ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٥٧ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُو خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨
هاتان الآيتان في موضوع تشريع القرآن العلمي التهذيبي جاء بعد بيان عقائده الثلاث ( التوحيد والرسالة والبعث ) وتأييدها بالاستدلال على كونه من الله تعالى، وعلى صدق وعده ووعيده، والرد على مكذبيه، وقد أجمل في الآية الأولى جميع مقاصد هذا التشريع وإصلاحه للناس بما يظهر به للعاقل أنه حق وخير وصلاح بذاته لا يصح لعاقل أن يماري فيه، ولا أن يحتاج للاستدلال عليه.
فقال :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ أي قد جاءكم كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة لإصلاح أخلاقهم وأعمالهم الظاهرة، وحكمة بالغة لإصلاح خفايا أنفسكم وشفاء أمراضها الباطنة، وهداية واضحة للصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، ورحمة خاصة للمؤمنين، هي شجنة من رحمة رب العالمين العامة للخلق أجمعين، يتراحمون بها فيما بينهم، فتكمل بها رحمته تعالى لهم، ورحمته للعالمين برسوله إليهم وبهم، وقد عرف هذا من تاريخهم أشهر فلاسفة التاريخ من الإفرنج فقال :" ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب " ١. فكأن الله تعالى يقول للناس- بعد بيان هذه المقاصد الأربعة للقرآن- : فما بالكم أيها الناس تكذبون بما لم تحيطوا به علما من أخبار هذا الكتاب، التي هي من علم الغيب عن المآل والمآب، ولا تفكرون في آدابه ومواعظه، وأحكامه وحكمه، وهداية نواميسه وسننه، وما فيها من المنافع والمصالح، التي لا يماري فيها عالم ولا يكابر فيها عاقل ؟ حتى إن أشد أعداء الرسول إيذاء له وصدا عن دعوته في أول ظهورها لم يستطيعوا الطعن على ما دعا إليه من الفضائل والخير والبر، وما نهى عنه من الرذائل والشرور والفجور، كأبي سفيان عندما سأله هرقل قيصر الروم، وعمرو بن العاص عند ما سأله أصحمة نجاشي الحبشة، فإن كان ذلك قد خفي على بعض الجاحدين والمقلدين لهم من المشركين قبل تعميم نشر القرآن فيهم، وقبل ظهور ما كان له من التأثير العظيم بعد انتشار الإسلام في العرب، ومن الإصلاح الديني والمدني في شعوب العجم، أفليس من العجب العجاب أن يماري به أحد بعد ذلك ويصدق ما يفتريه عليه دعاة الكنيسة ورجال السياسة من الإفرنج وتلاميذهم وهم أكذب البشر ؟
أجملت الآية الحكيمة هذا الإصلاح القرآني لأنفس البشر في أربع قضايا أو مسائل نكرن في اللفظ لتعظيم أمرهن، أو لبيان أنهن نوع خاص لم يعهد الناس مثلهن، في كمالهن المعنوي وبيانهن اللفظي، وقوله من ربكم للتذكير بما يزيدها تعظيما، ووجوب الاتعاظ بها إيمانا وتسليما، لأنها من مالك أمر الناس ومربيهم بفضله ورحمته، وعلمه وحكمته :
الأولى : الموعظة الحسنة : وهي اسم من الوعظ، أي الوصية بالحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأساليب الترغيب والترهيب التي يرق لها القلب، فتبعث على الفعل والترك، وقد تقدم في حقوق النساء من سورة البقرة واذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ والْحِكْمَة يَعِظُكُم بِهِ [ البقرة : ١٣١ ] وفي التي بعدها ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وأَطْهَرُ واللّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [ البقرة : ١٣٢ ] وتقدم في سورة آل عمران بعد النهي عن أكل الربا والأمر بطاعة الله ورسوله والترغيب في الإنفاق في السرّاء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس، وما أعده الله على ذلك من الجزاء قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : ١٣٦ ]، ويليه الكلام في الجهاد وغزوة أحد، وفي سورة النساء إن اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ [ النساء : ٥٨ ]، وتقدم غير ذلك من أمثلة الوعظ- وسيأتي غيره مما يفسر مراده تعالى من موعظته الربانية- فهل يمكن أن يتمارى عاقلان في حسنها ومنفعتها للعباد في أعمالهم وأحكامهم ؟ كلا، إنها مما يتوقف عليه صلاح العباد في كل زمان ومكان.
الثانية : شفاء ما في الصدور : أي شفاء جميع ما في القلوب من أدواء الشرك والكفر والنفاق، وسائر الأمراض النفسية التي يشعر صاحبها ذو الضمير الحي بضيق الصدر، من شك في الإيمان، ومخالفة للوجدان، وإضمار للحقد والحسد والبغي والعدوان، وحب للباطل والشر، وبغض للحق والعدل والخير.
قال الراغب : قال بعض الحكماء : حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب [ ق : ٣٧ ]، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب ونحوها، وقوله : رب اشرح لي صدري [ طه : ٢٥ ] فسؤال لإصلاح قواه، وكذلك قوله : ويشف صدور قوم مؤمنين [ التوبة : ١٤ ] إشارة إلى اشتفائهم. وقوله : فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور [ الحج : ٤٦ ] أي العقول التي هي مندسة فيما سائر القوى وليست مهتدية. والله أعلم بذلك اه.
والتحقيق أن الصدر يطلق مجازا على القلب الحسي الذي فيه، وعلاقته ظاهرة، وعلى القلب المعنوي الذي هو للنفس كالقلب الحسي للبدن لأنه لبها، ومركز شعور مداركها وانفعالاتها، دون الدماغ، فإن النفس لا تشعر بما ينطبع فيه من المدركات من انشراح وبسط، ولا حرج وضيق وقبض، فجميع الإدراكات العلمية والوجدانية توصف بها القلوب حقيقة والصدور مجازا، وتكون فاعلة ومفعولة وصفات للأفعال العاملة فيهما.
وأما العقل في اللغة فهو الحكم الصحيح في بعض الإدراكات ولوازمها من حسن وقبح وصلاح وفساد، ونفع وضر، ومركزه الدماغ قطعا، فأمراض الصدور والقلوب تشمل الجهل وسوء الظن، والشك في الإيمان، والنفاق، والحقد والضغن والحسد، وسوء النية وخبث الطوية، وفساد السريرة، وغير ذلك مما تقدم آنفا، والشواهد على هذا في القرآن كثيرة.
وذهب بعضهم إلى أن الشفاء في الآية يشمل شفاء الأمراض البدنية، واستدلوا بما أخرجه ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أشتكي صدري فقال :" اقرأ القرآن. يقول الله : وشفاء لما في الصدور ، وفيه أن ضيق الصدر في الغالب ألم نفسي لا بدني، قد يكون سببه دينيا وقد يكون دنيويا كالخوف والحاجة، وقراءة المؤمن للقرآن تنفع في كل منهما، ومن الأول قوله : فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء [ الأنعام : ١٢٥ ] وقوله في آخر سورة الحجر ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : ٩٧ ]، والتسبيح بحمد الله والسجود له وعبادته بالصلاة وتلاوة القرآن أعظم أسباب انشراح الصدر، كما قال : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [ الزمر : ٢٢ ].
واستدلوا أيضا بما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه قال :" عليك بقراءة القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء "، وهو على ضعفه لا يدل على ما قيل ؛ إذ معناه اقرأ القرآن تعلم منه ما يفيدك، إذ فيه أن القرآن شفاء لأمراض الصدور، والعسل شفاء لأمراض البدن، فهو كوصفه صلى الله عليه وسلم العسل لمن شكا له استطلاق بطن ابن أخيه في الحديث الصحيح. وقد ثبت في الطب الحديث أن العسل مطهر طبي ومضاد للفساد، واستطلاق البطن يكون من فساد في الأمعاء، وكذا وجع الحلق بالتهاب اللوزتين ونحوه، والعسل مطهر لكل شفاء منهما، وقد روى أبو الشيخ عن الحسن البصري أنه قال : إن الله تعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم. وقال بعض المفسرين : إن تنكير الشفاء في آية العسل يدل على الخصوص لا العموم. على أن الرقية بالفاتحة وغيرها قد تفيد في شفاء بعض الأمراض، ولاسيما إذا كان الراقي قوي الإيمان، والمرقي حسن الاعتقاد، وليس هذا مما تدل عليه الآية.
الثالثة : الهدى : وهو بيان الحق المنقذ من الضلال في الاعتقاد بالبرهان، وفي العمل ببيان الحكم والمصالح في أحكام الأعمال، وهو ما فصلناه تفصيلا في هذا التفسير، وبينا أنواعه في مقاصد القرآن من مباحث الوحي في أول تفسير هذه السورة بأنواعها الدينية والعقلية والاجتماعية، وتقدم الكلام على معناه اللغوي وأنواعه في تفسير الفاتحة وأول سورة البقرة.
الرابعة : الرحمة للمؤمنين : وهي ما تثمره لهم هداية القرآن وتفيضه على قلوبهم من رحمة ربهم الخاصة، وهي صفة كمال من آثارها إغاثة الملهوف، وبذل المعروف، وكف الظلم، ومنع التعدي والبغي، وغير ذلك من أعمال الخير والبر، ومقاومة الشر، وقد وصف الله المؤمنين بقوله : رحماء بينهم [ الفتح ؛ ٢٩ ] وبقوله : وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة [ البلد : ١٧ ].
وهذه الصفات الأربع مرتبة على سنة الفطرة البشرية، فالموعظة التعاليم التي تشعر النفس بنقصها وخطر أمراضها الاعتقادية والخلقية، وتزعجها إلى مداولتها وطلب الشفاء منها، والشفاء تخلية يتبعها طلب التحلية بالصحة الكاملة، والعافية التامة، وهو الهدى، ومن ثمراته هذه الرحمة التي لا توجد على كمالها إلا في المؤمنين المهتدين، ولا يحرمها إلا الكافرون الماديون، حتى قال بعضهم : إنها ضعف في القلب، يجعل صاحبه كالمضطر إلى الإحسان والعطف، وما هذا القول إلا من فساد الفطرة، وقسوة القلب، وفلسفة الكفر، فلقد كان أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا أرحم الناس وأشدهم عطفا، وهو سيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، الذي وصفه ربه بما وصف به نفسه من قوله : بالمؤمنين رءوف رحيم [ التوبة : ١٢٨ ] ؛ بل جعله عين الرحمة في قوله : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء : ١٠٧ ]، وكذلك كان أصحابه رضي الله عنه حتى كان من يوصف بالشدة والقسوة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه صار من أرحم الناس، وسيرته في ذلك معروفة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم :" لا تنزع الرحمة إلا من شقي " ٢. رواه أبو داود والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع -وهو في الصلاة- بكاء طفل تجوز في صلاته، أي اختصر وخفف رحمة به وبأمه، وروى ابن إسحاق أن بلالا رضي الله عنه مرّ بصفية وبابنة عم لها على قتلى قومهما اليهود بعد انتهاء غزوة قريظة، فصكت ابنة عمها وجهها وحثت عليه التراب وهي تصيح وتبكي، فقال صلى الله عليه وسلم له :" أنزعت الرحمة من قلبك حتى مررت بالمرأتين على قتلاهما "، وجاء أعرابي إليه صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم تقبلون أولادكم وما نقبلهم، فقال :" أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك " ٣. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنه.
بل كان صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة بالبهائم والطير والحشرات، وطالما أوصى بها، ولاسيما صغارها وأمهاتها، جاءه مرة رجل وعليه كساء، وفي يده شيء قد التف عليه، فقال : يا رسول الله إنني لما رأيتك أقبلت، فمررت بغيطة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذ

١ هو الحكيم الاجتماعي المؤرخ الدكتور غوستاف لوبون الفرنسي (المؤلف)..
٢ أخرجه الترمذي في البر باب ١٦، وأحمد في المسند ٢/٣٠١، ٤٤٢، ٤٦١، ٥٩٣..
٣ أخرجه البخاري في الأدب باب ١٨، ومسلم في الفضائل حديث ٦٤..

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٥٧ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُو خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨
هاتان الآيتان في موضوع تشريع القرآن العلمي التهذيبي جاء بعد بيان عقائده الثلاث ( التوحيد والرسالة والبعث ) وتأييدها بالاستدلال على كونه من الله تعالى، وعلى صدق وعده ووعيده، والرد على مكذبيه، وقد أجمل في الآية الأولى جميع مقاصد هذا التشريع وإصلاحه للناس بما يظهر به للعاقل أنه حق وخير وصلاح بذاته لا يصح لعاقل أن يماري فيه، ولا أن يحتاج للاستدلال عليه.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير