكم، فانظروا إلى الخلق الأول، فقد خلقكم من لا شيء، أفيعجز أن يعيدكم من شيء ؟ أفعيينا بالخلق الأول .
وجاء الفلاسفة وأقاموا ضجة١٥، فجاء الحق سبحانه وتعالى من الكون بالأدلة، وقال : وترى الأرض هامدة... ( ٥ ) ( الحج ) : أي : أرضا ميتة وليس فيها أي حياة.
فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت١٦ وأنبتت من كل زوج بهيج ( ٥ ) ( الحج ).
إذن : فلا عجب أن تصدر حياة عن موت، وأنتم ترون ذلك كل ساعة. والحياة التي تراها أمامك ليست إلا دورة، لأن الله حين خلق الكون، خلق عناصره، ولا زيادة على هذه العناصر.
وخذ مادة واحدة وهي المياه، فمنذ أن خلق الحق سبحانه المياه لم تزد ولم تنقص، ويشرب منها الإنسان والحيوان، ولو أخذ كل واحد في حياته أي قدر من المياه، تظل المياه كما هي، لأن هذا الإنسان يفرز ما شربه على هيئة عرق وإفرازات مختلفة، وكل ذلك يخرج منه، ويبقى ما يمثل وزنه.
إذن : فما أخذته من المياه إنما يخرج منك مختلطا بأشياء نتيجة التفاعل الذي يعطيك طاقة الحياة، بعد ذلك يتبخر الماء، وعملية التبخر هي تقطير١٧ للماء، فأنت إذا أردت تقطير المياه تسخنها إلى درجة الغليان فتتحول بعد ذلك إلى بخار، ثم تكثفها١٨ لتعود مياها من جديد.
إذن : فالماء له دورة، نروي منه الزرع، فيأخذ المائية ويصير أخضر اللون، ويخرج منه الماء الزائد عن حاجته في عملية النتح١٩، ثم يجف، بعد أن تخرج منه المياه بالتبخر، وكل ذلك دون أن يشعر أحد بحكاية التبخر هذه.
وأنت حين تحضر كوبا من الماء المقطر في الصيدلية، تتكلف كثيرا، وتحتاج موقدا وإناء وأنابيب، ثم إلى مياه أخرى باردة لتكثف البخار، ولكن هذه مسألة تحدث في الكون ملايين المرات، ولا يدري بها أحد.
وبعد أن تتبخر المياه تصير سحابا، ثم ينهمر المطر وهو مياه مقطرة.
ولذلك تجد أن مساحة رقعة الماء ثلاثة أرباع الأرض لتخدم الربع الباقي ( اليابسة ) ؛ لأن الله يريد اتساع سطح الأرض، وهذا الاتساع هو الذي يساعد على التقطير والتبخير والتكثيف.
مثلما تجيء أنت بكوب ماء، وتضعه في حجرة، ثم تغيب شهرا عن الحجرة، فعند عودتك إليها قد تجد الكوب نقص ما مقداره نصف سنتيمتر تقريبا، لكنك إن أخذت كوب الماء نفسه وألقيت ما فيه من ماء ليسيح على أرض الغرفة، فستجد أن الأرض جفت خلال ساعات قليلة، وهكذا نجد أن اتساع الرقعة إنما يساعد على سرعة البخر.
إذن : الكمية التي خلقها الله من المياه كما هي، لم تزد ولن تنقص، تدور الدورة التي شاءها الحق، وهكذا نرى أن الشيء يعود إلى أصله مرة أخرى، ويمكن أن نرى ذلك في كل أوجه الحياة، والحق سبحانه يقول : والذاريات ذروا( ١ ) فالحاملات وقرا( ٢ ) فالجاريات يسرا( ٣ ) فالمقسمات أمرا٢٠( ٤ ) إنما توعدون لصادق ( ٥ ) ( الذاريات ) : يقسم الحق سبحانه هنا بالرياح التي تحمل السحاب، وتمطر كل سحابة على الموقع المحدد لها بأمر من الله، يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى دورة الماء، الذي هو قوام الحياة، بأن الوعد منه سبحانه يتحقق حتما.
تأمل الوردة، تجد لها نعومة ونضارة، لأن فيها شيئا كثيرا من المائية، ولها لون جميل ورائحة ذكية تفوح، فإذا قطفتها تتساقط أوراقها وتجف، لأن ما فيها من المائية يتبخر، فما أخذته الوردة من الماء عاد إلى مخزنة مرة أخرى، وكذلك الرائحة تظل في أوراقها الذابلة إلى أن تنتهي، وكذلك اللون، ثم تخرج وردة جديدة.
إذن : حياة كل كائن في الوجود والعالم في حركته ناشئة عن هذه الدورة، فإذا كانت مائية حياتكم تدور، أتستبعد أن تدور أنت بمكوناتك ؟ هب إنسانا وجد ومات، بخروج الروح من الجسد ويوارى الجثمان ويتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل مواد الجثمان مع عناصر الأرض لتصير ترابا فهل يعجز الحق أن يعيد إلى الوجود أبعاض هذا الإنسان ؟ طبعا لا يمكن أن يعجز.
الحياة-إذن- احتكاك هذه الدورات لتلك العناصر، فلم يزد شيء عليها، ولم ينقص منها شيء.
واقرأ القرآن بتبصر تجد قوله الحق : وقد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ( ٤ ) ( ق ).
وهكذا يبين لنا الحق أن العناصر كلها موجودة في الكون، قد تزيد في مخلوق عن آخر، لكن المجموع الكلي لكل العناصر ثابت، وإذا كان العلم قد توصل إلى أن هناك ستة عشر عنصرا تكون الكائنات٢١، فهذه العناصر ثابتة الكمية، وإن اكتشفوا زيادة في عددها، فالزيادة في عدد العناصر ستكون أيضا ثابتة الكم لكل عنصر.
وقال العلماء : إن الستة عشر عنصرا هي : الأكسيجين، والكربون، والهيدروجين، والنتروجين، والمغنسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، وغيرها.
كل هذه العناصر تعود إلى أصلها بعد أن تموت الكائنات وتتحلل.
هكذا يصدق قول الحق : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ... ( ٤ ) ( ق ).
وقد حاول بعض الفلاسفة أن يتعرضوا اعتراضا ثانيا وقالوا : هب أن إنسانا مات، ثم تحللت عناصره في الأرض. ألا تذهب عناصر إلى كائنات أخرى، مثل شجرة أنتجت ثمرة أو غير ذلك، ثم أكلها إنسا
٢ وقد دل القرآن على أن المؤمنين رغم طاعتهم لله إلا أنك تجدهم مشفقين من يوم القيامة وما فيه من أهوال وهذا لعظم إيمانهم بأن الله سريع الحساب وأنه سبحانه شديد العقاب، ولأنهم يعملون الطاعات ويخافون ألا تقبل، ويقعون في المعاصي ويخشون ألا يغفر لهم. ويقول سبحانه:الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (٤٩) (الأنبياء)..
٣ ورد قوله تعالى:يرجعون في ستة مواضع من القرآن الكريم: آل عمران (٨٣) والأنعام (٣٦) ومريم (٤٠) والنور (٦٤) والقصص (٣٩) وغافر (٧٧)..
٤ يدعون: يدفعون دفعا عنيفا. والدع: الطرد والدفع. قال تعالى:فذاك الذي يدع اليتيم (٢) (الماعون).
٥ الزبد: هو ما يعلوا ماء البحر إذا هاج موجه. وبحر مزبد، أي: مائج يقذف بالزبد. وزبد الماء: طفاوته وقذارته. والجمع: أزباد..
٦ رابيا: مرتفعا، لأنه يكون أعلى سطح الماء..
٧ جفاء السيل: هو ما يقذفه من الزبد والوسخ ونحوهما..
٨ مادة: رجع من باب ضرب –يرجع رجوعا، ورجع عاد إلى مكان منه قد بدأ، فهو لازم، ورجعه غيره أعاده ورده متعد بنفسه، ورجع بصره رده مرة بعد مرة فمن اللازم قوله تعالى:{ولما رجع موسى إلى قومه...(١٥٠) (اعراف) أي: عاد، ومن المتعدي:فإن رجعك الله إلى طائفة منهم...(٨٣) (التوبة) أي: أعادك وردك، ومن المعنوي قوله:ثم ارجع البصر كرتين...(٤) (الملك) القاموس القويم ص٢٥٦، ٢٥٧..
٩ ضللنا في الأرض أي: ذهب أثرنا في الأرض وخفينا بسبب تحلل أجسامنا..
١٠ الجثمان: الجسد، قال تعالى:فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٦٧) (هود) أي: أجسادا ملقاة في الأرض..
١١ النشور: بعث الموتى يوم القيامة. قال تعالى:ثم إذا شاء أنشره (٢٢ (عبس)أي: أحياه وبعثه. وقال:إليه النشور(٢٥) (الملك) ومنه النشور: يوم القيامة.
وقضية البعث والنشور إحدى أربع قضايا رئيسية كان الكافرون ينكرونها، ويحكي عنهم القرآن قولهم:وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا(٤٩) الإسراء) ويقول سبحانه:وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي لرميم(٧٨) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (٧٩) (يس).
١٢ وفي هذا يقول سبحانه وتعالى:أيحسب الإنسان أن يترك سدى(٣٦) (القيامة) قال ابن زيد ومجاهد: أيظن ابن آدم أنه يخلى مهملا فلا يؤمن ولا ينهي. وقيل: أيحسب الإنسان أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث. ذكره القرطبي في تفسيره (١٠/٧١٥٢).
١٣ عي الإنسان بأمر: عجز عنه..
١٤ اللبس: اختلاط الأمر، والشك..
١٥ قامت ضجة الفلاسفة على شبهات وافتراضات نشأت في عقولهم عن استحالة البعث بعد الموت وأعطوا أمثلة ظنوها تؤيد فكرهم السقيم منها: من أكلته أسماك وحيوانات البحر أو أكله أسد أو وحوش مفترسة، وهي شبهات تقوم على أساس ما ذكره فضيلة الشيخ صفحة ٥٧١٤ عن مذهب الفلاسفة في أن الله قد خلق الكون ثم ترك عناصره تتفاعل بقوانينها الذاتية، أي: أن الله ليست له قيومية على كونه. وقد رد القرآن على هذه الشبهات بوضوح بقول الله سبحانه عن خلق الله هذا الكون وقيوميته عليه وعلمه الذي يسع كل جزئيات الكون فلا تغيب عنه مثقال ذرة وهو سبحانه القادر الذي لا يخرج عن قدرته شيء. وما دام الله قد خلق الكون من عدم، فإن إعادته بعد فنائه أهون عليه سبحانه، ويقول عز وجل:وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه (٢٧) (الروم) ويقول تعالى:كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم غليه ترجعون (٢٨) (البقرة).
١٦ ربت: عظمت وانتفخت وزادت..
١٧ التقطير: تنقية وتصفية مما قد يعلق به مواد غريبة ضارة.
والتقطير: تحويل السائل إلى يخار بالحرارة ثم تبريده ليعود سائلا كما كان وذلك بجهاز التقطير (المعجم الوسيط)
والبخار: كل ما يصعد كالدخان من السوائل الحارة (المعجم الوسيط) وتبخير الماء: تسخينه حتى يتحول إلى حالته الغازية ويتصاعد على هيئة بخار..
١٨ التكثيف: هو تعريض بخار الماء إلى سطح بارد ليتكثف عليه ويبرد فيعود إلى حالته السائلة (بواسطة جهاز التقطير)..
١٩ نتح: رشحن يقال: نتج العرق عن الجلد، ونتج إناء بما فيه ونتحه الحر، ونتح الماء من النبات نتحا أي: خرج منه الماء الزائد عن حاجته (المعجم الوسيط"بتصرف")..
٢٠ الذاريات: الرياح. ذرت الريح التراب وغيره تذروه ذروا: أطارته وأذهبته. قال تعالى:تذروه الرياح (٤٥) (الكهف) والحاملات وقرا: السحاب. والجاريات يسرا: السفن. والمقسمات أمرا: الملائكة. وقد ثبت عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صعد منبر الكوفة، فقتال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنبأتكم بذلك، فقام إبن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى:والذاريات ذروا (١) قال علي رضي الله عنه: الريح. قال: فالحاملات وقرا(٢) قال: السحاب. قال:فالجاريات يسرا (٣) قال: السفن، قال: فالمقسمات أمرا(٤) قال رضي الله عنه: الملائكة (ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/٢٣١).
٢١ كل كشف هو من أسرار غيبه سبحانه، وله ساعة ميلاد يتجلى بها الخالق على كل من يتعامل مع الكون بحثا وتأملا وانتفاعا، وما دام القرآن خالدا فمدد الكشف سيظل واردا، وفي وروده انتفاع نحو المراد بقول الحق:قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (١٠٩) (الكهف)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي