(يَا أَيُّهَا النَّاسُ).
تبين هذه الآية أن ما جاء به - ﷺ - قد اجتمعت فيه عناصر أربعة هي أقسام القرآن الكريم وهدايته:
القسم الأول - الدعوة إلى كل خير والإبعاد عن الشر والزجر، وضرب الأمثال في القصص القرآني الحكيم، والتربية النفسية بالعظة والاعتبار، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ...). ونسب سبحانه الموعظة إلى نفسه فقال: (مِّن رَّبِّكُمْ) وذكر الرب في هذا المقام إشعار بأنها في التربية الربانية الحكيمة لمن اتعظ واعتبر وأدرك وفقهت نفسه إلى الحقائق ووعاها.
القسم الثاني - أنه مما اشتمل عليه القرآن أنه شفاء لما في الصدور، كما قال تعالى: (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُو) فإذا كانت الموعظة تقتضي واجبا إيجابيا هو تربية وتهذيب وإنشاء، فالشفاء كشف وإزالة لأدران الأمراض النفسية من حسد وحقد وتباغض وتنازع وخوف تبتدئ في الصدور وتنتهي إلى أن تكون أسقاما في المجتمع البشري تفسد بناءه وتقوضه، وكل هذا داء يحتاج إلى دواء، وفي القرآن الكريم ذلك الدواء الذي يكون به الشفاء.
القسم الثالث - هو الهداية فقال سبحانه: (وَهُدًى) أي أن فيه الهداية إلى الطريق المستقيم، وهو صراط الذين أنعم اللَّه عليهم فسلكوا الطريق الأقوم وبعدوا عن الشرك والضلال والاعوجاج، وساروا على هدى من اللَّه استقامت به قلوبهم وألسنتهم وكان منهم المجتمع الكامل القويم لَا عوج فيه ولا التواء عن القصد السوي.
القسم الرابع - (وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ) هو ما في القرآن الكريم من رحمة، والرحمة هنا هي الشريعة المنظمة لمجنمع المؤمنين الذي يأخذ بها كل ذي حق حقه، ويرتدع بها الظالم، ففي شرائعها الإيجابية رحمة بالناس وكل نظمها رحمة وفي شرائعها الناهية رحية؛ لأنها تنقية من الفساد ودفع لظلم الآحاد، وإذا كان الظلم شقاء فدفعه رحمة وسعادة، وإن العقوبات الزاجرة التي شرعها الكتاب الحكيم رحمة، وإنه من الرحمة أن يؤخذ المجرمون بجرائمهم، وقد قال - ﷺ -:
" من لَا يَرْحم لَا يُرْحَم " (١) ودفع الظلم والقصاص رحمة، ولذا قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ...).
ودفع اعتداء المعتدين رحمة وذلك من قوله تعالى: (... وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ...).
وإن الموعظة والشفاء والهدى والرحمة للمؤمنين، لأنهم يتعظون بمواعظه ويستشفون بشفائه ويهتدون بهدايته وتنالهم رحمته.
قال البيضاوي في مغزى هذه الآية: " قد جاء كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها، المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين، حيث أنزلت عليهم، نجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران إلى مصاعد من درجات الجنان ".
إن من فضل اللَّه على عباده نزول القرآن الكريم المشتمل على هذا الفضل العظيم الذي يقول فيه سبحانه:
________
(١) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة