ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩ ومَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ٦٠
هاتان الآيتان في إقامة الحجة على منكري الوحي من المشركين بفعل من أفعالهم لا ينكرونه ولا يجادلون فيه، تعزيزا لما تقدم من أنواع الحجج العقلية على إثباته، ودفع شبهاتهم عليه، وهذه الحجة مبنية على قاعدة كون التشريع العملي في التحريم والتحليل هو حق الله تعالى وحده، وقاعدة كون الأصل في الأرزاق وسائر الأشياء التي ينتفع بها الخلق الإباحة، وقاعدة كون انتحال العبيد حق التشريع الخاص بربهم افتراء عليه وكفرا به، يستحق فاعلوه أشد عقابه، وهو يتضمن الشهادة على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم في كونه مبلغا لهذا القرآن عنه تعالى، مؤكدا لما تقدم من الحجج على صدقه، وعلى كون القرآن كلام الله المعجز لجميع خلقه.
قال عزّ وجلّ لنبيه صلى الله عليه وسلم قُلْ أَرَأَيْتُم أي أخبروني أيها الجاحدون للوحي والتشريع الإلهي مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ أي هذا الذي أفاضه الله عليكم من سماء فضله وإحسانه من رزق تعيشون به من نبات وحيوان، وكل عطاء منه تعالى يعبر عنه بالإنزال كقوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [ الزمر : ٦ ] وقوله : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس [ الحديد : ٢٥ ].
فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وحَلاَلاً أي فترتب على إنزاله لمنفعتكم أن جعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا. وقد تقدم تفصيل هذا في سورة الأنعام من قوله تعالى : وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذَا لِشُرَكَآئِنَا [ الأنعام : ١٣٦ ] إلى قوله قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا [ الأنعام : ١٥٠ ]، وفي معناها قوله من سورة المائدة مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ ولاَ وصِيلَةٍ ولاَ حَامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [ المائدة : ١٠٣ ] أي يفترون عليه بتحريم ما لم يحرمه، وقال هنا وهو المراد من الاستخبار :
قُلْ آاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ هذا الاستفهام للتقرير، ومدت همزته لدخولها على ألف اسم الجلالة. أي إنه ليس لأحد حق أن يحرم على الناس ويحل لهم إلا ربهم الله، فهل الله هو الذي أذن لكم بذلك بوحي أنزله إليكم ؟
أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ بزعمكم أنه حرمها عليكم ؟ أي لا مندوحة لكم عن الإقرار بأحد الأمرين : إما دعوى الإذن من الله لكم بالتحليل والتحريم، وهو اعتراف بالوحي، وأنتم تنكرونه وتلحون وتلجون في الإنكار، وتزعمون أنه محال عليه تعالى أن يوحي إلى أحد من الناس، وإما الافتراء على الله ؟ وهو الذي يلزمكم بإنكار الأول ؛ إذ لا واسطة بينهما. ويحتمل أن يكون الاستفهام للإنكار وأم متصلة، فيكون المعنى إن الله لم يأذن لكم ؛ بل أنتم تفترون على الله تعالى، والغاية واحدة، وأصل الفري قطع الجلد لمصلحة، والافتراء تكلفة، وغلب في تعمد الكذب.
قال الكرخي في هذا الاستفهام : وكفى به زاجرا لمن أفتى بغير إتقان، كبعض فقهاء هذا الزمان.
وقال العماد ابن كثير في تفسيره : وقد أنكر الله على من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم، بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها، ولا دليل عليها اه.
ونحن نقول : وكفى به زاجرا لمن يحرمون على الناس ما لم يحرمه الله تعالى بنص كتابه، كالتحريم بالرأي والقياس، أو بدليل ظني من الكتاب والحديث غير قطعي الرواية والدلالة، وهو مخالف لهذه الآية وأمثالها، والمروي عن السلف أن التحريم لا يكون إلا بنص قطعي، وهو أصل مذهب الحنفية، والكرخي منهم، وقد تقدم بيان هذا مرارا في هذا التفسير، ومنه قول القاضي أبي يوسف : لم يكونوا يقولون في شيء : إنه حرام إلا ما كان بينا في كتاب الله بلا تفسير.
وفي هذه الآية قواعد أشرنا إلى ثلاث منها :
القاعدة الأولى : إن الأصل في كل ما خلقه الله تعالى للناس من الأرزاق نباتها وحيوانها الإباحة، وهو يتضمن بطلان قول من يحرمون أكل اللحوم، ولهم على هذا شبهتان :
أولاهما قديمة، وهي زعمهم أن أكل لحم الحيوان يتوقف على تذكيته بالذبح وغيره وهو تعذيب مستقبح عقلا، وجوابه أن هذا القول جهل، فإن التذكية الشرعية ليست تعذيبا، وربما كانت أهون من موته بسبب آخر من أسباب الموت، كافتراس سبع، أو ترد من مكان عال، أو اختناق بين شجرتين مثلا، أو نطاح، أو وقذ راع قاس، أو معتد آخر، وقد حرم الله في آية المائدة ( ٥ : ٣ ) أكل ما مات بسبب من هذه الأسباب، كالذي يموت حتف أنفه. ونهى الشرع عن تعذيب أي ذي روح، وحث على رحمته، كما تقدم قريبا في تفسير الرحمة، وقال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم :" إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته " ١. رواه مسلم من حديث شداد بن ثابت رضي الله عنه، والذبح بهذه الصفة لا يؤلم الحيوان إلا لحظة قصيرة، والحيوانات لا تشعر بالألم بقدر ما يشعر به البشر، كما قرره بعض علماء هذا الشأن.
الشبهة الثانية : حادثة، وهي ما يزعمه النباتيون الذين يفضلون الأغذية النباتية على الحيوانية من كون أكل اللحوم ضارا للناس، وجوابنا عنها أنهم إن عزموا أن أكل اللحم يضر كل آكل منهم مطلقا فهذا زعم تبطله التجارب وينكره أكثر أطباء العالم، وإن قالوا : إنه يضر بعضهم كأصحاب أمراض الترف وضعاف المعدة ( كالرئية والنقرس ) فهذا لا يقتضي تحريمه عليهم كلهم بالإطلاق، وحكم الشرع في المضار الحظر ومنه عام وخاص.
القاعدة الثانية والثالثة : إن تشريع التحريم الديني هو حق الله تعالى وحده، وإن جعله لغيره شرك به، وقد بسطنا هذا في مواضع من هذا التفسير بدلالة الآيات والسنة والآثار.
القاعدة الرابعة : إن ما خلقه الله وسخره لنا من سائر منافع الكون فالأصل فيه الإباحة كالرزق، ويؤخذ من هذه الآية بالفحوى، وبناء المنة فيه على كونه منه تعالى، وهو صريح قوله : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ البقرة : ٢٩ ].

١ أخرجه مسلم في الصيد حديث ٥٧، وأبو داود في الأضاحي باب ١١، والترمذي في الديات باب ١٤، والنسائي في الضحايا باب ٢٢، ٢٦، ٢٧، وابن ماجه في الذبائح باب ٣، وأحمد في المسند ٤/١٢٣، ١٢٤، ١٢٥..

قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩ ومَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ٦٠
هاتان الآيتان في إقامة الحجة على منكري الوحي من المشركين بفعل من أفعالهم لا ينكرونه ولا يجادلون فيه، تعزيزا لما تقدم من أنواع الحجج العقلية على إثباته، ودفع شبهاتهم عليه، وهذه الحجة مبنية على قاعدة كون التشريع العملي في التحريم والتحليل هو حق الله تعالى وحده، وقاعدة كون الأصل في الأرزاق وسائر الأشياء التي ينتفع بها الخلق الإباحة، وقاعدة كون انتحال العبيد حق التشريع الخاص بربهم افتراء عليه وكفرا به، يستحق فاعلوه أشد عقابه، وهو يتضمن الشهادة على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم في كونه مبلغا لهذا القرآن عنه تعالى، مؤكدا لما تقدم من الحجج على صدقه، وعلى كون القرآن كلام الله المعجز لجميع خلقه.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير