ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون( ٥٩ ) :
إن تمتع الإنسان في الحياة بالمُلك والمِلك، فكل ذلك يحتاج إلى استبقاء الحياة بالرزق الذي يهبنا الحق سبحانه إيّاه، وكذلك استبقاء النوع بالتزاوج بين الذكر والأنثى.
ولكن الرزق الذي يستبقي الحياة لا بد أن يكون حلالا ؛ لذلك حدّد لنا الحق سبحانه وتعالى المحرّمات فلا تقربها، وأنت عليك بالالتزام بما حدده الله، فلا تدخل أنت على ما حلّل الله لتحرّمه( ١ ) ؛ لأن الحق سبحانه حدد لك من الطعام ما سيستبقي حياتك ويعطيك وقودا لحركة الحياة، فعامل نفسك كما تعامل الآلة التي تصنعها، فأنت تعطي كل آلة الوقود المناسب لها لتؤدي مهمتها، كذلك جعل الله سبحانه لك المواصفات التي تنفعك وتستفيد منها وتؤدي حركات الحياة بالطاقة التي يمدّك بها ما حلّله الله لك. وكذلك حرّم الله عليك ما يضرّك.
وإياك أن تقول : ما دامت هذه الأشياء تضرني فلماذا خلقها الله ؛ لأن عليك أن تعرف أن هناك فارقا بين رزق مباشر، ورزق غير مباشر، وكل ما في الكون هو رزق، ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فورا، وهناك رزق غير مباشر. ومثال ذلك : النار، فأنت لا تأكل النار، لكنها تنضج لك الطعام. إذن : فهناك شيء مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك.
والحق سبحانه قد حلل لك-على سبيل المثال- لحم الضأن والماعز، والإبل والبقر وغيرها، وحرم عليك لحم الخنزير( ٢ )، فلا تسأل : لماذا خلق الله الخنزير ؛ لأنه خلقه لمهمة أخرى، فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها، فهذا رزق غير مباشر، فاتركه للمهمة التي أراده الله لها.
وبعض الناس قد حرّم على نفسه أشياء حلّلها الله تعالى( ٣ )، وهم بذلك يضيقون على أنفسهم، ويظن البعض أنه حين يحلّل ما حرم الله أنه يوسع على نفسه، فيأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول : أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق.. ( ٥٩ ) [ يونس ] : أي : أخبروني ما أنزل الله لكم من رزق، وهو كل ما تنتفعون به، إما مباشرة، وإما بالوسائط، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بيّن لكم الحلال والحرام ؟ !
وكلمة أنزل تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى( ٤ )، وكل ما ترونه حولكم هو رزق، تنتفعون به مباشرة، أو بشكل غير مباشر، فالمال الذي تشتري به أغلب الأرزاق لا يأكله الإنسان، بل يشتري به ما يأكله.
وكلمة أنزل تعني : أوجد، وخلق من أعلى، وما دام كل شيء قد وجد بمشيئته من هو أعلى من كل الوجود، فكل شيء لصالحك مباشرة أو بوسائط.
ولا تأخذ كلمة أنزل من جهة العلو الحسية، بل خذها من جهة العلو المعنوية، فالمطر-مثلا ينزل من أعلى حسيا، ويختلط بالأرض فيأخذ النبات غذاءه منها، والرزق بالمطر ومن الأرض مقدّر ممن خلق، وهو الأعلى سبحانه.
وقد قال الحق سبحانه : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس( ٥ ).. ( ٢٥ ) [ الحديد ].
نعم، فقد أنزل الحق سبحانه منهجه على الرسل عليهم السلام لتصلح حياة الناس، وأنزل الحديد أيضا، هذا الذي نستخرجه من الجبال ومن الأرض.
إذن : فالمراد هنا بالإنزال، أي : الإيجاد ممن هو أعلى منك لصالحك أيها الإنسان.
وما دام الحق سبحانه هو الذي أنزل الرزق، وبين الحلال والحرام، فلماذا تدخلون أنوفكم في الحلال والحرام، وتجعلون بعض الحلال حراما، وبعض الحرام أو كل الحرام حلالا ؟ لماذا لا تتركون الجعل لمن خلق وهو سبحانه أدرى بمصلحتكم ؟
قل الله أذن لكم.. ( ٥٩ ) [ يونس ] أي : هل أعطاكم الله سبحانه تفويضا في جعل الحلال حراما، والحرام حلالا ؟ أم على الله تفترون( ٥٩ ) أي : على الله تتعمدون الكذب.
وقد جاء الحق سبحانه بالحلال والحرام ليبيّن لنا مدى قبح السلوك في تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرّم الله.
ويشير الحق سبحانه-في إجمال هذه الآية إلى آيات أخرى فصلت الحرام، وسبق أن تناولناها بخواطرنا، مثل قوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون( ١٠٣ ) [ المائدة ] : والبحيرة-كما ذكرنا- هي الناقة التي أنجبت خمس بطون آخرها ذكر، وكانوا يشقّون أذنها، ويعلنون أنها قامت بواجبها ويتركونها سائمة( ٦ ) غير مملوكة، لا يركبها أحد، ولا يحمل عليها أحد أيّ حمل، ولا يحلبها أحد، ولا يجز صوفها أحد، ثم يذبحها خدّام الآلهة التي كانوا يعبدونها، وسمَّوها " بحيرة " ( ٧ ) ؛ لأنهم كانوا يشقون آذانها علامة على أنها أدّت مهمتها.
أما السائبة فهي غير المربوطة ؛ لأن الربط يفيد الملكية، وكان الواحد منهم إذا شفى من مرض أو أراد شيئا( ٨ ) وهب أن يجعل ناقة لخدام الأصنام، واسمها سائبة، وهي أيضا لا تركب، ولا تحلب، ولا يحمل عليها، ولا أحد يتعرّض لها.
والوصيلة : هي الأنثى تلدها الناقة في بطن واحدة مع ذكر، فيقولون :" وصلت أخاها " ؛ فلا يذبحونه للأصنام من أجل أخته.
ولا حام والحام : هو الفحل الذي يحمي ظهر نفسه بإنجاب عشرة أبطن، فلا يركبه أحد بعد ذلك، ولا يحمل عليه، ويترك لخدّام الأصنام.
هذه هي الأنعام المحللة التي حرموها على أنفسهم، بينما يأكلها خدام الأصنام، وفي ذكر عدم تحريم تلك الأنعام ورأفة بهم. وهناك أيضا قول الحق سبحانه : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين( ١٤٣ ) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أو الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين( ١٤٤ ) [ الأنعام ] : إذن : فقد حرموا بعضا مما أحل الله لهم، وقالوا ما أورده القرآن : وجعلوا لله مما ذرأ( ٩ ) من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم( ١٠ ) وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله و ما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون( ١٣٦ ) [ الأنعام ]. وأجمل الحق سبحانه كل ذلك في قوله الحق : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون( ٥٩ ) وهكذا تدخّلوا في تحريم بعض الحلال وحللوا بعضا من الحرام، وفي هذا تعدّ ما كان يجب أن يقترفوه( ١١ ) ؛ لأن الحق سبحانه هو خالقهم، وهو خالق أرزاقهم، وفي هذا كذب متعمد على الله سبحانه.

١ يقول رب العزة سبحانه:إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به..(١١٥)[النحل]..
٢ يقول الحق سبحانه:يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين(٨٧) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون(٨٨)[المائدة]..
٣ يقول الحق سبحانه عن يعقوب عليه السلام:كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين(٩٣)[آل عمرا]..
٤ يقول الحق سبحانه:وفي السماء رزقكم وما توعدون(٢٢)[الذاريات] فنزول المطر من السماء هو رزق ينزله الله سبحانه، فتحيا به الأرض الميتة فتنبت الزرع فيأكل منه كل كائن حي على الأرض من إنسان أو حيوان،إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام..(٢٤)[يونس]..
٥ البينات: الآيات الواضحة. والقسط هنا: العدل. والبأس: القوة.[لسان العرب]..
٦ السائبة: الغنم والماشية ترعى حيث شاءت. والسائم: الذاهب على وجهه حيث يشاء.[اللسان مادة سوم]..
٧ وسبب التسمية بالبحيرة هو أن شق أذنها يكون شقا واسعا فأشبه البحر في سعته.(بتصرف من أحكام القرآن للجصاص ٢/٦٠٨)؛ وفي تحديد المقصود بالبحيرة-هل هي الناقة التي ولدت خمسة أبطن أم بنتها التي ولدت في آخر بطن؟-اختلاف. انظر في هذا تفسير ابن كثير (٢/١٠٨، ١٠٧) وكذا أحكام القرآن للجصاص، ولذلك قيل في بعض الأقوال أن السائبة هي أم البحيرة..
٨ كان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر بعيد، أو من علة، أو نجته دابة من مشقة أو حرب قال: ناقتي سائبة أي: تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تحلأ عن ماء، ولا تمنع من كلأ، ولا تركب،.[ذكره ابن منظور في اللسان مادة (سيب)]..
٩ ذرأ: خلق. والحرث: هو الزرع والثمار..
١٠ بزعمهم، أي: بقولهم الكذب [لسان العرب]...
١١ وقد أجمل الحق سبحانه المحرمات من المطاعم في قوله:قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم(١٤٥)[الأنعام]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير