فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي : كذبتم وأدبرتم عن الطاعة، فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي : لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا، إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي : وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله عز وجل، والإسلام هو دين [ جميع ]١ الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، كما قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [ المائدة : ٤٨ ]. قال ابن عباس : سبيلا وسنة. فهذا نوح يقول : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ النمل : ٩١ ]، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : ١٣١، ١٣٢ ]، وقال يوسف : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : ١٠١ ]. وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : ٨٤ ]. وقالت٢ السحرة : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [ الأعراف : ١٢٦ ]. وقالت بلْقيس : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ النمل : ٤٤ ]. وقال [ الله ]٣ تعالى : إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [ المائدة : ٤٤ ]، وقال تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [ المائدة : ١١١ ] وقال خاتم الرسل وسيد البشر : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الأنعام : ١٦٢، ١٦٣ ] أي : من هذه الأمة ؛ ولهذا قال في الحديث الثابت عنه :" نحن معاشر الأنبياء أولاد عَلات، ديننا واحد " ٤ أي : وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله :" أولاد علات "، وهم : الإخوة من أمهات شتى والأب واحد.
٢ - في ت، أ :"وقال"..
٣ - زيادة من ت، أ..
٤ - رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة