ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

ثم زاد في التأكيد، فقال : وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ أي : ولو أن لكل نفس من الأنفس المتصفة بأنها ظلمت نفسها بالكفر بالله وعدم الإيمان به ما في الأرض، من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة، والذخائر الفائقة لافتدت به : أي جعلته فدية لها من العذاب، ومثله قوله تعالى : إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّار فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم ملْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ وقد تقدّم قوله : وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب الضمير راجع إلى الكفار، الذين سياق الكلام معهم. وقيل : راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس. ومعنى أسروا : أخفوا، أي لم يظهروا الندامة بل أخفوها، لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم، وذهب بتجلدهم، ويمكن أنه بقي فيهم، وهم على تلك الحالة عرق ينزعهم إلى العصبية التي كانوا عليها في الدنيا، فأسرّوا الندامة لئلا يشمت بهم المؤمنون، وقيل : أسرّها الرؤساء فيما بينهم دون أتباعهم، خوفاً من توبيخهم لهم، لكونهم هم الذين أضلوهم، وحالوا بينهم وبين الإسلام ؛ ووقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين : قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شقْوَتُنَا وقيل : معنى أسروا : أظهروا. وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم ؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها، ومنه قول كثير :

فأسررت الندامة يوم نادى بردّ جمال عاضرة المنادى
وذكر المبرد في ذلك وجهين : الأوّل : أنها بدت في وجوههم أسرة الندامة، وهي الإنكسار، واحدها : سرار، وجمعها : أسارير، والثاني : ما تقدّم. وقيل معنى : أَسَرُّواْ الندامة أخلصوها ؛ لأن إخفاءها إخلاصها، و لَمّا في قوله : لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ظرف بمعنى حين منصوب ب " أسرّوا "، أو حرف شرط جوابه محذوف للدلالة ما قبله عليه وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط أي : قضى الله بين المؤمنين وبين الكافرين، أو بين الرؤساء والأتباع، أو بين الظالمين من الكفار والمظلومين. وقيل : معنى القضاء بينهم : إنزال العقوبة عليهم، والقسط : العدل، وجملة وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ في محل نصب على الحال، أي : لا يظلمهم الله فيما فعله بهم من العذاب الذي حلّ بهم، فإنه بسبب ما كسبوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الطبراني، وأبو الشيخ، عن أبي الأحوص، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إن أخي يشتكي بطنه، فوصف له الخمر، فقال : سبحان الله ! ما جعل الله في رجس شفاء، إنما الشفاء في شيء من القرآن والعسل، فهما شفاء لهما في الصدور، وشفاء للناس. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، قال :" إن الله جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم ". وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أشتكي صدري، فقال :" اقرأ القرآن، يقول الله : شفاء لما في الصدور " وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن واثلة بن الأسقع، أن رجلاً شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وجع حلقه، قال :" عليك بقراءة القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء ". وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبيّ قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتاء يعني الفوقية، وقد روي نحو هذا من غير هذه الطريق. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ قال :
«بفضل الله : القرآن، وبرحمته : أن جعلكم من أهله» وأخرج الطبراني في الأوسط، عن البراء، مثله من قوله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس، في الآية قال : بكتاب الله وبالإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه قال : فضله : الإسلام، ورحمته : القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه أيضاً قال : بفضل الله القرآن، وبرحمته : حين جعلهم من أهله. وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدّمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، هو خير مما يجمعون من الأموال والحرث والأنعام.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية