ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

وساعة يأتي العذاب فالإنسان يرغب في الفرار منه، ولو بالافتداء.
وانظر كيف يحاول الإنسان أن يتخلص من كل ما يملك افتداء لنفسه، حتى ولو كان يملك كل ما في السماوات وما في الأرض( (١) ).
ولكن هل يأتي لحد-غير الله سبحانه- أن يملك السماوات والأرض ؟ طبعا لا.
إذن : فالشر لا يتأتى. وهب أنه تأتى، فلن يصلح الافتداء بملك ما في السماوات وما في الأرض ؛ لأن الإنسان الظالم في الدنيا قد أخذ حق الغير، وهذا الغير قد كسب بطريق مشروع ما أخذه الظالم منه، والظالم إنما يأخذ ثمرة عمل غيره، ولو صح ذلك لتحول البعض إلى مغتصبين لحقوق الغير، ولأخذوا عرق وكدح غيرهم، ولتعطلت حركة الحياة.
ولذلك إن لم يردع الله-سبحانه وتعالى- الظالم في الدنيا قبل الآخرة لاستشرى الظلم، وإذا استشرى الظلم في مجتمع، فالبطالة تنتشر فيه، ويحاول كل إنسان أن يأخذ من دم وعرق غيره، وبهذا يختل ميزان العدل وتفسد حركة الحياة كلها.
وهب أن الظالم أخذ ملك الدنيا كلها، وأراد أن يفتدى به نفسه ساعة يأتي العذاب، ويفاجأ بأن كسبه من حرام لا يقبل فداء، أليس هذا هو الخسران الكبير ؟ وهذه ظاهرة موجودة في دنيا الناس.
وهب أن واحدا ارتشى أو اختلس أو سرق، ويفاجئه القانون ليمسكه من تلابيبه( (٢) ) فيقول : خذوا ما عندي واتركوني. ولن يقبل القائمون على القانون ذلك. وإن كان مثل هذا التنازل يحدث في ( الجمارك ) فنرى من يتنازل عن البضائع المهربة مقابل الإفراج عنه، هذا ما يحدث في الدنيا، لكنه لن يحدث في الآخرة.
وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل( (٣) ) ولا هم ينصرون( ٤٨ ) [ البقرة ].
وقال الحق سبحانه في آية أخرى : واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون( ١٢٣ ) [ البقرة ] :
وقال بعض المشككين أن الآيتين متشابهتان، ولم يلتفتوا إلى أن كل آية تختلف عن الأخرى في التقديم للعدل، والتأخير للشفاعة.
والبلاغة الحقة تتجلى في الآيتين ؛ لأن القارئ لصدر كل آية منهما، والفاهم للملكة اللغوية العربية يعرف أن عجز كل آية يناسب صدرها.
ومن يقرأ قول الحق سبحانه : واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس.. ( ٤٨ ) [ البقرة ].
يرى أنه أمام نفسين : النفس( (٤) ) الأولى هي التي تقدم الشفاعة، والنفس الثانية هي المشفوع لها. والشفاعة هنا لا تقبل من النفس الأولى الشفاعة، وكذلك لا يقبل العدل.
وفي الآية الثانية لا تقبل الشفاعة ولا العدل من النفس المشفوع لها، فهي تحاول أن تقدم العدل أولا، ثم حين لا ينفعها تأتي بالشفيع.
وهكذا جاء التقديم والتأخير في الآيتين مناسبا للموقف في كل منهما.
وهنا يقول الحق سبحانه : ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به.. ( ٥٤ ) [ يونس ] : وفي هذا القول تعذر النفس الواحدة لكل ما في الأرض، ولو افترضنا أن هذه النفس ملكته فلن تستطيع الافتداء به ؛ وتكون النتيجة هي ما يقوله الحق سبحانه : وأسروا الندامة لما رأوا العذاب.. ( ٥٤ ) [ يونس ] : أي : أخفوا الحسرة التي تأتي إلى النفس، وليس لها ظاهر من انزعاج لفظي أو حركي.
إن كلا منهم يكتم همه في قلبه، لأنه ساعة يرى العذاب ينبهر ويصعق ويبهت( (٥) ) من هول العذاب، فتجمد دماؤه، ولا يستطيع حتى أن يصرخ، وهو بذلك إنما يكبت ألمه في نفسه، لأن هول الموقف يجمد كل دم في عروقهم، ويخرس ألسنتهم، ولا يستطيع أن ينطق، لأنه يعجز عن التعبير الحركي من الصراخ أو الألم.
ونحن نعلم أن التعبير الحركي لون من التنفيس البدني، وحين لا يستطيعه الإنسان، فهو يتألم أكثر.
هم- إذن- يسرون الندامة حين يرون العذاب المفزع المفجع، والكلام هنا عن الظالمين، وهم على الرغم من ظلمهم، فالحق سبحانه يقول : وقضي بينهم بالقسط( (٦) ) وهم لا يظلمون( ٥٤ ) [ يونس ] : وهؤلاء رغم كفرهم واستحقاقهم للعذاب يلقون العدل من الله، فهب أن كافرا بالله بمنأى عن الدين ظلم كافرا آخر، أيقف الله سبحانه من هذه المسألة موقفا محايدا ؟
لا، لأن حق خلق الله سبحانه- الكافر المظلوم- يقتضي أن يقتص الله سبحانه له من أخيه الكافر الظالم، لأن الظلم الكافر، إنما ظلم مخلوقا لله، حتى وإن كان المظلوم كافرا.
ولذلك يقضي الله بينهم بالحق، أي : يخفف عن المظلوم بعضا من العذاب بقدر ما يثقله على الظالم.
هذا هو معنى وقضي بينهم لأنها تتطلب قضاء، أي : عدم تحيز، وتتطلب الفصل بين خصومتين.
ويترتب على هذا القضاء حكم ؛ لذلك يبين لنا الحق سبحانه أنهم-وإن كانوا كافرين به- إلا أنه إن وقع من أحدهم ظلم على الآخر، فالحق رب الجميع وخالق الجميع، كما أعطاهم بقانون الربوبية كل خير مثلما أعطى المؤمنين، فهو سبحانه الذي أعطى الشمس، والماء، والهواء، وكل وسائل الرزق والقوت لكل الناس- مؤمنهم، وكافرهم-فإذا ما حدث ظلم بين متدينين بدين واحد، أو غير متدينين، فلا بد أن يقضي فيه الحق سبحانه بالفصل والحكم بالعدل.

١ يقول سبحانه:يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه(١١) وصاحبته وأخيبه(١٢) وفصيلته التي تؤويه(١٣) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه(١٤)[المعارج]..
٢ التلابيب: مجامع ثياب الرجل. والتلبيب: هو جمع الثوب الذي يلبسه عند صدره ونحره، وجره.[اللسان مادة لبب]..
٣ العدل: الفدية المماثلة، قال تعالى:ولا يؤخذ منها عدل..(٤٨)[البقرة] أي: لا ينجيها من العذاب دفع فدية مماثلة ولا تقبل منها. وعدل الشيء وعدله أقامه وسواه، قال الحق:الذي خلقك فسواك فعدلك(٧)[الانفطار] وعدل المشرك بربه: جعل له مساويا. قال تعالى:ثم الذين كفروا بربهم يعدلون..(١)[الأنعام] وما كان ينفى أن يعدلوا غيره، فليس كمثله شيء، ومثلها قوله:أإله مع الله بل هو قوم يعدلون(٦٠)[النمل]. أي: يجعلون له شريكا مساويا. وأما قوله:وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون(١٨١)[الأعراف] أي: يحكمون بالعدل [القاموس القويم]..
٤ أي: فالآية الأولى تتحدث عن عدم القبول من النفس الشافعة، والآية الثانية تتحدث عن عدم قبول العدل أولا والشفاعة ثانيا من النفس المشفوع لها، هذا ما يفهم من مرادات الشيخ رضي الله عنه..
٥ يبهت: أي: يتملكه هول ما يحدث، فينقطع عن الكلام أو غيره..
٦ القسط: المراد به هنا العدل..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير