ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين( ٥٧ ) :
والخطاب هنا للناس جميعا ؛ لأن الحق سبحانه حين يخاطب المؤمنين بقوله تعالى :
يا أيها الذين آمنوا.. ( ١٠٤ ) [ البقرة ] : فهذا خطاب لمن آمن بالمنهج.
والحق سبحانه وتعالى يخاطب الناس كافة بأصول العقائد، مثل قول الحق سبحانه :
يا أيها الناس اتقوا ربكم.. ( ١ ) [ النساء ] : أما المؤمنون فسبحانه يكلفهم بخطابه إليهم، من مثل قول الحق سبحانه : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. ( ١٨٣ ) [ البقرة ].
ومثل قول الحق : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص( ١ ) في القتلى.. ( ١٧٨ ) [ البقرة ] : أي : أن خطابه سبحانه للمؤمنين يكون دائما في الأحكام التي يخاطب بها المؤمنين، أما في أصول العقائد والإيمان الأعلى بالواجد الموجد، فهذا يكون خطابا للناس كافة.
والحق سبحانه يقول هنا : يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة.. ( ٥٧ ) [ يونس ] : والآية هنا تصور الموعظة وكأنها قد تجسدت وصار لها مجيء، رغم أن الموعظة هي كلمات، وأراد الله تعالى بذلك أن يعطي للموعظة صورة الحركة التي تؤثر وتحض على الإيمان.
والموعظة( ٢ ) هي الوصية بالخير والبعد عن الشر بلفظ مؤثر، ويقال : فلان واعظ متميز، أي : أن كلامه مستميل وأسلوبه مؤثر وجميل، والموعوظ دائما أضعف من الواعظ، وتكون نفس الموعوظ ثقيلة، فلا تتقبل الموعظة بيسر إلا ممن يجيد التأثير بجمال الكلمة وصدق الأداء( ٣ ) ؛ لأن الموعوظ قد يقول في نفسه : لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعني، وأنت أعلى مني. فإذا قدر الواعظ هذا الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه.
ولنتذكر الحكمة التي تقول :" النصح ثقيل، فلا تجعلوه جدلا، ولا ترسلوه جبلا، واستعيروا له خفة البيان " ؛ وذلك لتستميل أذن السماع إليك فتأتى له بالأسلوب الجميل المقنع الممتع الذي يعجبه، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه.
والموعظة تختلف عن الوصية ؛ لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء، وهب أن إنسانا مريضا وله أولاد، وحضرته الوفاة، فيقوم بكتابة وصيته، ويوصيهم بعيون( ٤ ) المسائل.
والحق سبحانه يقول هنا : قد جاءتكم موعظة.. ( ٥٧ ) [ يونس ] : والموعظة إما أن تسمعها أو ترفضها، ولأنها موعظة قادمة من ربكم فلا بد من الالتفات والانتباه، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب، لا من الإله ؛ لأن الإله يريدك عابدا، لكن الرب هو المربي والكفيل، وإن كفرت به.
وهذه الموعظة قادمة من الرب، أي : أنها من كمالات التربية، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع ما بين قسمين : القسم الأول هو مقومات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قوت ورزق-وهذه المقومات للمؤمن، وللكافر- والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة، وهذه للمؤمن فقط.
إذن : فالموعظة هي نوع من التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم ؛ لأنه هو الذي خلق من عدم وأمد من عدم، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط، بل شملت نعمته كل الخلق.
إذن : فالموعظة تجيء من يعطي ولا ينتظر منك شيئا، فهو سبحانه منزه عن الغرض ؛ لأنه لن ينال شيئا منك( ٥ ) فأنت لا تقدر على شيء مع قدرته سبحانه.
والموعظة القادمة بالمنهج تخص العقلاء الراشدين ؛ لأن حركة العاقل الراشد تمر على عقله أولا، ويختار بين البدائل، أما حركة المجنون فهي غير مرتبة ولا منسقة، ولا تمر على عقله ؛ لأن عقله مختل الإدراك وفاقد للقدرة على الاختيار بين البدائل.
ولكن لماذا يفسد العاقل الاختيار بين البدائل( ٦ ) ؟ إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور.. ( ٥٧ ) [ يونس ] : أي : أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفي صدوركم من غل يؤثر في أحكامكم، وحقد، وحسد، ومكر، وينقي باطن الإنسان ؛ لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني، ولا بد أن يشفى النبع الوجداني ؛ ليصح ؛ حتى تخرج الحركات من الجوارح وهي نابغة من وجدان طاهر مصفى وسليم ؛ وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة( ٧ ).
ولذلك قال الحق سبحانه : وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين( ٥٧ ) [ يونس ] : وجاءت كلمة " لشفاء " أولا ؛ لتبين أن الهداية الحقة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن تخرج ما في قلبه من أهواء، ثم تدله إلى المنهج المستقيم.
وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة ؟ نجيب : إن الشفاء هو إخراج لما يمرض الصدور، أما الرحمة فهي إتباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى، واقرأ عن شئت قول الحق سبحانه : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين.. ( ٨٢ ) [ الإسراء ] : وهكذا يتبين لنا أثر الموعظة : شفاء، وهدى، ورحمة، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط، ولكن تعالج جذور المرض.
إذن : فشفاء الصدور يجب أن يتم أولا ؛ لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض فقط ليعالجها، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر، على عكس الطبيب غير المدرب العجول الذي يعالج الظواهر دون علاج جذور المرض.
ومثال ذلك : طبيب الأمراض الجلدية غير الماهر حين يرى بثورا ؛ فهو يعالجها بما يطمسها ويزيلها مؤقتا، لكنها تعود بعد قليل، أما الطبيب المدرب الفاهم فهو يعالج الأسباب التي تنتج البثور، ويزيلها بالعلاج الفعال ؛ فيقضي على أسباب ظهورها.
وفي القرآن الكريم نجد قصة ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام، فقد قال له الحق سبحانه : اركض( ٨ ) برجلك هذا مغتسل بارد وشراب( ٤٢ ) [ ص ] : أي : اضرب برجلك ذلك المكان يخرج لك منه ماء بارد، فتغسل منه ؛ فيزيل الأعراض الظاهرة، وتشرب منه ليعالج أصل الداء.
إذن : فالموعظة وكأنها تجسدت، فجاءت من ربكم-المأمون عليكم- شفاء حتى تعالج المواجيد( ٩ ) التي تصدر عنها الأفعال، وتصبح مواجيد سليمة مستقيمة، لا تحلل فيها، وهدى إلى الطريق الموصل إلى الغاية الحقة، ورحمة إن اتبعها الإنسان لا يصاب بأي داء، وهذه الموعظة تؤدي إلى العمل المقبول عند الله سبحانه.
ولكن إن صحت لك الأربعة النابعة من الموعظة : الشفاء، والهدى، والرحمة والعمل الصالح، فإياك أن تفرح بذلك ؛ ففوق كل ذلك فضل الله عليك ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه :
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون( ٥٨ ) :

١ القصاص: هو توقيع العقاب على ما قتل أو جرح غيره بمثل ما قتل أو جرح، وهي شريعة جاءت التوراة بها وأقرتها شريعة الإسلام، قال تعالى:وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص..(٤٥)[المائدة].
٢ وعظه يعظه وعظا وعظة: نصحه بالطاعة والعمل الصالح، وأرشده إلى الخير. قال تعالى مصورا عناد الكافرين:قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين(١٣٦) [الشعراء] فهم لعنادهم يتساوى عندهم الأمران. والموعظة ما يوعظ به من قول أو فعل كقوله تعالى:وموعظة للمتقين(٦٦)[البقرة] وقال:ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..(١٢٥)[النحل]، والموعظة لها مقدمات بلاغية من منطق إيماني. مادة وعظ بتصرف. من " القاموس القويم"..
٣ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والمثل الأعلى في الموعظة الحكيمة، فعن العرباض بن سارية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون.." الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه(٤٢) والترمذي (٢٦٧٦) وأحمد في مسنده (٤/١٢٧، ١٢٦)..
٤ في عيون المسائل: أي: أصولها، والمهم منها، وعين كل شيء: خياره.[اللسان: مادة (عين)]..
٥ وقد أعطانا القرآن مثالا لهذا عن الهدى الذي يذبحه الحجيج، فيقول سبحانه:لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكمم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين(٣٧)[الحج]..
٦ بدل الشيء غيره، وبدل الكلام: غيره وحرفه، قال تعالى:فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون(٥٩)[البقرة] أي: غيروه بكلام آخر، ويقول الحق:إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم(١١)[النمل] أي: عمل الخير والحسن بعد عمل السوء، وأبدله الشيء من الشيء، وأبدل الشيء جعله بدلا منه، وتبدل الشيء بالشيء ومن الشيء جعله بدلا منه، كقوله:لا يحل لك النساء من بعدد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا(٥٢)[الأحزاب]..
٧ عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" أخرجه البخاري في صحيحه (٥٢) ومسلم في صحيحه (١٥٩٩)..
٨ ابتلى اله سبحانه عبده ونبيه أيوب-عليه السلام-بالمرض في جسده وفقد ماله وأولاده. واستمر هذا البلاء مدة ثماني عشرة سنة عاشها صابرا على قضاء الله، ولم يبق معه إلا زوجته التي اضطرت للعمل في خدمة الناس حتى توفر لنفسها ولزوجها الطعام، ولما دعا أيوب ربه:وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين(٨٣)[الأنبياء] استجاب الله له وأزال عنه الضر إذ قال له:اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب(٤٢)[ص] لقد أمره الله أن يقوم ويركض الأرض برجله ففعل، فانبع الله في الأرض عينا وأمره أن يغتسل منها، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره أن يضرب الأرض في مكان آخر ففعل فأنبع الله له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها؛ فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت له العافية ظاهرا وباطنا.[ذكرها ابن كثير في تفسيره ٤/٤٠، ٣٩] وقال عنه سبحانه:إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب..(٤٤)[ص]..
٩ المواجيد: المقصود بها أعمال القلب التي إن استقامت استقامت الجوارح..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير