وإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ٤٦ ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ٤٧ ويَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ٤٨ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً ولاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولاَ يَسْتَقْدِمُونَ ٤٩ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ٥٠ أَثُمَّ إِذَا مَا وقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ٥١ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ٥٢ ويَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُو قُلْ إِي ورَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ومَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ٥٣ ولَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ٥٤ أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وعْدَ اللّهِ حَقٌّ ولَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٥٥ هُو يُحْيِي ويُمِيتُ وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٥٦
هذه الآيات تتمة الرد على المشركين في تكذيب ما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله من العقاب الذي سبق في الآية ٣٩ وما بعدها.
ولَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ أي لو أن لكل نفس تلبست بهذا الظلم جميع ما في الأرض من أنواع الملك والزينة وصنوف النعيم، وأمكنها أن تفتدي به -أي تجعله فداء لها- من ذلك العذاب -الذي قيل لهم ذوقوه ينقذها منه بذلها له- لافتدت به كله لا تدخر منه شيئا.
وأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ إسرار الشيء إخفاؤه وكتمانه، وإسرار الحديث والكلام خفض الصوت به، فهو ضد إعلانه والجهر به ومنه وأسروا قولكم أو اجهروا به [ الملك : ١٣ ] إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون [ الأنبياء : ١١٠ ]، واستعمل بمعنى الجهر مطلقا فهو ضد، وأنكره بعضهم، والندم والندامة ما يجده الإنسان في نفسه من الألم والحسرة عقب كل فعل يظهر له ضرره، وقد يجهر به بالكلام كقوله :" يا حسرتا على ما فرطت "، أو بالتوبة والاستغفار، وقد يخفيه ويكتمه لعدم الفائدة من إعلانه، أو اتقاء للشماتة، أو الإهانة به، أي وأسر أولئك الذين ظلموا ندامتهم وحسرتهم فيما بينهم وبين ربهم، أو كتموها في قلوبهم.
لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ أي رأوا مباديه عيانا بأبصارهم لما برزت الجحيم وأيقنوا أنهم مواقعوها لا مصرف لهم عنها، وقد يعبر برؤيته عن وقوعه، والظاهر الأول لقوله : وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ أي وقضى الله بينهم وبين خصومهم بالعدل والحق، فإذا أريد بالظلم الكفر والتكذيب ولا يلزمه من الإيذاء فخصومهم الرسل والمؤمنون بهم، وكذا من أضلوهم وظلموهم من المرءوسين والضعفاء الذين كانوا يغرونهم بالكفر، ويصدونهم عن الإيمان، وهو ظاهر السياق هنا، وفي سورة سبأ بعد حكاية مجادلة الظالمين والمظلومين يوم القيامة وأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ سبأ : ٣٣ ]، وإن أريد بالظلم ما يعم ظلمهم للناس في الأحكام وهضم الحقوق كان كل مظلوم خصما لظالمه.
وهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي لا يظلمهم الله كما ظلموا أنفسهم وظلموا أتباعهم ومقلديهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم. والآيات في ندم الظالمين يوم القيامة معروفة كقوله تعالى في آخر سورة النبأ : إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ويَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [ النبأ : ٧٨ ] وقوله : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [ الفرقان : ٢٧ ٢٨ ] وغير ذلك.
تفسير المنار
رشيد رضا